الأدب وتوحش رأس المال: حيّ الرويس يكتب وصيته الأخيرة

كاتب المقالة

حسن السلمي

حسن السلمي

(١)

سنحاول في هذه التدوينة أن نتحدث عن كتاب الرويس للكاتب السعودي سعيد السريحي، الذي يحكي قصة حي الرويس الواقع على كورنيش جدة الجنوبي والذي يشكل واحداً من أعرق أحياء جدة المعاصرة.

ونحن إذ نقرأ هذا العمل نؤكدُ على أن الكاتب كان -وهو يكتب هذا العمل الأدبي- مشغولاً بقضية أهل هذا الحي الذي ينتمي له؛ وهو يفعل ذلك ليتحدث عن مرحلة تاريخية ولد فيها الحي ولادة شرعية من رحم المعاناة والكد والوكد؛ ليؤكد حينها على أحقية انتماء الإنسان لهذا المكان انتماءً شرعيا و عضوياً لا يحق لأيّ أحد أن يسلبه إياهم.
وقضية حي الرويس أخذت حيزاً إعلامياً لا بأس به، وقصتها أن مشروع تطوير أحياء جدة المتعاون مع أمانة جدة انتهى إلى نتيجةٍ مفادها أن حيّ الرويس عشوائيٌ ولا بد من “تطويره”؛ لكن حدثت مشاكلُ منعت المشروع من أن يستمر رغم اعتزائه بالسلطات الممكنه لإخراج أهل الحي من مساكنهم؛ حيث إنهم لم يخرجوا، وظلوا باقين صامدين في بيوتهم لعدة أسباب تحدث عنها المسؤول الإعلامي لحي الرويس في إحدى اللقاءات التلفزيونية. وهي قضية تجددت مؤخراً ولم تنتهِ بعدُ ولسنا بهدف استقصائها في هذا المجال، بيد أنّا آثرنا الاستئناس بها في هذا التصدير لأهميتها التاريخية في قراءتنا للعمل الماثل بين يدينا.
يقول سعيد السريحي في جريدة الحياة السعودية عن كتابه، مجيباً على سؤال الصحفي الذي استشكل عليه النوع الأدبي للنص، ما إذا كان مذكراتٍ روايةً أو سيرةً ذاتية: ” إنه كل ذلك وهو ليس بشيء من ذلك، حاولت فيه أن أمارس كتابة حرة كأنما كنت أكتب لأهلي في الرويس إذا قرأوه قالوا: هذا هو نحن ثم لا يسألون بعد ذلك عن جنس ما قرأوه…قل يا صاحبي إنه كتاب بدائي بسيط جداً كأهل الرويس“. يفصح السريحي في نفس المقالة عن الدوافع التي ساهمت في إظهار هذا العمل الأدبي فيقول إنه أراد بذلك استعادة طفولته وذكرياته و” الرويس، أردت أن أخبئه بين الكلمات حين شرعت في كتابة الكتاب في لحظة كان الرويس فيها على حافة التقويض وأهله على بوابة التهجير باسم مشاريع التطوير“.
إذن، يبدو أن الكاتب يعبر بكل وضوح عن دافعه الذي حدا به لأن يكتب كتابه هذا، وهو حين يتورع عن تصنيف عمله الأدبي يتخذ مسلكاً حذراً لكي لا ينضوي عملُه تحت جنس أدبي بعينه فيقع في إسار ذلك الجنس؛ وذلك لأنه- كما يقول- كان يكتب بحرية، وهذه الحرية تنزع عنه بالضرورة أي سلطة تجبره أن يكتب العمل بشكل وروح محددتين، وقد يصبح هذا الأمر عائقاً للناقد لأنه سيجد نفسه أمام عمل زئبقي لا يستطيع القبض عليه وتصنيفه ليجري عليه عملية النقد.
ونحن إذا ما قرأنا هذا العمل فإنّا واقعون في مشكلة من أكبر المشكلات التي تعتور الدرس النقدي اليوم؛ وهي ليست جديدة بل تحدث عنها الكثير من النقاد العرب كـ (وليد قصاب، محمود الربيعي، صالح الزهراني ، عبد الله ابراهيم وغيرهم)؛ ألا وهي معضلة الاتكاء التام على النظرية أو النماذج النقدية الغربية في تفسير الظاهرة الأدبية العربية، وهذه مشكلة عويصة لم تصل إلى رؤية متفق عليها لا عند العرب ولا عند الفرنجة، مع اعترافنا أن العرب في معظم دراساتهم للأدب اليومَ لم يكونوا سوى مقلدين مطيعين للنتاج الإفرنجي، والنماذج النقدية الغربية وخصوصا تلك المنوطة بما يُتعارف عليه بـ “العلوم الإنسانية” التي هي نفسها تعاني من تضعضع وتأخر في الحقل الدراسي الغربي. (للاستزادة في هذا الموضوع يُنظر في كتاب د. يمنى العيد مشكلة العلوم الإنسانية)
إن هذه التدوينة تسعى لتفسير الظاهرة الأدبية من خلال قراءةٍ تحاول تذوق النص تذوقاً لا يتجاهل الحالة المجتمعية والتاريخية التي انبثقت عنها الأعمال الأدبية، بل تعتمد اعتماداً محورياً عليهما، ولا تقسر الخصائص المتعلقة بنظرية ما قسراً لايجلب معه سوى الجعجعة والكثير من الغموض دون فائدة تذكر.

