الخليج وتصَوُّرَات التَّهْدِيد الأَمْنِيّ المُشتَرك: هل لا يَزالُ مُشتَركًا؟

الريم العامري

كاتب المقالة

الريم العامري

عَشر سنوات مضت على حادثة محمد البوعزيزي – البائع المُتَجَوِّل في شوارع تونس والذي أحْرَقَ نفسه في 18 ديسمبر 2010 احتجاجًا ورفضًا لمصادرة عربة الخضار الخاصة به – التي كانت الشَّرَارَة المشعلة للثورة التُونسيَّة والتي بدورها ألهَمَت الشارع العَرَبِي برُمّته.

كان تأثير هذه الموجة الثَّوَرِيَّة وما تَوَلَّدَ عنها من حروب ونزاعات على دول مجلس التعاون الخليجي مختلفًا عن تأثير الموجة الثَّوَرِيَّة المُتولّدة بعد الثورة الإيرانية (1979) والحرب التي تَوَلَّدَت عنها مع العراق (1980-1988). فالمجلس نفسه تأسس بعد تلك الثورة التي دفعت دول الخليج لمزيد من التقارب والمُواءمة بين سياساتها الخارجية. على العكس تمامًا، بعد عام 2011 بدت دول مجلس التعاون الخليجي أكثر انقسامًا، وظهر جليًا التباعد والاختلاف في وجهات النظر، وفي التَّصَوُّرَات المُشتَركة للتهديدات الأمنيّة، وفي الأوْلويَّات.

تحاول هذه المقالة تسليط الضوء على أسباب الاختلاف في النهج المتبع لدول الخليج في هاتين الفترتين المختلفتين زمانيًا والمتشابهتين من حيث ثقل الأحداث الجيوسياسيّة التي وقعت خلالها: الفترة الأولى في السبعينيات والثمانينيات التي بشكل أو بآخر أدت إلى إنشاء مجلس التعاون الخليجي، والفترة الثانيّة وهي فترة ما عرف «بالربيع العربي» التي تسببت في إحداث أزمة غير مسبوقة في العلاقات الخليجيَّة-الخليجيَّة وإن بصورة غير مباشرة. بالإضافة إلى ذلك، تقدم هذه المقالة نبذة موجزة عن تطور «الدراسات الأمنيّة الخليجيَّة»، وتعطي لمحة عن تصَوُّرَات التَّهديد الأَمْنيّ المُشتَرك. وبصورة عامة تُحَاجّ هذه المقالة بأن الدول الخليجيَّة منذ تأسيس مجلس التعاون وهي تمتلك إلى حدٍ ما تصوُّراً مُشتَركاً لما يهدد أمنها واستقرارها، إلا أنه بعد عام 2011 بدأ التباين في هذه التَّصَوُّرَات المُشتَركة وهو ما قد يُقوّض عمل مجلس التعاون الخليجي لأن مبدأ «التصوُّر المُشتَرك للتَّهديد الأَمْنيّ الجماعي» هو علَّة وجوده والأساس الذي بُنِي عليه.

دراسات الأمن الخليجي: ثلات إتجاهات:
بدأت الدراسات في مجال الأمن الخليجي والجهود البحثيّة المبذولة لتحديد مَاهيّة «التَّهديد» الذي قد تواجهه منطقة الخليج العربي في الثمانينات وتمركزت حول مفْهُومَيْن أَسَاسِيَّيْن «الأمن و التَّهديد». وعادةً ما تُقسم الأدَبِيَات حول أمن الخليج إلى ثلاث اتجاهات أو ثلاث موجات متتابعة، كل موجة حملت معها نظريات أساسية ومفاهيم لتفكيك وفهم مسألة «الأمن والتَّهديد».

