تبعات أحداث 11 سبتمبر 2001 في مصر: انهيار حقوقي، بزوغ وخسوف إسلاموي، فشل سياسات الإمبراطورية

مصطفى شلش

كاتب المقالة

مصطفى شلش

توطئة

تُعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول (2001) التي طالت مركز التجارة العالمي بالولايات المتحدة الأمريكية أحد أفظع الهجمات الإرهابية في هذا القرن، فقد قُتل ما يقرب من ثلاثة آلاف شخص (2977 ضحية بالإضافة إلى تسعة عشر إرهابيًا من تنظيم القاعدة)، وجرح ما يقدر بخمسة وعشرين ألفًا. وقد غير هذا الرعب وجه العالم تماماً حيث أطلقت الولايات المتحدة العنان لقوتها العسكرية وسلطتها القانونية وأجهزة استخباراتها لبناء تحالف دولي ضد الإرهاب وتشييد قواعد بيانات مشتركة معولمة، وتسليم مواطنين (إرهابيين في قول آخر) إلى جانب المعلومات الاستخباراتية والتكنولوجية ووسائل التعذيب، وتدريبات عسكرية مشتركة لمنع تكرار ما حدث.

لذا تتناول المقالة الآثار الرئيسية لهجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول (2001) التي طالت مركز التجارة العالمي بالولايات المتحدة الأمريكية على مصر بدءًا بالأثر القانوني، والمقصود به توسّع الحكومة المصرية في توظيف محاربة الإرهاب في بنيتها القانونية لتقليص الحقوق وتحجيم الحريّات، مروراً بسياسة واشنطن المُتبعة للتعامل مع الحركات الإسلاموية المتطرفة مثل الإخوان المسلمين ما أدى لتعزيز نفوذها ووصولها للحكم قبل الإطاحة بها، وتختتم بالحديث عن مدى ملائمة السياسات الامبراطورية الأمريكية بخصوص نشر الديمقراطية بالقوة ومن أعلى.

عالم جديد يتشكل

“كل شيء أصبح مختلفًا”، هكذا صرح أهل السياسة، والقانون، والفلسفة، والأدب، والفن بعد ذلك الحدث الصادم، وعليه يجب أن تتحرك كُل حقول المعرفة والسلطة للتعامل مع هذه التغييرات المذهلة في العالم المعاصر. ويمكن اعتبار هجمات الحادي عشر من سبتمبر إذا استخدمنا أدبيات غاستون باشلار (قطيعة إبستمولوجية) في المعرفة المعاصرة، أي انفصال في العقل الباطن عن نظام سابق للمعرفة يمكن من خلاله للبشر أن يفهموا وضعهم التاريخي العالمي، لذا الآن، وبعد مرور عقدين على الحادي عشر من سبتمبر، مازال هُناك مساحة مجهولة تسمح بالتساؤل حول التالي:

  • ما هي العلاقة بين البنية القانونية القمعية في مصر والحرب على الإرهاب؟
  • كيف لعبت الحرب على الإرهاب دورًا في تفجر الاحتجاجات في مصر؟
  • كيف أدت سياسة مكافحة الإرهاب الأمريكية ما بعد (2001) لدعم الجماعات المتطرفة في مصر؟

شهد العالم لحظتين مِن التحول في المجال الحقوقي يوم (11) سبتمبر/ أيلول لكن في عامين مُختلفين، اللحظة الأولى عندما أعلن جورج بوش الأب عام (1990) أن حرب الخليج هي أول اختبار عظيم لـ (النظام العالمي الجديد) بعد الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي لتصبح الولايات المُتحدة قطب القوة الأوحد في العالم، وقد كانت تلك اللحظة الدموية ميلاد لعصر القوة السيادية والحياة المُجردة للمواطنين. بينما اللحظة الثانية أعلنها جورج بوش الابن عام (2001) بإعلانه الحرب على الإرهاب.

في تلك الأثناء تعرض النظام الدولي لحقوق الإنسان لأضرار بالغة، وأدت الحرب الأمريكية على الإرهاب إلى طمس الخطوط بين الحرب على الإرهاب وحقوق الإنسان. ولم تقتصر الولايات المتحدة على استمالة الحلفاء في أعمال غير قانونية مثل استخدام أراضيهم للتسليم الاستثنائي فحسب، بل قامت أيضًا برعاية الأنظمة الاستبدادية التي دفعت بتشريعات قانونية جديدة لمكافحة الإرهاب لتسمح بتسليم المشتبه بهم الذين تم القبض عليهم في أفغانستان والعراق وباكستان، والسماح بالاعتقالات التعسفية و الاختفاء القسري. وفي مقابل الحرب ضد الإرهاب قبلت الولايات المتحدة انتهاكات حقوق الإنسان في شكل حالات طوارئ لانهائية، وكان هذا هو الحال في مصر والأردن والمغرب والعديد من دول الخليج.