ومن الصعب -في نظرنا- أن تُستحضر نظريةٌ ما بكل حمولاتها الثقافية واللغوية؛ فتُطبقَ على نصٍ عربي منتمٍ لبيئةٍ أخرى لاختلاف السياقات حتى وإن وجدنا بعض المشاكلات بين الحالتين. لذلك فإن الناقد الحديث يجدُ مشكلة كبيرة في قراءته للنصوص، فهو بين أمرين لا ثالث لهما:

١- إما أن يستند في نقده على نقودات وطروحات النقاد العرب القدامى، والذين طبّقوا نقدهم على نصوص قديمة قد لا تتوفر خصائصها في النص الحديث الذي ندرسه؛ لكنها تظل قريبة منه بسبب النسب اللغوي؛ ومع هذا لم يلتفت الكثير من النقاد المحدثين إلى تلك النصوص القديمة ويحاولوا الانطلاق منها، بل تركوها- كما هي- غائرةً في بطون الكتب.

٢- وإما أن ينطلق إلى سوق النظريات الغربي، وينتقي منه ما يشاء ويحاول تطبيقه في قراءته للنص الذي يدرسه.
أما بعد، فإننا نحاول في هذه التدوينة الرجوع إلى العمل الأدبي بسعته المعهودة وننظر في مبناه ومعناه؛ لنخرج بنتيجة قد تحدث شيئا من الطرافة والجدة المطلوبة. إن التذوق هنا حتى وإن كان بسيط الرؤية ساذجها فإنه يمكن أن يحل لنا جزءاَ من المشكلة؛ لأننا في نهاية الأمر نرنوا إلى فهم النص فهماً حقيقياً- وهذه مهمة النقد – نربطه بالحالة التي نشأ فيها، ونتحدث عن الأثر الذي سيبعثه النص في نفوس القُراء.
ونحن إذ ننظر في عمل السريحي هذا، نجد أنه لا شك متأثرٌ بالحالة الاجتماعية التي انبثق منها؛ لأنه يقرأ تاريخ مجتمع بعينه، بلغة أدبية رصينة تعزُّ عند كثير من أدبائنا اليوم. وهو عمل يقف في صف الأعمال الجليلة التي قدمها الأدب السعودي منذ نشأته حتى اليوم، وذلك لاعتبارات عدة؛ علّ أهمها أن اللغة فيه استعادت بريقها؛ حيث أنها ليست لغة موغلة في الغرابة والتعقيد والاستعارات المترجمة، بل لغة أصيلةً تعتاش على تراث لغوي ممتد وتغتذي من لغة القرآن وبلاغته نزراً غير يسير.