الموجة الأولى من الدراسات هي أقرب إلى تقاليد المدرسة الواقعية في العلاقات الدوليّة، وتزامنت مع فترة الحرب الباردة. تركز هذه الموجة من الدراسات بصورة أساسية على مفهوم تهديدات الأمن الصلب أو ما يعرف بـ «Hard Security Threats» وهو يشمل كل ما يتعلق بالتَّهديدات الماديَّة العسكريَّة التقليديَّة، وتعتمد على مقاييس وعوامل معينة من أجل تحديد «الخطر الذي يُهدِّد الأمن» على سبيل المثال: حجم الدولة مصدر التَّهديد، عدد سكانها، الموارد التي تمتلكها، قدراتها العسكريّة الهجوميّة، القرب الجغرافي، ونواياها العدوانيَّة. وقد يكون أبرز من يمثل هذه المدرسة الفكريّة المحلل الاستراتيجي الأمريكي أنتوني كوردسمان (Cordesman). في عمله الصادر عام 1984م «منطقة الخليج والسعي إلى تحقيق الاستقرار / The Gulf and the search for strategic stability» أكد كوردسمان على أولويَّة تهديدات الأمن الصلب ومقاييس القوة التقليدية. بالإضافة إلى أعمال الباحث ديفيد بريس حول مجلس التعاون الخليجي الذي طبق عليها نظرية ستيفن والت (توزان التَّهديد) والتي عرضها في كتابه « جذور التحالفات / The Origin of Alliances ». في هذا العمل عرض والت نظرية توازن التَّهديد مقابل نظرية (توازن القوى) التقليديّة ومَيّز بينهما، حيث أقترح على الدول أن لا تسعى لتشكيل التحالفات والعمل على زيادة قدراتها الاقتصادية والعسكرية لمُجرد تحقيق توزان في القوة بل يتوجّب عليها السعي في ذلك لغرضِ تحقيق التوازن في التَّهديد، وبهذا يكون والت قد فصل بين الإقتران التقليدي بين مفهوم التَّهديد والقوة. (وفقًا لهذه النظرية ليست كل قُوَة بالضرورة مَصدَر تهديد)

الموجة الثانية تزامنت مع نهاية الحرب الباردة والتَّغيُّرَات التي طرأت على طبيعة التَّهديدات الأمنيّة والتحوُّل في مفهوم «الأمن»، حيث تُجُوز المفهوم الكلاسيكي وانتقل من مفهوم تهديدات الأمن الصلب إلى تهديدات الأمن الناعم «Soft Security Threats» أو التَّهديدات داخليّة المَنْشأ (Endogenous)، ويدخل في هذا النطاق التحديات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والبيئيّة والديمغرافيّة باعتبارها تهديدات محتملة قد تتسبب في زعزعة الأمن الخليجي المُشتَرك واستقراره. وهذه الموجة من الدراسات بدأت في الأخذ بالإعتبار مصادر التَّهديد الأَمْنيّ من « الفواعل من غير الدول / Non-State Actors » كالمنظمات والأحزاب والجماعات وغيرها. تطرق كريستيان أولريشن في كتابه « خليج مُتَزَعزِع / Insecure Gulf » إلى هذه التحولات التي طرأت على مفهوم الأمن، ووضع التَّهديدات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والتدهور البيئي وغيرها من التحديات (غير العسكريّة) إلى جانب التَّهديدات العسكرية واعتبرها جَميعَها على نفس الدرجة من الأهميّة متبنيًا بذلك مقاربة أقرب إلى النظرية البنائية في العلاقات الدولية، بالإضافة إلى تأكيد هذه الموجة على تنوع مصادر التَّهديد في الواقع الخليحي الراهن.

الموجة الثالثة ذهبت أبعد من مجرد التركيز على التَّهديدات الناجمة عن العوامل الماديّة / الاقتصادّية / العسكريّة إلى تهديدات قد تتسبب بها عوامل هُوياتيَّة وأيديُولُوجِيَّة، هذه الموجة تأخذ في الاعتبار قدرة الفواعل من الدول ومن غير الدول على زعزعة استقرار دول مجلس التعاون الخليجي وتشكيل تهديد وجودي حقيقي على المنطقة من خلال أدوات كالهُوية والإنتماءات الفكريّة والأيدلوجيّة، لاسيما في ظل الدور المتزايد الذي لعبته هذه الأدوات ما بعد عام 2011. تنتمي أعمال مايكل بارنيت (Michael Barnett) لهذه الموجة الثالثة من الدراسات حيث قام منذ بداية التسعينيات بإبراز دور الانتماءات الهُوياتيّة والأيديُولُوجِيَّة والولاءات الطائفيّة وتأثيرها على الحسابات الأمنية للدول الخليجيَّة. وقد تطرق بارنيت في عمله المشترك مع الدكتور شبلي تلحمي ومجموعة من الباحثين « الهُويَّة والسياسة الخارجيَّة في الشرق الأوسط / Identity and Foreign Policy in the Middle East » إلى التحديات التي  تفرضها  كل من هُويَّات ما دُون الدولة sub-state identities  (كالطوائف الدينيّة والقبائل) والهُويَّات المُتَخَطّيَة للدولة supra-state identities (كالوحدة العربيَّة والوحدة الإسلاميَّة) على استقرار كيان الدولة في الشرق الأوسط بما فيها منطقة الخليج, وانعكاس هذه العوامل على سلوك الدول وتأثيرها في عملية صنع السياسة الخارجية.