العلاقة بين البنية القانونية القمعية في مصر والحرب على الإرهاب

منذ أحداث (11) سبتمبر/ أيلول (2001) تحولت مكافحة الإرهاب لذريعة مقبولة لسياسات أخرى غير ذات صلة على مستوى العالم. وفي نموذج مصر نجد أنّها في الفترة  (2001-2010) تعلمت مِن قانون باتريوت آكت أو قانون مكافحة الإرهاب الأمريكي كيفية صياغة مشروع قانونها الخاص لمكافحة الإرهاب، وقدمت تعريف واسع للإرهاب بأنه انتهاك للنظام العام، أو تهديد سلامة المجتمع أو مصالحه أو أمنه. وقد أدى الاستخدام غير الرشيد والعنيف لآليات مكافحة الإرهاب في مصر إلى زيادة السخط العام نتيجة تقليص الحُريات والبطش بالمواطنين وارتفاع معدلات العنف مِن قبل رجال إنفاذ القانون، وفي النهاية وبالإضافة لعوامل اقتصادية واجتماعية اندلعت موجة احتجاجية كبرى في مصر أطاحت بنظام الرئيس الراحل محمد حسني مُبارك (1928-2020).

كانت مصر من أولى الدول التي عانت من أعمال إرهابية تقريبًا منذ اغتيال الرئيس السابق أنور السادات على يد جماعة إسلامية مُتطرفة عام (1981)، وشهدت البلاد منذ تسعينات القرن الماضي موجة إرهابية كبيرة أودت بحياة المئات مِن المواطنين والأجانب، وبعد فترة هدوء مع نهاية عام (1997)، عاد الإرهاب مرة أخرى، وتعرضت البلاد لهجمات إرهابية متلاحقة في عام (2004)، وعام (2006)، وعام (2009).

واجهت الحكومة المصرية الإرهاب من خلال قانون الطوارئ رقم (162) لسنة (1958)، وأصدر مجلس الشعب في (2006) مرسومًا يقضي بتمديد قانون الطوارئ لعامين إضافيين، وفي مايو/ أيار (2008)، تم تجديده مرة أخرى مِن خلال القرار رقم 126/2010 الذي أصدره الرئيس مبارك، ورغم اندلاع تظاهرات يناير/ كانون الثاني (2011)، حيث كان أحد المطالب إنهاء حالة الطوارئ، إلا أن حالة الطوارئ ظلت سارية المفعول حتى (31) مايو/ أيار (2012) كما هو منصوص عليه. ويمثل هذا التاريخ علامة فارقة في مسار مصر مع قانون الطوارئ، حيث انتهت حالة الطوارئ بعد ثلاثين عامًا من التنفيذ. اعتقد الكثيرون أن مصر لن تعيش أبدًا في ظل حالة الطوارئ مرة أخرى. لكن في الواقع، سريعًا ما تم فرض قانون الطوارئ في مدن القناة في الفترة بين يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط (2013).

وبالعودة لعام (1992)، وتحديدًا مع صدور قانون رقم (97) بشأن الإرهاب، فقد تضمن القانون المصري ضم لجرائم مثل: (الإضرار بالبيئة، أو منع أو إعاقة السلطات العامة عن أداء عملها، أو منع تطبيق الدستور أو القوانين أو اللوائح) مع جرائم الإرهاب، لذا فالتعريف الوارد في المادة (86) مِن القانون تنطوي على خطر تضمين أفعال لا تشكل علاقة كافية بـجرائم إرهابية عنيفة، وهذا ما يثير القلق خصوصًا أن أغلب ما تم الإشارة له مِن جرائم يُعاقب عليه بعقوبة الإعدام.