(٢)

يقع الكتاب في ٧٩ صفحة تتنازعها بضعٌ من الصفات ذات العلاقة الوطيدة بقضية أهل الرويس؛ فلقد نُشر العمل في عام ٢٠١٣؛ وهذا التقارب الزمني له دلالته الواضحة على تأثر الكاتب المباشر بالحدث الذي تعرض له أهل الحي، سيما وأن الكاتب كان من الوجوه الإعلامية التي انتقدت محاولات المطورين لإخراج أهل الحي من مساكنهم. ثانياً؛ إن هذا الكتاب محاولةٌ لإعادة اكتشاف رحلة أهل الحي الوجودية، والتي مرت بأطوارٍ متقلبة من الفقر والحزن والموت والحياة؛ فالكاتب يعود إلى قصة الآباء المؤسسين لهذا الحي كما هي موجودة في ذاكرة أهل الحي، ليروي المعاناة التي واجهتهم في رحلة البقاء ضد متغيرات الزمن وصروفه.
ومنذ البدء؛ تتجلى لنا الأزمة الكبرى التي تعرض لها أهل هذا الحي من حيث تذبذبهم بين مرحلتي البداوة والحضارة؛ والتي تعبر أكثر ما تعبر عن أزمة الهوية عند مهاجري سواحلِ ينبع و صحراءِ الحجاز منذ وطأتِهم البكر على ساحل جدةَ وحتى اليوم.
يقول الراوي في مفتتح الكتاب:
“هكذا نحن أبناء الرويس…
آباؤنا، أولئك الذين فرّوا من جدبِ القرى ووحشة الصحاري وبؤس السواحل، لم يجدوا في قلب المدينة متسعاً لهم فاستوطنوا الهامش. دنوا من المدينة دنوّ المحتاج إليها والمرتاب فيها. لا تغنيهم ولا يستغنون عنها. بينهم وبين قراهم سور له باب، وبينهم وبين قراهم أرض يباب. عاشوا على هامش المدينة كما عاشوا على هامش القرية، هامش مدينة لم يعرفوها وهامش قرية لم تعد تعرفهم.
بين الهامشين ولدنا. وعلى الهامشين عشنا. أشباه بدو وأشباه حضر. نتأرجح بين هؤلاء وهؤلاء.” ص٧
هذه المشاعر المتناقضة التي صاحبت أهل الحي يومَ حطّوا رحالهم أول مرة؛ كانت الحوار الأول مع عالم المدينة المخيف؛ وهذا الصراع بين المدنيّة والقرويّة أو بين الحاضرة والبادية؛ كان المأزق الأول الذي واجههم، ولولا ظرف توطين البادية في الهِجر الذي حثهم على أن يهجروا أوطانهم لَمَا جاؤوا. لكنهم جاؤوا تاركين وراءهم هُوياتهم القديمة بحثا عن هُوية جديدة، فلم يجدوا سوى الهامش موطناً لهم.

لقد جاؤوا بأمر من الملك عبد العزيز، الذي حرّض البدوَ على أن يتوزعوا في الحواضر حتى يدخلوا في نسيج المجتمع السعودي الجديد، بيد أن العلاقة المريبة بين المدينة وأهل هذا الحي، كانت السبب الرئيس في إحالة الرويس هامشاً؛ وإن تغير وجه المدينة وأصبح الرويسُ قلبَها. ثمةَ هامشٌ معنوي يغلّف هذا الحي، راجع إلى بداية نشوئه على أيدي الراحلين من السواحل البائسة والصحاري الموحشة؛ ولأن ولادة هذا الحي لم تكن من السهولة بمكان، فقد صاحبت المعاناة أهله عبر محاولتهم الدؤوبة ضد ما تحيكه لهم الأيامُ في سبيلهم إلى حياتهم الجديدة؛ وتتجلى لنا هذه المعاناة في القصص المأساوية التي واجهتهم منذ البدء، وإن لهذا المنحى المأساوي دلالته المهمة في إبراز الخصائص العميقة للإنسان المنتمي للمكان وأحقيته بالانتماء له.