مَصير وتَصوُّر مُشتَرك:
شهدت نهاية السبيعينات من القرن الماضي بروز أحد مصادر التَّهديد الأَمْنيّ بالنسبة لدول الخليج العربي, حيث نجح الثوار الإيرانيون عام 1979 في إزالة نظام حكم الشاه الملكي, وإنهاء حكم عائلة بهلوي التي أستمرت ما يقارب الـ2500  عام، ووضعت الثورة الإيرانيّة حدًا لـ « استراتيجيَّة الدِّعَامتَين / Twin Pillars Strategy » التي تبنتها الإدارة الأمريكيّة من أجل تَوطِيد العلاقة بين المملكة العربية السعودية ونظام الشاه للتَصدِّي للإتحاد السوفييتي وتَحيِيد نظام البعث العراقي. نجحت الثورة بإسقاط نظام الشاه وإقامة حكم إسلامي يديره مجموعة من رجال الدين الشيعة / آيات الله، لم يمضي وقت طويل قبل أن تَتَبيَّن رؤى النظام الإيراني الجديد التَّوَسُّعيَّة، ونواياه الصريحة في «تَصدِير الثورة» إلى دول الجوار.

كان لهذه الثورة الإيرانيّة تداعيات أمنيَّة على منطقة الخليج، فمنذ 1979 شهد موسم الحج السنوي مظاهرات سياسيَّة متكررة للحجاج الإيرانيين، عادةً ما تنتهي بصدام بينهم والقوات السعودية. قد يكون أسوأ الصدامات حدث عام 1987 عندما أدت الاحتِجَاجَات إلى وفاة 275 شخص و 303 جريج.

بعد الثورة الإيرانيَّة بشهور انطلقت مظاهرات ضد الحكومة السعودية في المنطقة الشرقية التي يقطن فيها أغلبية الشيعة السعوديين, أدت هذه الاحتِجَاجَات إلى سقوط قتلى وجرحى. شهدت أيضًا البحرين عام 1979 احتجاجات نظمها مجموعة من النشطاء الشيعة, وشهدت هذه الاحتِجَاجَات رفع صور الخميني. ودعى المُحتجُّون إلى إقامة حكم جمهوري إسلامي على غرار الجمهورية الإسلامية الإيرانيَّة. في عام 1981 وقعت أيضًا محاولة انقلاب فاشلة على نظام حكم عائلة آل خليفة, وفي هذا الصدد أصدر وزير الداخلية السعودي تصريحًا شجب فيه إيران بصورة واضحة قائلًا: «رجال السلطة في إيران يَدَّعُون أنهم شرطة الخليج, اليوم للأسف أصبحوا هم إرهابيو الخليج». 

شهدت الكويت أيضًا مرحلة حرجة خلال فترة الثمانينات. في عام 1983، تعرضت كل من السفارة الفرنسيَّة والأمريكيَّة إلى عمليات تفجير انتحاريَّة، وتعرضت مواقع حَيَوية أخرى للتفجير بما فيها مطار الكويت الدولي. في عام 1985، تعرض أمير الكويت، الشيخ جابر الأحمد، لمحاولة اغتيال نجا منها. اتهمت السلطات الكويتية لاحقًا جماعات تابعة لإيران بالوقوف خلف عمليات التفجير ومحاولة الاغتيال.

