سياسة التعليم السعودية في سياق الصحوة الإسلامية

زياد الذوادي

كاتب المقالة

زياد الذوادي

“أما الإخوان المسلمون -مصريون وغير مصريين- فقد قاموا بدور مهم جدا في تنمية المملكة، وخاصة في مجال التربية والتعليم والثقافة الإسلامية. منذ أيام الملك فيصل -يرحمه الله- وهم يخدمون المملكة وقد أدوا دورا كبيرا في إنشاء المعاهد والكليات والتدريس فيها وتأليف الكتب ووضع المناهج الدراسية لأبناء المملكة ؛ مرضاة لله عز وجل، في وقت لم يكن في المملكة من يستطيع القيام بهذا الواجب”

لاشين أبو شنب، عضو مكتب الإرشاد في جماعة الإخوان المسلمين

نشأت حركة الصحوة الإسلامية في السعودية في سبعينات القرن المنصرم وكان لها تأثير على كثير من المجالات والسياسات. في هذه المقالة سأركز على الدور الذي لعبته في مجال التعليم وهو الدور الذي ساهم في تربية ونشأة جيل كامل سمي بـ”جيل الصحوة” وسأقوم بذلك من خلال قراءة وثيقة “سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية” الصادرة عام 1970.

قبل الشروع في تحليل أهم بنود هذه الوثيقة سأستعرض السياق التاريخي العام الذي صدرت فيه. يوضح ستيفان لاكروا في كتابه زمن الصحوة، أن الإسلاميين واجهوا القمع والسجون في مطلع الخمسينات والستينات جراء وصول النظم العسكرية للسلطة في عدة بلدان عربية مما دفعهم للهجرة لدول الخليج والسعودية تحديدا، ففي عام 1952، دعمت جماعة الإخوان المسلمين حركة الضباط الأحرار إلى أن وصلوا للسلطة في مصر، لكن سرعان ما اتُّهمت الجماعة بمحاولة اغتيال جمال عبدالناصر عام 1954 مما جعلها تواجه القمع والسجون، وعقب قيام الجمهورية العربية المتحدة عام 1958 صار الإسلاميون في سوريا في قبضة النظام الناصري، وبعد انحلال الجمهورية العربية المتحدة ووصول البعثيين للسلطة في سوريا زاد الضغط عليهم، وكذلك حدث في العراق مع وصول عبدالكريم قاسم للسلطة في عام 1958.

كانت العلاقات السعودية-المصرية منذ وصول الضباط الأحرار للسلطة في مصر ودية جدا حتى عام 1957 ذلك العام الذي كان انطلاقة ما سمي “الحرب العربية الباردة” التي كانت بين جمال عبدالناصر والسعودية، وشكل اندلاع الثورة اليمنية عام 1962 التي أوصلت عبدالله السلال حليف جمال عبدالناصر للسلطة جنوب المملكة قمة الصدام في العلاقات بين البلدين، وبعد ذلك شكل الملك فيصل خطاب “التضامن الإسلامي” كي يقف أمام المشروع القومي الذي تزعمه جمال عبدالناصر، حيث جعل الملك فيصل من الإسلام المصدر الرمزي في سياسته الخارجية مقابل المصدر الرمزي العروبي عند جمال عبدالناصر، وأسست “إذاعة صوت الإسلام” عام 1962 في مكة المكرمة للرد على “إذاعة صوت العرب” التي أوصلت المشروع القومي إلى جميع الأقطار العربية.

في مطلع الستينات بدأت عائدات النفط تساهم في بناء الدولة السعودية ومؤسساتها وانعكس ذلك على المؤسسة التعليمية التي كانت تنمو بشكل سريع. وفي عام 1965 كلف الملك فيصل مجموعة من الإسلاميين المهاجرين لتشكيل اللجنة الفرعية للتعليم لتعنى بصياغة بنود سياسة التعليم في السعودية، وكان مقرر هذه اللجنة الإسلامي مناع القطان. وفي عام 1970 خلصت اللجنة العليا لسياسة التعليم في المملكة برئاسة الأمير فهد بن عبدالعزيز -الملك فيما بعد- على إقرار بنود وثيقة “سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية”.