بالتالي؛ نجد ثيمة الصراع بين البر والبحر، أو بين الحياة والموت تتجلى بوضوح في بداية الصفحات، حيث التهم البحرُ -الذي يقع الرويسُ عليه- الكثيرَ من أبناء الحي، ولم يقف الموت عقبةً في طريقهم للحياة بل واجهوه بكل ما أوتوا من إيمان وتعاضد وصبر وحكمة (ص ١١ – ٢٠). لقد واجهوا البحر بخصائصهم الإنسانية، بحزنهم، وبفرحهم، وبموتهم، وبحياتهم. وكانت هذه المواجهة كفيلةً بأن تمنح الرويس البقاء حتى الآن، نجد كذلك أحد الأمهات وهي تحتفظ برمال عتبةِ بابها التي مر ابنُها عليها قبل أن يلتهمه البحر (ص ١٢-١٤). وتظل متشبثةً بالرمل حتى لاتفقد ضوعَ ابنِها، وحتى لا تفقد ابنها الذي وإن مات فهو حيٌّ بهذه التربةِ الماثلةِ بين يديها، ولو لم تكن هذه التربة لمات ابنُها ولماتت هي.
إن حي الرويس ليس مجرد حيٍ عابر، بل تاريخاً من قصص وجود ساكنيه، أولئك الذين منحوا هذا المكان قيمته وخلقوه لهم ولابنائهم وماتوا ودُفنوا تحت ثبجه. يقول الكاتب:
“هكذا نحن أبناء الرويس. نبني بيوتنا بالحجر والطين والخشب والقش والحكايات. بين كل حجر وحجر حكاية. بين كل بيت وبيت حكاية. حكاية للموت. حكاية للحياة. وحكاية يتنازعها الموت والحياة حين يصبح الموت صنو الحياة فلا يعرف أحد بينهما فرقاً في الطعم ولا اللون ولا الرائحة. الجدران حكايات. عتبات البيوت حكايات، الأسقف، الأبواب، الشبابيك. حكايات معلقة على الجدران. حكايات تتدلى من الأسقف. حكايات تسند ظهرها للبحر، وأخرى تذرع السهول الشرقية وتنفض عن ملابسها الغبار.” ص٦٢
التاريخ هنا ليس ذلك التاريخ الاصطلاحي إنما هو تاريخ الذاكرة الشفاهية التي نشأت في غضارة الصبا وبراءته. والمكان هنا يستوحي وجوده من الإنسان، وهذه العلاقة المتبادلة بين المكان وسكانه ليست من السهولة بمكان لتنتهي هكذا، بين يوم وليلة، وعلى حساب مجمعات وفنادق لا يكون فيها الإنسان إلا عابراً.
لم يكن الرويس مجرد مكان للعابرين حتى وإن كان ساحلاً يمر العابرون عليه؛ لأن أهله باقون بقاء ذاكرتهم الشعبية الموجودة. وإن كانت الذاكرة تضيع بموت أهلها وبتهجريرهم بحجة التطوير، فإن مهمة العمل الأدبي أن يثبّت هذه الذاكرة الشفاهية، وإن كان أهل الرويس ليسوا قادرين على إقناع الآخرين بذاكرتهم المزروعة في هذا المكان؛ فإن أحد ابناء هذا الحي استطاع أن يخلد الرويس ويخلد معه الوجود العضوي لأهله، من خلال الوصف الدقيق لأبناء هذا الحي؛ حتى لكأن الكتاب كله عن هذا الإنسان الكامن في هذا المكان، وليس هذا بغريب فالمكان يكتسب شرعيته من ساكنيه، وهذا يذكرنا ببيتٍ قديم يقول فيه الشاعر-والذي هو على الأغلب مجنون ليلى-:
أمر على الديار ديارِ ليلى—أقبلُ ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبُّ الديار شغفن قلبي—ولكن حبُّ من سكن الديارا
وهذه الروح الأدبية في قراءة المكان، يتحدث عنها الآن علماء المدنية وعلماء الاجتماع والانثروبولجيا وغير ذلك من العلوم المتعلقة بحياة الإنسان وسكناه.
منذ البدء يستخدم الكاتب ” نحن” الجمعية التي ينصهر فيها مع جماعته، التي يستعيدها ويعبر باسمها ويتحدث فيها عن لغة المكان شِعراً ونثراً، وعن أساطيره، وعن أدق الخصائص الإنسانية التي تسيّدت هذا الحي التأريخي منذ نشأته حتى اليوم.