عليه؛ بدا واضحًا لدول الخليج أن النظام الإيراني الجديد يمثل مصدر تهدِيد لأمن واستقرار المنطقة، وهو ما دفع هذه الدول لتبني موقف سياسي مُوَحد والاتفاق على إنشاء مجلس التعاون الخليجي في عام 1981 خلال «قمة التأسيس» التي عُقِدَت في العاصمة الإماراتيَّة أبوظبي وجمعت قادة دول الخليج الست، وذلك من أجل: مواجهة التَّهديد الإيراني، ردع التَّهديدات الداخليَّة، وإنشاء جبهة عسكرية مشتركة لدواعي أمنيَّة. قد يُعزَى تأسيس مجلس التعاون إلى أسباب وتطورات دوليَّة أخرى كغزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان, واندلاع الحرب الإيرانية-العراقية التي تسببت في إحداث قدر هائل من عدم الاستقرار في المنطقة طوال سنوات الحرب. وعلى الرغم من الدعم الخليجي للنظام العراقي أثناء هذه الحرب ظلت الدول الخليجيَّة تنظر بعيَّن الرِّيبةَ للقوة العسكرية المتزايدة للجيش العراقي، وأيضًا لتبني النظام العراقي حينها خطاباً سياسياً أيديُولُوجِياً وطائِفياً ( كثنائيَّة: سنة / شيعة، و عرب / فرس ) وهو ما كان سينعكس سلبًا على الداخل الخليجي.

قادت المخاوف المشتركة لدول مجلس التعاون واعتبارات توازُنات القوى في المنطقة إلى تشكيل حلف أمني / عسكري بين دول الخليج والولايات المتحدة الأمريكية. لم يمضي وقت طويل على تشكل هذا الحلف الأَمْنيّ / العسكري حتى غزت العراق الكويت لتُثبِت لدول مجلس التعاون الخليجي صحة مخاوفها تجاه النظام العراقي، ومنذ ذلك الحين والولايات المتحدة تلعب دور الضامن الأَمْنيّ للمنطقة من خلال اتفاقيات الدِّفاع المُشترك.

عقدين بعد الثورة الإيرانية، ظل الرابط الذي يجمع بين دول مجلس التعاون خلالها هو التَّصَوُّر المُشترك لمصادر التَّهديد وللأمن الجماعي. قد يجادل بعض أنه إلى «سقوط نظام صدام حسين عام 2003، بالكاد شكك أحدٌ في وجود تصوُّرات مُشتَركة للتَّهديد الأَمْنيّ بين دول مجلس التعاون». مع ذلك، ستكشف السنوات التالية عن وجود تَبَايُنَات واسعة في التَّصَوُّرَات وتصادُمات في الأوْلويَّات.

الخليج ورياح التَّغيِير:
لم تكن الأحداث التي بدأت مع نهاية عام 2010 أقل ثقلًا من الأحداث التي شهدتها العقود الماضية، وقد يُجَادِل بعضهم أبعد من ذلك ويقول إن ما شهدته المنطقة في تلك الفترة كان الحدث الأكثر عُمقًا وتأثيرًا منذ نهاية الاستعمار. قد تكون أبرز الأسباب التي ساهمت في اندلاع الاحتِجَاجَات في كثير من الدول العربية في 2010-2011 هي: الأوضاع الاقتصادية المُترديِّة، نِسَب البطالة المرتفعة، وتَفَشِّي الفساد في مؤسسات الدولة، إلى جانب مطالبات بإِصلَاحَات سياسية وبالمشاركة الشَّعبِيَّة.

ومع تحقق بعض مطالب المُحتَجِّين في أقل من عامٍ واحد، حيث تمكَّن المتظاهرون من إسقاط أنظمة الحكم في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن، أخذت بعض الاحداث لاحقًا منحى صدامياً وعنيفاً في سوريا واليمن وليبيا. وساعد فراغ القوة الناجم عن سقوط الأنظمة في صعود الجماعات المُتطَرِّفة والذي أدى بدوره إلى إضعاف هذه الدول والكشف عن مَوَاطِن ضعفها ومهد الطريق أمام التدخلات الخارجية.