وقد استغل نظام مُبارك القانون، وابتعد عن هدفه الأولي المفترض، وهو مكافحة الإرهاب، وتطرق إلى قضايا أخرى، فتوسع مِن المفهوم الضيق لتشريع مكافحة الإرهاب إلى مفهوم أوسع لقمع حرية الفكر والتعبير وكذلك الأنشطة السياسية السلمية. حيث يمكن اعتبار الأنشطة النقابية المُنظَمة على سبيل المثال: الإضرابات أو الاحتجاجات أو المظاهرات، تهديد أو ترهيب من أجل زعزعة السلم أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، ما يُخضع هذه الأنشطة السلمية إلى نفس منظومة العقوبات القاسية للجرائم الإرهابية. كما ألغى قانون مكافحة الإرهاب عددًا من تدابير الحماية الواردة في قانون الإجراءات الجنائية، على سبيل المثال:

  • رفع مدة الحبس الاحتياطي قبل إحالة المتهم إلى المحكمة إلى ستة أشهر للجنح، و (18) شهرًا للجنايات، وسنتان في الجنايات التي يُعاقب عليها بالإعدام. وهذا مخالف للمادة (71) من الدستور التي تحتوي على ضمانات ضد الاعتقال التعسفي.
  • سمح للشرطة باحتجاز المدنيين لمدة تصل إلى (11) يومًا دون توجيه أي اتهامات بموجب الادعاء بأن هذه المدة ستستغل في التحقيق. وخلال هذه الفترة، يُحرم المدعى عليه من الاتصال بمحام ولا توجد مراقبة قضائية لوضعه، مما يجعله عرضة بشكل خاص لسوء المعاملة أو التعذيب.

عام (2007)، اندلع الجدل القانوني حول المادة (179) مِن الدستور والتي طلب الرئيس حسني مبارك تعديلها لتصبح مادة تتعلق بحماية الدولة من الإرهاب، وتسمح بسن نظام قانوني يختص بمكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه ليكون بديلًا تشريعيًا لمكافحة هذا الخطر دون حاجة لتطبيق قانون الطوارئ. وتسمح المادة (179) المعدلة للحكومة بتعليق العمل بالدستور وتطلق يد الأجهزة الأمنية للاعتقال وتفتيش المنازل ووسائل الاتصال، كما تسمح لرئيس الجمهورية بإحالة المدنيين المشتبه في ارتكابهم أعمال إرهابية إلى المحاكم العسكرية وغيرها من المحاكم الاستثنائية.

هذه المادة تلغي المزايا والحقوق التي منحتها المواد (41) التي تمنع القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته أو منعه من التنقل، إلا بإذن من النيابة، و(44) التي تقر بحرمة المساكن وتمنع اقتحامها أو تفتيشها، إلا بأمر قضائي مسبب، والفقرة الثانية من المادة (45) التي تعترف للموطنين بحرمة مراسلاتهم واتصالاتهم وتمنع مصادرتها أو الاطلاع عليها أو رقابتها، إلا بإذن قضائي مسبب. أما فيما يتعلق بمنح رئيس الجمهورية سلطة إحالة أي متهم في أي قضية إلى أي محكمة، فهي اختصاصات ليست له، كما أنها تخالف عدداً من المبادئ القانونية العامة المستقرة، فتخل بمبدأ المساواة أمام القانون، وتمنع المواطن من حقه في المثول أمام قاضيه الطبيعي، وتهدر مبدأ استقلال القضاء بإقحام السلطة التنفيذية في أعمال السلطة القضائية، وهو ما يخالف -أيضاً- مبدأ الفصل بين السلطات.

الحرب على الإرهاب وتفجر الاحتجاجات في مصر

في البداية يجب التأكيد على أن الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها مصر في يناير (2011) وأدت للإطاحة بنظام مُبارك كانت أحد الأحداث الاستثنائية في تاريخ البلاد، لذا لا يُمكن حصر أسباب قيام ثورة في سبب واحد بل هُناك أسباب عديدة اجتمعت معًا أدت لهذه النتيجة، ونحن بصدد التركيز على زاوية واحدة أو سبب واحد وهو عُنف الأجهزة الأمنية والاستغلال الخاطئ لقوانين مكافحة الإرهاب، ولسنا بصدد تقييم الثورة أو التشكيك فيها، نحن نُعيد تفكيك لحظة تاريخية فقط ونتساءل : هل كانت مصر خلال نظام مُبارك، بحاجة إلي قانون جديد لمكافحة الإرهاب؟ ولماذا رغب النظام في إصدار تشريع جديد للإرهاب؟ ولماذا غامـر بسمعته الدولية فتحول إلى نظام بوليسي قمعي بنص الدستور، رغم وجود قانون لمكافحة الإرهاب؟ للإجابة أولًا يجب الإشارة إلى أن هجمات 11 سبتمبر أدت إلى احتدام النقاش داخل دوائر نفوذ واشنطن وخارجها بين رؤيتين متباينتين:

  1. رؤية الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش (2001-2009) التي شددت على الترويج الفعال للإصلاح الديمقراطي في المجتمعات الإسلامية (فرض الديمقراطية مِن الخارج وبقوة السلاح مثل: غزو أفغانستان والعراق). وبالنسبة للكثيرين في ذلك الوقت، كان هناك اعتقاد سائد بأنه حتى الأيديولوجية الراديكالية الخاصة بالجماعات الإسلامية المتطرفة يمكن تغييرها وتعديلها تدريجياً من خلال الممارسة الديمقراطية.
  2. رؤية الرئيس الأمريكي باراك أوباما (2009-2017) التي خلصت إلى أن أي تغيير سياسي في العالم الإسلامي لا يمكن فرضه أو تحفيزه مِن الخارج. وبدلاً من ذلك، يجب أن يحدث هذا مِن داخل المجتمعات وبقيادة إسلامية. وهذا ما قد يفسر الدعم البراغماتي لإدارة أوباما للإخوان المسلمين في الشرق الأوسط بعد أحداث (2011) وهذا الدعم كان منطلقًا مِن أن الإسلام السياسي نتاجًا عضويًا حديثًا للسياسة والثقافة الإسلامية وبالتالي تم تأييد التواصل مع جماعة الإخوان المسلمين، معتقدين أن الحركة الإسلاموية قد تصبح أكثر ديمقراطية وتعددية عندما تعمل في فضاء سياسي أكثر حرية.

ثانيًا تكمن الإجابة على التساؤلات حول ممارسات القاهرة القمعية في موقف واشنطن مِن النظام آنذاك، حيث تعهد الرئيس بوش وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس مِن داخل مصر بأن الولايات المتحدة لن تواصل سياسة تفضيل الاستقرار في الشرق الأوسط على حساب التحول الديمقراطي، وبالفعل اجرى النظام المصري انتخابات رئاسية شكلية عام (2005)، وانتخابات برلمانية عقد فيها صفقة مع أبرز جماعة مُعارضة آنذاك وهي جماعة الإخوان المسلمين، وعلى ضوء تلك الصفقة تحصل الإخوان على أكثر مِن (80) مقعد. وتلا ذلك شعور النظام المصري بقيادة مُبارك بشيخوخته لذا أندفع أكثر في ضوء قوانين مكافحة الإرهاب ولم يهتم بسمعته الدولية لحماية أمنه من المظاهر الاحتجاجية على سوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية التي تصاعدت وتيرتها منذ عام (2005) وباتت تُهدِّد مستقبل كثيرٍ من أعضاء النُّخبة الحاكمة التي كانت تستعد لتوريث الرئاسة لنجل الرئيس: جمال مُبارك.

عام (2011)، بدأت سلطة الرئيس المصري حسني مبارك في التلاشي، وسبق هذا التلاشي عُنف مُفرط للأجهزة الأمنية لقمع الأصوات التي علت للمُطالبة بالإطاحة بالنظام، وكان أبرز مثال للوحشية التي وصلت لها النخبة الحاكمة هي مقتل الشاب خالد سعيد (2010) أثناء اعتقاله كنتيجة للسياسات القمعية والقوانين الاستثنائية التي أطلقت يد رجال الأمن لمُحاربة الإرهاب في ضوء قانون الطوارئ، وكان على واشنطن التعامل مع خسارة واحد مِن أهم حلفائها في الحرب على الإرهاب، والتعاطي مع احتمالية قيام حكومة يهيمن عليها الإسلاميون في مصر، واختبار فروضها نحو ديمقراطية الحركات الإسلاموية وعلى رأسها الاخوان المسلمين.

سياسة مكافحة الإرهاب الأمريكية ما بعد (2001) وزيادة نفوذ الجماعات المتطرفة في مصر

خلال شهري مارس/آذار وأبريل/نيسان (2011)، حذر بعض صانعي السياسة الأمريكيين من صعود جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة. لكن، بدأت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون صراحة في فتح الباب أمام الإخوان المسلمين، وقد تحدثت كلينتون مرارًا وتكرارًا عن الحاجة إلى التعامل مع الحركات الإسلاموية. وقال العديد من كبار الدبلوماسيين ومسؤولي البنتاغون إنهم أجروا محادثات مشجعة مع مجموعة من قادة المعارضة، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين. وتم التعبير عن الموقف الرسمي لإدارة أوباما بوضوح في يونيو/ حزيران (2011) مِن قبل كلينتون خلال زيارة إلى بودابست: “نعتقد، بالنظر إلى المشهد السياسي المتغير في مصر، أنه من مصلحة الولايات المتحدة التعامل مع جميع الأطراف السلمية والملتزمة بعدم العنف، والتي تنوي التنافس على البرلمان والرئاسة، لذا نرحب بالحوار مع أعضاء الإخوان المسلمين الذين يرغبون في التحدث إلينا”.

بعد انتصارات الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية والرئاسية في مصر عام (2012)، صدق المسؤولون في واشنطن فكرة أن دعم حكومة الإخوان المنتخبة والعمل معها يمكن أن يكون نموذجًا ويساعد في كبح انتشار الحركات الإسلامية العنيفة في أماكن أخرى، على الرغم مِن عدم الشعور بالراحة لمواقف الجماعة التي وصفتها السفيرة الأمريكية في القاهرة آنذاك آن باترسون بأنها “أقل ليبرالية، وغير مُلتزمة بالحُريات”.

خلال فترة رئاسة الإخواني محمد مرسي (1951- 2019) من يونيو/ حزيران (2012) إلى يونيو/ حزيران (2013)، كان النظام في خطابه الرسمي مترددًا في استخدام مصطلح الإرهاب. واستخدم مصطلحي “العنف” و “الجهاد”، واعتمد على نهج التفاوض مع الإرهابيين في شمال سيناء بدلاً من المواجهات المسلحة. ويكشف تحليل فعالية هذا النهج أنه لم يكبح الإرهاب، وبدلاً من ذلك، فقد أدى لتنشيط عمل الجماعات المُتطرفة منذ عام (2011) مثل أنصار بيت المقدس، وذكر تقرير الإرهاب العالمي السنوي الصادر عن الإدارة الأمريكية لعام (2012) -أي خلال حُكم الإخوان المسلمين- أن منطقة شمال سيناء في مصر تحولت لطريق تهريب للأسلحة والمتفجرات، فضلاً عن تحولها لقاعدة تدريبية للعناصر الإرهابية مما أدى لزيادة قدرتهم على مُهاجمة مؤسسات الدولة وشن عمليات إرهابية في العُمق المصري.

في يوليو/ تمُّوز (2013)، أدى تصاعد الاضطرابات في القاهرة ضد تحركات جماعة الإخوان المسلمين لاحتكار السُلطة في ظل أوضاع انهيار اقتصادي وتخبط حكومي وقلق مُجتمعي مِن تصدر شخصيات دينية مُتطرفة للمشهد السياسي أبرزهم قتلة السادات: طارق وعبود الزُمر، وشيوخ راديكاليين مثل: صفوت حجازي ومحمد حسان ومحمد عبد المقصود وهذا على سبيل المثال وليس الحصر، إلى قلق واشنطن مِن سقوط نظام الإخوان، وبالفعل مع استمرار التدهور في مصر، تدخل الجيش المصري والإطاحة بجماعة الإخوان من السلطة واعتقال الرئيس مرسي.

وبعد انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي، سعت الولايات المتحدة إلى إرساء طريقة تعايش جديدة مع نظام السيسي مع عدم إغلاق الباب مع جماعة الإخوان. وكانت هذه قضية معقدة بالنسبة للدبلوماسيين الأمريكيين، لأسباب ليس أقلها أن الحكام العسكريين لمصر أعلنوا أن جماعة الإخوان المسلمين (جماعة إرهابية) في أول تعارض واضح مع سياسة أوباما بخصوص الانخراط مع الإسلامويين، لكن امتصت واشنطن صدمة القرار وصرحت إليزابيث جونز، مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى:“ أثبت السيد مرسي عدم قدرته على الحكم بشكل شامل، مما أدى إلى نفور العديد من المصريين، واستجابة لرغبات ملايين المصريين الذين اعتقدوا أن الثورة اتخذت منحى خاطئًا، ورغبوا في عودة الأمن والاستقرار بعد سنوات من الاضطرابات، حلت الحكومة المؤقتة محل حكومة مرسي. لكن، الحكومة المؤقتة اتخذت قرارات تتعارض مع الديمقراطية ولقد أزعجتنا أحداث العنف، والقوة المفرطة التي استخدمت ضد المتظاهرين، والقيود المفروضة على الصحافة والمجتمع المدني وأحزاب المعارضة، واستمرار اعتقال العديد من أعضاء المعارضة، وتمديد حالة الطوارئ”.

الآن، تطلب الحرب على الإرهاب تحولًا في فهم أهداف الجماعات الإرهابية وخصوصًا أن الأخيرة صارت أكثر مرونة ولها قدرة فائقة على التخفي وانتهاج استراتيجيات هجومية على أهداف ضعيفة التأمين مثل: دور العبادة، أو المزارات السياحية، هذا بالإضافة للاستخدام الواسع النطاق لوسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في الترويج للعمليات الإرهابية لخلق أكبر قدر مِن موجات الرعب وبالتالي إضعاف الثقة في الدولة ومؤسساتها، وفي ظل هذه التحولات، تتبنى مصر نمطين مِن السياسات:

  • النمط الأول: توفير إطار قانوني يقنن تدابير مكافحة الإرهاب في ضوء المادة (237) من دستور (2014)، وتستند الحكومة المصرية على قانون التنظيمات الإرهابية، ومع ذلك، لم يتم الإعلان عن أي قائمة رسمية بالمنظمات الإرهابية منذ تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية في (25) ديسمبر/ كانون الأوَّل (2013). علاوة على ذلك، فقد اعتمدت قانون لمكافحة الإرهاب في أغسطس/ آب (2015) الذي يحدد الأعمال الإرهابية وتمويل الإرهاب و عقوبات مثل هذه الأفعال، بعضها مستمد من قانون العقوبات المصري.
  • النمط الثاني: سياسات استهداف الإرهابيين في شمال سيناء والعمق المصري وإعلان حالة الطوارئ والاعتماد على مجموعات إنفاذ القانون في شن عمليات عسكرية واسعة النطاق ضد الإرهابيين، وفي الغالب من القوات المسلحة وجهاز الأمن الوطني وقوات العمليات الخاصة.

تواجه الإدارة الحالية في مصر برئاسة عبدالفتاح السيسي إدانات واسعة فيما يتعلق بحقوق الإنسان، ويأتي رد الحكومة بأنها تشن حربًا ضد الإرهاب لتحقيق الأمن كأحد الحقوق الأساسية للمواطنين، وقد أعلن الرئيس المصري حالة الطوارئ منذ اعتداءين نفذهما متطرفون في التاسع من نيسان/أبريل (2017) واستهدفا كنيستين قبطيتين في طنطا والإسكندرية، وأسفرا عن سقوط (45) قتيلاً، وكان آخر تجديد للحالة الطوارئ بقرار رقم (174) لسنة (2021)، بداية مِن يوم (24) يوليو/ تمُّوز ولمدة ثلاث أشهر حتى أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي في 25 أكتوبر/ تشرين الأول (2021) قراره بإلغاء تمديد العمل بحالة الطوارئ. علمًا أن تحدي العيش في ظل حالة طوارئ تواجه أيضًا جميع الدول التي تميل إلى تطبيق إجراءات أكثر صرامة في أوقات مكافحة الإرهاب. ففي (23) ديسمبر/ كانون الأول (2015)، على سبيل المثال، نشر الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين مقالاً لرد على إعلان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند لـ (حالة الطوارئ) عقب الهجمات الإرهابية التي وقعت في باريس وخلفت 130 قتيلاً، مما يمنح الشرطة الفرنسية “سلطات استثنائية” لإعلان الإقامة الجبرية وإجراء عمليات تفتيش والمصادرة دون إذن قضائي وممارسة الرقابة على الصحافة، وجادل أغامبين بأنه “لا يمكننا فهم ما هو على المحك في تمديد حالة الطوارئ في فرنسا، إذا لم نضعها في سياق تحول جذري في نموذج الدولة الذي نعرفه”. فمزاعم السياسيين بأن حالة الطوارئ هذه قد سُنَّت لحماية الديمقراطية كاذبة بشكل واضح، حيث إن المؤرخين يعرفون جيدًا أن حالة الطوارئ كانت على وجه التحديد الأداة التي وضعتها الحكومات الشمولية  في أوروبا خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين. وادعى أغامبين أنه بمجرد إعلان حالة الطوارئ هذه، سيتم تمديدها إلى أجل غير مسمى حتى تصبح سمة دائمة من سمات القانون الدستوري الفرنسي، مثل حالة الاستثناء الدائمة في جمهورية فايمار بألمانيا التي سمحت لأدولف هتلر بتولي السلطة كمستشار ألماني من عام (1933) إلى عام (1945). وقد أثبتت تنبؤات أغامبين دقتها حيث تم تمديد حالة الطوارئ خمس مرات حتى نوفمبر/ تشرين الثاني (2017)، وقد أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رفعها في (31) أكتوبر/ تشرين الأول (2017). ومع ذلك، فإن التحدي لا يتعلق فقط بإمكانية اعتماد قانون يشرعن مكافحة الإرهاب، ولكن إلى أي مدى يمكن أن يكون القانون محددًا للغاية في تعريف الإرهاب مقارنة بالجرائم الأخرى ، ومدى القدرة على المُساءلَة إذا كان هناك إساءة استخدام القانون.

الآن، وبعد مرور عقدين على الحرب الأمريكية الصليبية على الإرهاب (بحد وصف جورج بوش الأبن)، تكمن خطيئة واشنطن في نظرتها المتعلقة بـ (الانخراط مع الإسلاموية) والتي مِن الواضح أنها تتطابق مع النهج السياسي البريطاني منذ عام (2005) والمتعلق بالتعامل مع الإسلام السياسي وجماعة الإخوان المسلمين خصوصًا، حيث شهدت أحد الاجتماعات في باريس آنذاك تحديد نغمة الإجراءات المُتبعة مِن قبل أوليفييه روا، الأكاديمي الفرنسي، الذي جادل بأن “السياسة الغربية السابقة تجاه الإسلاميين – الاحتواء والقمع – كانت فاشلة”. وبدلاً من ذلك، نصح المشاركين بـ “التفكير في كيفية دمج الإسلاميين”، وجدت نصيحته جمهورًا متعاطفًا بين كبار موظفي وزارة الخارجية البريطانية الحاضرين. ورُسمت صورة وردية عن جماعات الإسلام السياسي بأنها أقل ديكتاتورية وفسادًا مِن الأنظمة القائمة وهذا ما كذبته التجربة الفعلية في كُلًا مِن مصر وتونس وليبيا والمغرب والعراق ولبنان.

على الرغم مِن أن هذا النهج المتفائل لم يشارك فيه الجميع آنذاك، وقد كان أبرز المُعترضين هو السفير البريطاني في مصر (السير ديريك بلامبلي) والذي عبر عن مخاوفه وأشار إلى أنه مِن الأفضل الانخراط مع العالم الإسلامي وليس الانخراط مع الإسلاموية، وذلك للتقليل من الجوانب السلبية الحقيقية فيما يتعلق بالأجندة السياسية والفكرية المتعلقة بالإسلام السياسي إذا ما تمكنوا فعلًا مِن الوصول للسلطة. كما اقترح السفير أنه مِن الأفضل لوزارة الخارجية أن تعمل على تحقيق أهداف أخرى – مثل الإصلاح الديمقراطي واحترام سيادة القانون وحقوق الإنسان. ورأى أنه لا ينبغي إشراك جماعة الإخوان والجماعات الإسلامية الأخرى إلا من خلال مبادرات محددة تركز على تلك الأهداف الواضحة، وليس التسليم بحُكم الإسلام السياسي ببساطة “كمسألة مبدأ”.

فشل سياسات الامبراطورية الأمريكية

يأتي المشهد الأخير للانسحاب الأمريكي المُدمر مِن أفغانستان، والهروب الكبير للشعب الأفغاني مِن سيطرة حركة طالبان الراديكالية، كدليل قاطع على فشل الرؤية الأمريكية الإمبراطورية حول فرض الديمقراطية مِن أعلى وبالقوة كما كان يظن جورج بوش الابن، كما لا تبدو حركة النزوح دليل على الترحيب بالحُكم الإسلاموي مِن الداخل كما كان يظن باراك أوباما.

وقد أدى انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام (2017) لتحول كبير في النظرة بشأن العلاقات مع الشرق الأوسط، فقد سعى الرئيس السابق وراء المصالح الأمريكية عبر تعزيز التحالفات مع مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بدون أي اعتبارات لمفاهيم الديمقراطية للإدارات السابقة والتي أثبت التجربة أن التيارات الإسلاموية ليست الحل الأمثل لها، وعليه فانتفاضات عام (2011) رغم أسبابها الحقيقة ومطالبها المشروعة لم تكن ثورات ناجحة أو فاشلة، ولم تكن ربيعًا عربيًا أعقبه صيف مجيد أو شتاء بارد، لكن “أدت تلك الانتفاضات لرفع مستوى النظم السياسية غير المستقرة في العديد من الدول العربية وتحطيم العديد من الأنظمة الأخرى، ما أطلق بدوره العنان لفوضى مفتوحة النهاية”، كما يشير الباحثان ديفيد ومارينا أوتاوي في كتابهما: “قصة أربعة عوالم: المنطقة العربية بعد الانتفاضات“.

ويرى ديفيد ومارينا أوتاوي أربعة أنواع من الكيانات في المنطقة، الأول هو “اللا دولة: العراق وسوريا ولبنان وليبيا”، والثاني هو “مصر السلطوية”، والثالث هو “الخليج بقيادة سعودية”، أما الرابع فهو “الجزائر والمغرب وتونس”، حيث الابتعاد عن العالم العربي في اتجاه أفريقيا وأوروبا. وفي رأي الباحثَين، فإن “الخلافات العربية والإقليمية” قادت إلى تدخل أميركا وروسيا وإيران وتركيا. كما أن “الانتفاضات عجَّلت في الدخول الواسع للمنظمات الإسلاموية في اللعبة”. أما الطريق إلى “الانفتاح الليبرالي السياسي”، فإن محطته الإجبارية هي “مرحلة سلطوية في بناء الدولة”. ويشترك معهما في الرأي ستيفن كوك، الخبير المختص في شؤون الشرق الأوسط، الذي وصف الوضع في المنطقة على النحو التالي: “أصبحت المنطقة نموذجًا للمدينة الفاسدة، التي تتسم بالعنف، وعودة النظم السلطوية، والتفكك الاقتصادي، والصراعات الإقليمية دون وجود طريق واضح للخروج من كل هذا. وللمرة الأولى، أصبح الشعور بفقدان الأمل تجاه الشرق الأوسط منطقياً تماماً”.

وقد دفعت السياسية الأمريكية للإدارات السابقة وعدم وضوح رؤيتها بالبلدان الثلاث (مصر – السعودية – الإمارات) للعداء الشديد مع جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسها الإخوان المسلمين وتصنيفها جماعة إرهابية محظورة، وهذا الوضع بدوره دفع الكثيرين في واشنطن إلى الدعوة بقوة لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، ومن شأن إدراج جماعة الإخوان على القائمة السوداء منع أعضاء الجماعة من السفر إلى الولايات المتحدة وتجريم أي مساعدة لها، إلا أن إدارة ترامب آنذاك لم تصوغ أي سياسة واضحة بشأن جماعات الإسلام السياسي خصوصًا جماعة الإخوان المسلمين نظرًا لحضور الجماعة القوي في دول حليفة للولايات المتحدة مثل: تركيا وقطر، وهذا نفس النهج الذي تسير عليه إدارة جو بايدن الديمقراطية إلى الآن.

لذا تبدو سياسة الولايات المتحدة التي بدأت تظهر معالمها بالانسحاب التدريجي مِن مناطق الصراع، والاكتفاء بالتنظير حول حقوق الإنسان عبر المؤتمرات الدولية، وعدم الاندفاع وراء أي مُغامرات تقودها تيارات إسلاموية داخل الدول القُطرية والقومية أولوية للحفاظ على مصالحها، وهذا لإعادة تركيز قوتها على الحرب الاقتصادية مع الصين، وإعادة صياغة المنظومة الدفاعية الأطلسية ضد روسيا.

خاتمة

تأثرت مصر بأثار هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول (2001)، ولم تكن هناك ملامح إيجابية في عمومها لتفاعل الوضع المصري مع التغيرات العالمية التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية تحت مُسمى الحرب على الإرهاب في العالم، حيث تضررت الدولة المصرية جراء نظام قمعي أهدر أمنها القومي والاقتصادي والاجتماعي، واستغل الحرب على الإرهاب لخنق الفضاء العام ما أدى لتفجره، وأدخل الدولة في حالة تداعي وإن كانت ذات طابع ثوري، “لكن لم تأتي نتائجها بقدر طموحات اللحظات الأولى، ليحل بعدها موجة من التطرف والإرهاب المادي والمعنوي، وتتحول لمواجهات عنيفة وعسكرية بين القوات المسلحة والمجموعات الإرهابية لتتلاشى في دوائر الصراع حقوق أبرزها الممارسة السياسية والعدالة الاجتماعية، والتبست التعريفات بين المدني والعسكري، والعلماني والديني ما أدى لتقلص الحوارات المجتمعية، ما جعل هُناك احتمالية أن يكون الاستقرار القائم الآن وهمي أمام أي اختبار سياسي أو اقتصادي حقيقي وجاد”. لقد أدخلت حقبة “الحرب على الإرهاب” الأمريكية وفشل سياسات الفرض الديمقراطي مِن أعلى أو عبر استغلال اضطراب القواعد الشعبية الدولة المصرية أمام واحدة مِن أهم معضلاتها في الوقت الحالي وهو كيف تحمي الدولة بقائها في ظل وضع إقليمي مضطرب دون أن تتجاوز في حقوق مواطنيها.

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.