(٣)

تلك إذن قصة البدايات المتعسرة التي خرج من رحمها وجه الرويس إلى الوجود، قبل أن تزحف المدينة إلى الرويس وتهتك ستره؛ ولقد بدأت هذه الانتهاكات من خلال لجوء أثرياء جده إلى بناء قصورهم في الرويس وحوله، وبعد أن كان حيّاً مطلاً على البحر دُفن البحرُ وزُرع حيٌّ آخر فصلَ الرويس عن أخص خصائصه، لقد فقد الرويس جوارَ البحر في مرحلة أولى لعزل الرويس عن مكانِته محاولةً للتضييق عليه من قبل مدينة جدة؛ التي زحفت على هامشها فجعلته قلبها وهمشته بعد ذلك. كانت المدينة تهتك أستار أهل الرويس بتعبير السريحي ولم ترحمهم حتى لكأن الحكايات التي ينقلها الآباء والأجداد لأبنائهم موشومة بالوجع الذي تعرضوا له لا من البحر فحسب، بل من المدينة التي لم تعرف لهم حقاً للجوار.
قابل هذا الألم المتوزع على صفحات الكتاب، نفحاتٌ من الاعتزاز بهُوية أهل الرويس وارتباطهم الوثيق ببعضهم البعض؛ وليس هذا مشروطاً بالانتماء القبلي، بل حتى العبيد الذين كانوا موجودين في الرويس كانوا على صلة إنسانية بأسيادهم؛ ولذلك نجد في أحد المقاطع أن أحد العبيد الذي هُجَّره البريطانيين إلى إفريقيا، بقي مكلوماً هناك لأنه فارق أهله أهلَ حي الرويس؛ ولم يهنأ له بالٌ حتى عاد إلى عُشّه.

وجدير بالإشارة هنا أن الكاتب أثناء حديثه عن علاقة العبيد بأسيادهم في ماضي الرويس كتب في زهاء أربع صفحات (٣٩-٤٤) وصفاً ملحمياً لـ ” عبد الخير” حتى لكأن نوع الأدب هنا يذوب ذوباناً كاملاً فلا تدري أشعرٌ هو أم نثر؛ وهذا التكريس لوصف أحد عبيد الحي لا يفتأ يعمّق الروح الإنسانية المبثوثة في ثنايا ذاكرة الرويس، عبر شبابه وشيوخه ونسائه ورجاله وعبيده وأسياده.
كذلك نجد أن لغة الحوار كانت عاميةً لا ترى فيها نبواً عن البناء الفصيح للكتاب؛ في تناغم عجيب حيث لا فصل بينهما لا من خلال النبو اللغوي ولا من خلال الاستخدام الترشيدي لعلامات الترقيم، التي تفصل في كثير من الروايات العربية بين العامي والفصيح وتضع العامي بين قوسين، فالقارئ هنا يقرأ لغة الحوار ولا يجد سوى التناغم اللغوي بين العامي والفصيح في نسيج يحكي عن تناغم الإنسان الذي يتحدث عنه الكتاب.