كان من المتوقع أن تتخذ دول مجلس التعاون الخليجي موقفًا مُوَحدًا تجاه الأحداث التي تعصف بالمنطقة، وأن تتبع مقاربة جماعيَّة للتعامل مع التَّغَيُّرَات الجيوسِياسية الطارئة، لكن مع العام الثاني من انطلاق شرارة هذه الأحداث كانت دول الخليج قد اِتَّخذت مواقف متباينة، كاشفة بذلك التَّغَيُّرَات التي طَرأت على مُسَلَّمَة «التَّصَوُّر المُشتَرك للأمن الجماعي» .

يمكن تقسيم مواقف الدول الخليجيَّة تجاه «الربيع العربي» إلى ثلاثة مواقف متباينة: فمن جهة اعتبرت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين ما أحدثه الربيع العربي من تغيُّرات في المنطقة (تهديداً صريحاً) وواضحاً لأمن واستقرار الخليج العربي. وكان وصول جماعات الإسلام السِّيَاسِي للحكم في بعض دول ” الربيع ” بمثابة مصدر التَّهديد الأساسي من وجهة نظر هذه الدول الثلاث. وقد شهدت البحرين والسعودية (المنطقة الشرقية) مع بداية عام 2011 احتجاجات تطالب بإصلَاحَات اجتماعية وسياسية قادها مواطنون شيعة. اُتْهِمَت إيران بالوقوف خلف هذه الاحتِجَاجَات واعتُبِر المتظاهرون «أدواتاً وطابوراً خامساً» لتحقيق أطماع إيران التَّوَسُّعيَّة في المنطقة، وقد صرح خالد بن حمد آل خليفة وزير خارجية البحرين حينها : «لم نشهد يومًا حملة إيرانيَّة منظمة كهذه ضد البحرين والخليج كما شهدنا خلال الشهرين المَاضِيَّين»، ودعى وزراء خارجية السعودية والإمارات إيران إلى التوقف عن التدخل في شؤون المنطقة والالتزام بمبادئ حُسن الجِوار.

من جهة أخرى رأت الكويت وعمان أحداث الربيع العربي (خَطرًا مُحتَملًا) إلا أنه لا يرقى لأن يكون تهديداً لأمن واستقرار المنطقة، وذلك نظرًا للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المختلفة في هذه الدولتين عن باقي دول الخليج. فقد غلب الطابع الاقتصادي على المظاهرات التي خرجت في كلا البلدين، ففي فبراير 2011 تجمع مئات المتظاهرين في ولاية صحار للمطالبة بتحسين الأجور وتوفير فرص العمل، ورفع المتظاهرون في الكويت ذات المطالب إلى جانب القضاء على الفساد وإيجاد حل لأزمة «البدون» ومعالجة أوضاعهم المعيشيّة والسكنية المترديَّة. استجابت الحكومة في البلدين بإتخاذ عددٍ من التَّدابير وإطلاق حزمة إصلَاحَات اقتصادية وحوافز مادية للمواطنين مقابل تَهْدِئَة الشارع واِستيعَاب المُحتَجِّين.

أما قطر فقد اعتبرت الربيع العربي (فُرصة سَانحة) لتوسيع نفوذها الإقليمي، ولعب دور أكثر فاعليَّة في المنطقة وذلك من خلال دعم جماعات الإسلام السِّيَاسِي عن طريق توظيف الأجهزة والمؤسسات الإعلامية في نقل وتغطيَّة الاحتِجَاجَات التي شهدها الشارع العربي، ومع أن قطر لم تشهد أي احتجَاجَات تذكر إلا أن الحكومة القطرية في إجراء استباقي رفعت رواتب المواطنين بنسبة 60% ووعدت بإجراء انتخابات لجميع أعضاء مجلس الشورى، وهو ما تحقق عام 2021.