بعد هذا السياق العام، لننتقل الآن لتحليل محتوى الوثيقة. فهي تتكون من (236) بندا وتعتبر بمثابة قواعد عامة بنيت عليها عملية التعليم، حيث يعرّفها عبدالرحمن حبنكة الميداني بأنها “المواد الدستورية العامة للتعليم”.

ترى سياسة التعليم أن مؤسسات التعليم يجب أن تعمل فقط لتحقيق الأغراض الإسلامية، وأن الغاية من التعليم هي فهم الإسلام فهما صحيحا، وغايته على مستوى الأفراد هي تربيتهم على فكرة معينة ينطلقون منها في نظرتهم للكون والإنسان والحياة، بدلا من التركيز على دور التعليم في نقل العلم والمعرفة -وهذا الهدف الطبيعي والرئيسي لها- ، فينص البند رقم (39) على أنه يجب “تكوين الفكر الإسلامي المنهجي لدى الأفراد، ليصدروا عن تصور إسلامي موحد فيما يتعلق بالكون والإنسان والحياة، وما يتفرع عنها من تفصيلات”، ونص البند رقم (31) على أنه يجب “تزويد الفرد بالأفكار والمشاعر والقدرات اللازمة لحمل رسالة الإسلام”، كما أكدت سياسة التعليم على أن مقررات الثقافة الإسلامية مقررات أساسية في التعليم العالي، فقد نص البند رقم (11) على أن “الثقافة الإسلامية مادة أساسية في جميع سنوات التعليم العالي”.

ومن الأمور التي شرعنتها سياسة التعليم هي أسلمة العلوم الاجتماعية، فقد نص البند رقم (12) على أنه يجب “توجيه العلوم والمعارف بمختلف أنواعها وموادها منهجا وتدريسا وجهة إسلامية في معالجة قضاياها والحكم على نظرياتها وطرق استثمارها، حتى تكون منبثقة من الإسلام، متناسقة مع التفكير الإسلامي السديد” ولهذا نرى نشأة قسم الاقتصاد الإسلامي في جامعة الملك عبدالعزيز عام 1976، وتبعه نشأة قسمي علم النفس الإسلامي وعلم الاجتماع الإسلامي في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وفي هذا السياق كتب الإسلامي محمد قطب كتابه “حول التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية” الذي ينظّر من خلاله كيفية توجيه العلوم والمعارف وجهة إسلامية.

اعتنت وثيقة السياسة التعليمية بتعليم المرأة وأقرت حقها في التعليم لكن وفق غاية معينة، فيذكر البند رقم (153) أن تعليم المرأة يستهدف “تربيتها تربية صحيحة إسلامية لتقوم بمهمتها في الحياة، فتكون ربة بيت ناجحة وزوجة مثالية، وأما صالحة، ولإعدادها للقيام بما يناسب فطرتها : كالتدريس، والتمريض، والتطبيب”.

ومن خلال هذه النظرة السريعة، يمكن القول إن بنود سياسة التعليم السعودية كانت أقرب إلى الفكر الإسلامي -برؤيته الحداثية- أكثر منه إلى فكر المدرسة السلفية السعودية وانعكس هذا في إقرار مواد الثقافة الإسلامية ومشروع أسلمة العلوم الاجتماعية، ويمكن القول أيضاً إن بنود سياسة التعليم ربطت بين التعليم والتربية -بمعناها الأيدولوجي- حتى صار ينظر للتعليم أنه وسيلة لتنشئة “مسلمين صالحين” بينما كان ينبغي التركيز على دور التعليم في نقل العلم والمعرفة.

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.