(٤)

يستمر الكاتب في ذكر التفاصيل الدقيقة لأبناء الرويس حتى النهاية، لكنه لم يشأ أن يختم دون أن يعبر عن الوجه الآخر الذي قبل بهوية الرويسيين؛ وذلك أنه لمّا لم يجدوا في قلب المدينة متسعاً لهم؛ كان للمدرسة أن تعترف بهم وتكون متسعاً لهم ومكاناً للاحتكاك الفعلي مع أهل المدينة أبناءِ الطبقة الأرستقراطية، وكانت حينئذ الصدر الذي قبل بسمرة أهل الرويس ووعثائهم ليضَعَهم جنباً إلى جنباً مع الآخرين. يقول الكاتب:
“لم تفد إلينا المدرسة من البادية كما كان يفد إلينا من تبقى من أهلنا متلفعاً بكفن البداوة. لم تهبط علينا من المدينة كما كان يهبط الغزاة من أهل جدة. لم تنكر علينا تحضراً يثبت خطونا نحوه ولم تزدرِ فينا بداوة لا تزال عالقة بأرداننا. جائتنا المدرسة من أرض بعيدة وتقبلتنا كما نحن، ووضعتنا على مقعد واحد مع من كنا نرى في عيونهم نظرة ترفّع عنا كأنما تنزلت علينا من سماءٍ رأتنا ذات مساء نبكي ونحن نحمل جنازة الرويس. منحتنا مناديلَ نجفف بها الدمع وعيونا نرى حين نغمضها حقلاً واسعاً تركض فيه أحلامُنا وأوهامنا بعيداً عن الرويس وأهله، بعيداً عن آبائنا المترنحين بين القرية والمدينة، بعيداً عن أجدادنا الذين تدثروا ببداوتهم وماتوا.” ص٧٧.
الرويس القديم هو رويس الذكريات والتاريخ القديم، في حين أن الرويس الحديث هو الذي انطلق من المدرسة الحديثة التي كان يجب على أهل الرويس أن يخوضوا غمارها ليشتركوا في حالة الحداثة التي كان لابد لهم من دخلوها؛ لا لأنها تُغفل ماضيهم بل لأنها تعترف بهم وتمنحهم بطاقة العبور إلى المدنية، ويتحول الرويس بالتالي إلى حي مدني منتمٍ للمكان، وإلى جزء لا يتجزأ من خارطة المدينة التي تقع على ساحل جزيرة العرب الغربي مع الحفاظ على هُويته.

وهنا لابد لنا من التساؤل لماذا اختار الكاتب المدرسة ملجأ لمهمشي حي الرويس؟ هل يتحدث هنا عن حدث معين له رمزيته بحيث يتحقق الخلاص من خلاله لأهل الحي، فيقدروا على الاندماج مع هوية الآخرين من حولهم؟ أم أنه يتحدث عن حدث ماضٍ فحسب؟ وهو سؤال يجب أن يطرح؛ لأن المقطع أتى في نهاية الكتاب ولابد له من دلالة يرمي إليها الكاتب، وهي في رؤيةٍ تُعلي من شأن المدرسة كشكل من أشكال الحداثة؛ التي فتحت الآفاق لكل المختلفين وصهرتهم في بوتقة واحدة. وهي رؤية حداثية قديمة تم الاستغناء عنها في زمان مابعد الحداثة عند العالم الإفرنجي، وبالتالي تصبح رؤية ماضوية أو رجعية- إن صح التعبير.
وقد يكون الفعل الماضي الذي يسرد من خلاله الكاتبُ الأحداث، مفتاحنا للقول بأن هذا العمل يتحدث عن هذه الحقبة الزمنية التي حاول الكاتب استدعاءها بكل مشاكلها الاجتماعية والفكرية والروحية.