ومع تَطوُّر الأحداث في المنطقة ظل الموقف الخليجي الموحد غائبًا وحلت محله هذه المواقف الثلاث المتباينة، ويرجع هذا التباين إلى سبب أساسي وهو: التغيّر النوعي في مصادر التهديد -رجوعًا إلى الدراسات السابقة أعلاه- والإنتقال من التهديدات الخارجيّة والعسكريّة المباشرة إلى تحديات داخليّة غير عسكريّة، وهو ما أدى إلى تراجع حماس دول الخليج عن تحقيق وحدة إقليميَّة بعد الغزو الأمريكي للعراق، وهو ما أشار إليه مايكل برنيت وإيمانويل أدلر, فمع سقوط نظام صدام زال مصدر التهديد وفقدت هذه الدول الدافعيَّة نحو تَعمِيق وتَرسِيخ تحالفها الأمني، إلى جانب التغيُّر الحاصل في مواقف دول الخليج تجاه القوى الإقليميّة كإيران وإسرائيل، بين مُؤيَّد لإقامة علاقات معها ومُتوجَّس منها ورافضٍ لها. بالإضافة إلى ذلك أخذت المواقف الخليجيَّة تأخذ طابع التحالفات الثنائيّة بشكلٍ متزايد بديلاً عن التحالفات الجماعيّة، وهو ما ساهم في تراجع دور مجلس التعاون وإعاقة إنشاء « جماعة أمنيّة / Security Community » تمأسس التعاون الأَمْنيّ وتقلل من حالة الخَوف والتَّنَافُس وتبني الثِّقَة المُتَبادلة وتعمقها

عليه؛ ظلت رقعة الاختلاف تَتَّسِع، ليحل عام 2014  ويكون عامًا فارقًا في تاريخ الخليج، حيث شهد أزمة دبلوماسية حادة خليجيَّة. فقد قررت كل من السعودية والإمارات والبحرين سحب سفرائها من قطر مدة تسعة أشهر لأسباب أهمها تباين وجهات النظر حول ما تَشهدُه المنطقة. وكادت هذه الأزمة أن تكون الأسوأ في تاريخ العلاقات الخليجيّة لولا أزمة عام 2017 التي كانت الأشد وقعًا والأطوَل أمدًا حيث استمر قطع العلاقات وإغلاق الحدود بين الدول الخليجيَّة الثلاث وقطر أكثر من ثلاث سنوات قبل أن تُحَل الأزمة مع بداية عام 2021 . ومع قلب الصفحة والمضي قُدمًا لا يزال الموقف خليجي المشترك غائبًا تجاه أكبر التحديات التي فُرِضت على المنطقة ومنها: جماعات الإسلام السِّيَاسِي والنفوذ الإيراني المتزايد والنشاط المتنامي للجمَاعَات الإرهابيَّة ولا يزال دور مجلس التعاون الخليجي مُعَطَّلاً.

ختامًا, مما لا يَسعُ متابعًا للشأن الخليجي جَهلهُ هو أن دول الخليج لم تعد تَتَشارك ذلك التصوُّر الجماعي لتَّهديد الأَمْنيّ، ومصادر التَّهديد بالنسبة لها لم تعد بالضرورة مشتركة. مع ذلك؛ ونظرًا لحقيقة وعمق ما يجمع هذه الدول من روابط وتاريخ ومصير مُشتَرك ستظل الحاجة والضرورة والحكمة تَدفَعُ بدول الخليج إلى إعادة تكييف تَصوُّراتها للتَّهديد الأَمْنيّ وذلك من أجل تحقيق أمن واستقرار المنطقة.

تعليق واحد

  1. مقال رائع ورصين، والشكر للأستاذة الريم على هذا السرد التاريخي لمسيرة مجلس التعاون.
    مجلس التعاون له منجزات وإن كانت حتى الآن لا ترقى لتطلعات الشعب الخليجي، الذي يتطلع إلى تحقيق منجزات أكبر.
    لقد كان مجلس التعاون سبباً من أسباب وحدة الهوية لمواطني المجلس، وخلق مناخاً اجتماعياً ساهم في تعزيز الهوية الخليجية، ولهذا يمكن القول أن مجلس التعاون نجح على المستوى الشعبي أكثر من الحكومي.
    أما التصور الجماعي للتهديد الأمني فليس بالضرورة أن تتفق عليه دول المجلس من وجهة نظري، لأن ذلك سيعطل تعزيز دوره وتفعيله بشكل جيد، فلكل دولة مسارها الخاص بها، ولكن المهم هو أن لا تضر الدول الخليجية بعضها البعض بأي ضرر كان.

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.