عرض نقدي لكتاب “انعدام الجنسية: تاريخ حديث”

فهد راشد المطيري

كاتب المقالة

فهد راشد المطيري

توطئة

صدر قبل عامين عن دار نشر جامعة هارفارد كتاب Statelessness: a modern history لمؤلفته ميرا ل. سيغلبيرغ، وظهرت مؤخرا النسخة العربية من الكتاب ضمن منشورات مجلة “عالم المعرفة” الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، بعنوان “انعدام الجنسية: تاريخ حديث” ترجمة الدكتورة ابتهال الخطيب.

لعل المؤرخين أشد الناس إدراكا لأهمية معرفة الماضي لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، لكن غالبا ما تكون جذور الماضي طويلة ومتشعبّة ومتشابكة، ولهذا، ليست العودة إليه كالرجوع منه. لا أعرف مَن ابتدع تعبير “الغرق في التفاصيل”، لكنّي أستبعد أن يكون هو نفسه مبتدع تعبير “الشيطان في التفاصيل”، فالتعبيران يبدوان متناقضين في التوصية التي تتضمّنها كل منهما؛ أحدهما ينصح بتجاوز التفاصيل، والآخر ينصح بالتوقف عندها. هنا يكمن أحد التحديات أمام المؤرخ؛ أنْ يغوص دون أن يغرق، ولقد غاصت ميرا سيغلبيرغ طويلا في التفاصيل، ولست أريد هنا سوى التحقّق ممّا إذا كانت قد عادت سالمة غانمة.

سيتبيّن من هذا العرض النقدي أن هناك ثلاث مثالب في هذا الكتاب: (1) التركيز على الخارطة الأوروبية وشمال أمريكا في تناول المؤلفة للأبعاد القانونية الناتجة عن انعدام الجنسية؛ (2) تهميش القضية الفلسطينية مع اتصالها المباشر بالهدف المعلن من الكتاب، وهو هدف يدور حول الأبعاد القانونية لظاهرة انعدام الجنسية؛ (3) غياب النقد في التعاطي مع التغير الملحوظ في موقف المفكر القانوني لوتيرباخت من انعدام الجنسية بعد قيام الكيان الصهيوني.

تاريخ كارثة أم تاريخ مفهوم؟

 يوحي عنوان الكتاب بأننا أمام تاريخ انعدام الجنسية، لكن ما إنْ نقرأ مقدمته حتى نظن أن المكتوب ليس واضحا من عنوانه، وما إنْ نفرغ من قراءته كاملا حتى نوقن أن ليس كل ظن إثمًا. لا يقدّم الكتاب تاريخا لانعدام الجنسية، بل ينتقي من هذا التاريخ ما يتّصل بمفاهيم محددة مثل “الدولة” و”السيادة” و”المواطنة” وغيرها، ذلك أن “الهدف الأساسي لهذا الكتاب” بنص مؤلفته “هو إعادة تركيب وتوضيح الجدالات التي صنعت الاستقرار اللاحق حول المفاهيم المشتركة للمواطنة وانعدام المواطنة في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية”، ولبلوغ هذا الهدف تبحث المؤلفة في “الكيفية التي من خلالها أثْرَت مشكلة انعدام الجنسية نظريات الحقوق، السيادة، النظام القانوني العالمي، والعدالة العالمية” (ص 3).

يتكوّن الكتاب من ستة فصول، تتبعت فيها المؤلفة التحول الكبير الذي لحق بالموقف العام تجاه الأشخاص عديمي الجنسية؛ بدءًا من اعتبارهم حالة قانونية شاذة وخيالا من صنع الروائيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مرورا بالاعتراف القسري بوجودهم القانوني مع تزايد أعداد النازحين جرّاء اندلاع الحرب العالمية الأولى وما أسفر عنها من سقوط إمبراطوريات قديمة وقيام دول حديثة، وانتهاءً بالتعامل الفاتر من قِبل المجتمع الدولي تجاه معالجة وضعهم القانوني منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى وقت قريب. 

لسنا – إذًا – أمام تاريخ لانعدام الجنسية بوصفه كارثة إنسانية بقدر ما نحن أمام تاريخ المفهوم القانوني لانعدام الجنسية. يمتلئ الكتاب بعدد من الشخصيات المرموقة، جُلّهم من أهل القانون، ويزخر بالعديد من أبطال القصص المأساوية، جُلّهم من عديمي الجنسية، وفي الحالتين نحن دائما أمام شخصيات وقصص أُستُدعيت خصيصا من أجل فحص تبعاتها في سياق تاريخي ذي طابع قانوني صرف. مثلاً؛ يجد القارئ في مقدمة الفصل الأول من الكتاب قصة الألماني “ماكس ستويك” التي تدور حول صراعه مع القانون البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى لنيل الاعتراف به بوصفه عديم جنسية، لكن إذا دفع الفضول بالقارئ إلى معرفة كيف استطاع هذا البائس مواجهة ظروفه الحياتية التي انقلبت رأسا على عقب بين ليلة وضحاها، فلن يجد في الكتاب ضالته، ذلك أن فضول المؤلفة كان في مكان آخر؛ إنها ترى القصة في غاية الأهمية لما لها من أثر كبير على القانون الدولي بين الحربين. سيجد القارئ في الكتاب إشارات إلى أصناف مختلفة من ملايين المهجّرين وعديمي الجنسية في حقبة ما بين الحربين وما بعدها، وسيلاحظ تمييزا في تعامل القوى العظمى آنذاك ومؤسساتها الدولية معهم، وهو تمييز يبدو أن المؤلفة تقرّه ضمنيا ولا تنكره، لكن إذا انتظر القارئ معرفة أسباب ذلك التمييز، فلن يظفر بشيء ذي بال بين دفّتي الكتاب.

اختيار التفاصيل يحتاج إلى تبرير

نجحت المؤلفة بامتياز في تسليط الضوء على الأبعاد القانونية الشائكة التي نتجت عن انهيار الإمبراطوريات العظمى في أوروبا وتشكّل نظام دولي جديد على أنقاضها. أحد أهم تلك الأبعاد هو ذلك المتعلّق بالنظرية الوضعية حول طبيعة القانون الدولي؛ وفقًا لهذه النظرية، تشير العلاقات الدولية إلى علاقات بين دول ذات سيادة. لكن مع تنامي أعداد النازحين جرّاء الحرب العالمية الأولى، وعدم انتماء كثير منهم للدول حديثة النشأة بعد الحرب، أصبح انعدام الجنسية حالة غير متسقة مع طبيعة القانون الدولي؛ لم نعد أمام فضاء تقتصر أطراف العلاقة فيه على دول ذات سيادة، بل امتدّ ليشمل أشخاصا من دون هوية، وبالأخص بعد أنْ منحت عصبة الأمم “جواز سفر نانسين” للعديد من اللاجئين الروس الذين أُسقِطت جنسياتهم بعد الثورة البلشفية.

حين تكثر التفاصيل، لا مناص من الاختيار، لكن لا بدّ أيضا من تبرير اختيار محدد دون آخر، وهذا ما أخفقت فيه المؤلفة. كانت الحربان عالميّتين، ولهذا ليس من المفهوم تركيز المؤلفة على الخارطة الأوروبية وشمال أمريكا في تناولها للأبعاد القانونية الناتجة عن انعدام الجنسية. سيعثر قارئ الكتاب على تفاصيل حول الآثار القانونية لانعدام الجنسية على شعوب أوروبا بعد هزيمة بروسيا وسقوط الإمبراطورية النمساوية-المجرية والإمبراطورية الروسية، لكنه في المقابل لن يجد نقاشا لمدى شرعية المجتمع الدولي نفسه في ظل نقل المسؤولية القانونية عن الشعوب العربية من الإمبراطورية العثمانية المهزومة إلى القوى العظمى المنتصرة.  ليس مبُرَّرًا كذلك تركيز المؤلفة على النزوح البشري من الشمال الشرقي إلى الشمال الغربي، وكأنّ دول آسيا وأفريقيا لم تشهد نزوحا لملايين الروس بعد سقوط إمبراطورية رومانوف واندلاع الحرب الأهلية بين الجيش الأحمر والجيش الأبيض.

 هناك أيضا عدم توازن ملحوظ بين التركيز على الطابع اليهودي لكلّ من الشخصيات الأكاديمية الفاعلة على مستوى المجتمع الدولي والنازحين في الداخل الأوروبي، وبين تلك الإشارات السريعة إلى ما هو عربي أو أفريقي أو آسيوي؛ على سبيل المثال، تعاملت المؤلفة بجديّة مع حالة انعدام الجنسية التي عانى منها اليهود الأروربيون، لكنها اكتفت في المقابل بإشارات سريعة إلى حالة انعدام الجنسية عند الفلسطينيين (انظر، مثلا، ص 197 وصفحة 227؛ ولمثال على تركيز المؤلفة على الطابع اليهودي للشخصيات القانونية المؤثرة في القانون الدولي، انظر صفحة 9).

إذا كان التهجير القسري عاملا في نشأة انعدام الجنسية، فإن تهجير الفلسطينيين لا ينبغي أن يقل أهمية عن تهجير غيرهم من النازحين اليهود في أوروبا. وإذا كان لابتداع “جواز سفر نانسين” آثار قانوينة على العلاقات الدولية ومفاهيم السيادة والمواطنة والجنسية، فإنّ لتدشين وكالة الأمم المتحدة للإغاثة والتشغيل (UNRWA) والخاصة بالفلسطينيين في عام 1949 آثارا لا تقل أهمية بالنسبة إلى الأسس القانونية للمجتمع الدولي، فضلا عن الأسس الأخلاقية. لكن المؤلفة اختارت أن تلتفت إلى زاوية محددة وأن تغض النظر عن زوايا أخرى، مع أن كل هذه الزوايا تبدو متساوية من حيث أهميتها للهدف الجوهري المعلن من كتابها. مثلا؛ ما هي أسباب تحجيم الثقل القانوني لوكالة “الأونروا” بعد خلق الكيان الصهيوني وطرد الفلسطينيين من أراضيهم؟ هل ساهمت الوكالة في المحافظة على ديمومة بقاء الفلسطينيين “لاجئين”؟ إذا كان لنا أن نفترض أنّ خلق كيان استيطاني صهيوني في فلسطين ساهم في التخفيف من حالات انعدام الجنسية بين صفوف اليهود، فإنه دون ريب قد ساهم أيضا في خلق شعب فلسطيني من عديمي الجنسية، لكن – وهنا سؤال يتضمّن فرضية تبدو لي جوهرية – هل هناك علاقة بين نجاح اللوبي الصهيوني في خلق هذا الكيان المحتل وبين ما تورده المؤلفة في صفحة 158 حول حقيقة أن “موضوع انعدام الجنسية لم يعد يشغل الموقع التنظيري الرئيسي الذي كان يشغله في الفكر الدولي في سنوات ما بين الحربين”، خصوصا إذا علمنا أنّ أشهر المتصدّرين في تلك الفترة لموضوع انعدام الجنسية على المستوى الدولي هو نفسه (سنرى ذلك بعد قليل) من أشد المناصرين لنشأة الكيان الصهيوني؟ من المؤسف إغفال المؤلفة مثل هذه الأسئلة مع اتصالها المباشر بالهدف الجوهري المعلن من كتابها.

آرنت و لوتيرباخت

تعيب المؤلفة على حنة آرنت تفاعلها “الجدلي مع مقترحات الحقوق العالمية”، حيث ترى المؤلفة أن هذا التفاعل “قد أساء تقديم أهمية انعدام الجنسية للفكر العالمي بشكل كارثي” (ص 191). لا تحتاج آرنت إلى مَن يدافع عنها، فلقد بذلت جهدا كبيرا في كشف زيف النظام الدولي بجرأة مثيرة للإعجاب، وحلّلت بعمق العلاقة بين الطبقة البرجوازية وتمدّد الإمبريالية إلى خارج حدود الدولة، ووضّحت الترابط بين انهيار الإمبريالية القارية وظهور النزعات الفاشية والنازية والستالينية في فترة ما بين الحربين. لكن ما يعنينا هنا أن آرنت أوضحت في كتابها حول “الإمبريالية” ما لم تستطع المؤلفة سوى الإشارة إليه إشارة خاطفة. تقول آرنت في كتابها المذكور ما يلي:

اتضح بعد الحرب أن المسألة اليهودية، التي كان يُنظر إليها بوصفها الوحيدة غير القابلة للحل، أمكن حلّها بالفعل – أي باستعمار أرض ثم احتلالها – لكنّ هذا لم يحل مشكلة الأقليات ولا مشكلة عديمي الجنسية. بل على العكس من ذلك، فكما هي الحال مع كل أحداث قرننا الأخرى، أدّى حل المسألة اليهودية إلى مجرّد إنتاج فئة جديدة من اللاجئين، أي العرب، ومن ثم زيادة عدد الأشخاص عديمي الجنسية وعديمي الحقوق من 700000 إلى 800000 نسمة. وما حدث في فلسطين في حدود أصغر مساحة وبحجم مئات الآلاف من البشر تكرّر لاحقا في الهند على نطاق واسع وضمّ العديد من ملايين الناس. (ص 290، Imperialism، وهو الكتاب الذي يشكّل القسم الثاني من كتاب The Origins of Totalitarianism، والفقرة من ترجمتي)

لنقارن هذا الموقف المتماسك أخلاقيا مع موقف شخصية يهودية أخرى، شخصية مرموقة وكان لأفكارها أيضا نصيب كبير من النقاش في كتاب المؤلفة. أعني هيرش لوتيرباخت الذي تصفه المؤلفة بأنه “أحد أكثر المحامين الدوليين المحتفى بهم في القرن العشرين” (ص 91)، وهو كذلك أحد الذين ساهموا – وهو ما تؤكده المؤلفة – “في تطوير القانون العالمي وفي صنع المعمار القانوني للحماية العالمية للاجئين والأفراد عديمي الجنسية” (ص 9). إنّ ما يثير الانتباه حول لوتيرباخت هو التغيّر الملحوظ في موقفه من انعدام الجنسية، وهو موقف منسجم في تغيّره مع حالتيْ الجزر والمد في المحيط اليهودي؛ في فترة ما بين الحربين، حين كان كثير من بني جلدته يعانون انعدام الجنسية، كان موقف لوتيرباخت إلى جانب ضرورة أن يشمل القانون الدولي حماية الأفراد ولا يقتصر على العلاقات بين الدول ذات السيادة، بل حتى حين فضّل بعض اليهود الألمان الإبقاء على وضعهم القانوني بوصفهم عديمي الجنسية ورفضهم استعادة الجنسية الألمانية، رأى لوتيرباخت أنّ لهم الحق في ذلك (ص 182). لكن في المقابل، وبعد الحرب العالمية الثانية وبداية التحضير الفعلي لقيام الكيان الصهيوني، وهو التحضير الذي ساهم فيه لوتيرباخت شخصيا بشكل كبير، تخلّى عن أفكاره السابقة ومال إلى صالح الدولة ذات السيادة على حساب الأفراد عديمي الجنسية، بل وضع أيضا كتابا كاملا يجادل فيه بوجوب الاعتراف الدولي بنشأة الدول الجديدة. لا تنكر المؤلفة هذا التحول، فهي تقرّ بأنّ “إصرار لوتيرباخت على ‘الحق في الهوية الوطنية’ يمكن بكل تأكيد قراءته جزءا من التزامه الأكبر تجاه حق تقرير المصير الوطني اليهودي والحقوق التي تلي من التحرر السياسي الجمعي في تلك الفترة (ما بين الحربين)”، لكنّ “لوتيرباخت كان قد ابتعد .. تماماً عن توقعات فترة ما بين الحربين التي تربط مستقبل نظام قانوني دولي متسع بظاهرة انعدام الجنسية” (ص 184). ما السبب وراء هذا الابتعاد؟ عبثًا يحاول كاتب هذه السطور العثور على إجابة بين دفّتي هذا الكتاب.

في الفقرة التي أوردتها من كتاب حنة آرنت، نجدها تدين بشدة ما جرى في فلسطين والهند. لكن في المقابل، وحين تلقّى لوتيرباخت رسالتين عاجلتين في يوليو من عام 1948، كانت الرسالة الأولى من حكومة الكيان الصهيوني تطلب فيها النصح بكيفية الرد القانوني على محاولات السوريين لانتزاع حكم قضائي ضد هذا الكيان من محكمة العدل الدولية، وكانت الرسالة الثانية من إمارة حيدر أباد الهندية وتطلب فيها النصح حول ما إذا كان من المفيد اللجوء إلى محكمة العدل الدولية للمطالبة بتأمين استقلال الإمارة عن الهند وباكستان. بالنسبة إلى شخصية أكاديمية مرموقة مثل لوتيرباخت، كان من المفترض أن تأتي إجابته عن الرسالة الأولى متشابهة مع إجابته عن الرسالة الثانية، فقد سبق أن ذكرت أن لوتيرباخت دافع عن وجوب الاعتراف الدولي بالدول حديثة النشأة. لكن رد فعله في الحالتين جاء مختلفا تماما: نصح الهنود باللجوء إلى المجتمع الدولي مع اعترافه لهم بضآلة الفرصة في نجاح هذه الخطوة، في حين شدّد على الصهاينة بضرورة عدم اللجوء إلى المحكمة الدولية حالياً لأسباب استراتيجية صرفة، مع تأكيده عليهم في أن يبقى انخراطه في العمل القانوني لمصلحة كيانهم طي الكتمان (انظر The “Natural Right of the Jewish People”، لمؤلفه James Loeffler، ص 23-25).

خاتمة

غاصت مؤلفة الكتاب في تفاصيل كثيرة حول علاقة انعدام الجنسية بالقانون الدولي ومفاهيم السيادة والدولة والمواطنة، وكانت ترمي من العودة إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى فهم ما جرى بعد الحرب العالمية الثانية، ولعلها نالت بعض ما ترمي إليه. لكنّها تركت للقارئ مهمّة شاقة؛ وهي محاولة الاستعانة بمضمون الكتاب في فهم الحاضر واستشراف المستقبل حول مأساة انعدام الجنسية.

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.