(٥)

وأخيراً؛ إن توحشَ رأسِ المال- وهو تعبير قال به الكاتب في إحدى الحوارات التلفزيونية يشير به إلى لا إنسانية المشاريع التي تختار الربح عوضاً عن الإنسان- كان السببَ الرئيس في الهجمة الشرسة ضد أهالي هذا الحي؛ الذين لايفتقدون من سمات الحداثة والمدنية مايجعلهم هامشاً، بل صاروا في واقع الأمر قلبَ المدينة ونبضَها؛ وأنَّى لمدينة تقتل قلبها أن تعيش؟ وفي نفس الحوار التلفزيوني ذكر الكاتب بأن هذا المشروع -مشروع تطوير حي الرويس- لا إنساني؛ وهذه نقطةٌ بالغة الأهمية في فهمنا للدوافع التي حدت الكاتب أن يكتب ما كتبه؛ دفاعاً عن الإنسان الذي سُلبت منه إنسانيته في سبيل تطويرٍ من شأنه أن يقوّض الإنسان، ويتجاهله، ويفصله عن ماضيه وعن ذاكرته الشعبية.

‏5 تعليقات

  1. صباح الخير

    بالنسبة إلى ما تفضلت به من ناحية مأزق المناهج والعمل الأدبيّ، فالاختلاف في أن معظم من نقد السرد ينطلق من المنهج لا من العمل الأبداعيّ الذي قد يكون صاحبه لم يعرفه لا من قريب ولا من بعيد، أما مضمون محتوى الرويس فلعمري مالرويس إلا نموذجا صغيرا لكل أحياء العرب لكنه كان شديد الخصوصية في مواضيع شتى كما صورتها المقاطع التي قرأت، وأعتقد أن قضية استيطان البدو قد عُولجت بالشكل الخطأ، فبالتالي ولدت تشوها في كلا البيئتين ( البداوة، والحضارة) ثم الا تتفق معي أن الهوية هنا نزع من أحشائها صغيرها؟ ألم يكن جميلا لو كانت لدينا أماكن تصورنا لا تصور المدنية؟
    برأيي أنها هيمنة الحضارة الغربية، التي (رشقت) ماء إمبرياليتها بكل آشكالها القبيحة على العالم كله فهناك من امتصها فتمدن وتحضر وبالتالي بعد عن هويته، وهناك من بقي له الماء المتسخ ككل المدن العربية فكان النتاج مدنا بلا هوية خاصة إلا ماندر تعيش مأزق الشتات، لم يعد يرضي أهلها سكانها عيشهم السابق، ولا توفر لهم مدنهم المعيشة التي يطمحون لها.

    إن الرويس وصراع أهله ومأسيهم هم العرب أينما وجدوا، لكن السؤال الذي نتج في ذهني بعد قراءة مقالك، الذي بدوره حرضني لقراء كتاب السريحيّ، من المسؤول الأول أو الأكبر أو الأبرز عم حدث في الرويس، وهل كان على وعي واستشراف بما أصبح عليه حالهم؟

    1. صحيح مأزق المنهج هو المشكلة التي يعاني منها النقد الحديث منذ زمن بعيد وهي معاناة تشبه تصويرك لمعاناة الهوية التي يتعرض لها أبناء البلاد من الرويس وغيره من حيث انحسار خياراتهم بين أمرين أحلاهما مر. ولاشك عندي أن الأعمال الأدبية أكثر صدقا من النقودات التي تتوخى التعقيد وال”فهلوة” إن صح هذا التعبير. ويكفي أن تجد في عمل المبدع مالاتجده في لقاءاته وحوارته.
      أما بالنسبة للرويس فهو حي غدا ضحية لشجع وطمع المستثمرين فضلا عن الفساد الماكن في بعض تلك المشاريع، وهذا ماتحدث عنه أبناء الحي حيث تعرضوا لحملة شعواء الهدف منها إزالتهم لأجل الربح المادي وهذا هو التغول الرأسمالي الذي يضع الربح هدفه وليذهب الأنسان إلى الجحيم. شكرا لمداخلتك القيمة.

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *