هل كان ميكافيلي ميكافيليّاً؟

سلطان العامر

كاتب المقالة

سلطان العامر

كاتب وطالب دكتوراة في العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن.

-1-

يبدأ عبدالرحمن منيف الجزء الأخير من خماسية مدن الملح الشهيرة، والمعنون بـ بادية الظلمات، بحكاية عن قصاصات كتاب الأمير لميكافيلي التي ترجمها المستشار الإنجليزي هاميلتون ليهديها للملك فنر الذي تولى الحكم حديثاً في مملكة موران. ولمن لم يقرأ الرواية، فمملكة موران هنا تحيل إلى المملكة العربية السعودية، والملك فنر إلى الملك فيصل، وأغلب الظن أن المستشار هاميلتون يحيل إلى جون فيلبي. يحكي لنا منيف كيف أن هاميلتون، قبل أن يسلم القصاصات للملك، قدّم لها بهذا الكلام:

“- هذا الكتاب الذي ترجمت الأقسام الرئيسية منه، يا صاحب السمو، كان فقط في خزائن الملوك. وكان الملك الأب، حين يبلغ ابنه مبلغ الرجال، ويتوسم فيه القدرة على متابعة الطريق وحماية التاج، يقدمه إليه بالكثير من الاحترام والأبهة، لأن فيه تجارب ونصائح صنعها عقل فذ، وبالتالي أصبحت قوانين لأجيال متعاقبة من الملوك والحكام…”. (ص 25)

بعد ذلك يصف لنا منيف وقع هذه القصاصات على الملك فنر، فيقول:

“كيف لبضع صفحات أن تغير إنسانا بهذا القدر؟ وكيف يمكن لشخص أو حدث أن يفتح عالما بهذا الاتساع كان إلى الأمس القريب غائبا مجهولا؟ إن شيئا أقرب إلى الكشف أو الزلزال حدث في فكر وحياة فنر منذ أن أخذ يمعن النظر في تلك الأوراق…”. (ص 37)

إن الصورة التي يرسمها منيف في هذه الحكاية أقرب ما تكون لصورة الوسوسة الشيطانية. فقصاصات هذا الكتاب عملت عمل السحر وستكون مسؤولة عن إحداث تغيّر كبير في شخصية الملك والذي سيصبح بعد قرائتها أكثر خبثا وشرّا وأبرد دما وأشد قسوة وأوسع حيلة في تعامله مع رعيته وكل من هم حوله. فالطريقة التي قرأ فيها منيف الأحداث الكبيرة التي حدثت في المملكة في الفترة من (1962-1965)، حين عزل الملك فيصل الملك سعود وأمسك الحكم بقبضة حديدية، ستكون بربطها بكتاب الأمير لميكافيلي وذلك عبر وسيط إنجليزي. إن هذه الصورة التي رسمها منيف عن ميكافيلي، الذي عاش في مدينة فلورنسا في إيطاليا حيث ولد في عام 1469م وتوفي عام ١٥٢٧م،  وعن كتابه باعتباره منظّر الإستبداد وصاحب كاتالوج الوصفة السحرية للتعامل غير الأخلاقي والماكر والمخادع مع السياسة، هي صورة دارجة بشكل كبير لدرجة أن وصف سلوك شخص بالميكافيلية بات يعني، حسب معجم أوكسفورد، “المكر، والتآمر، وانعدام المبادئ الأخلاقية”.

إلا أن هذه الصورة الشائعة عن ميكافيلي نابعة عن قراءة خاطئة لفلسفته. فهو لم يكن ميكافيليّا. وسأوضح ذلك عبر توجيه نقدين رئيسين لهذه القراءة السائدة لكتاب الأمير: النقد الأول هو أن هذه القراءة تقرأ النص بشكل مجرّد عن سياقه السياسي، والنقد الثاني هو أنها تقرأه بشكل مستقل عن كتابات ميكافيلي الأخرى. وعندما نقوم بالأمرين، أي نقرأ النص ضمن سياقه السياسي ونقرأه ضمن منظومة كتابات ميكافيلي الأخرى، سيتضح أن معنى كتاب الأمير مختلف عن هذه الصورة الكاريكاتورية السائدة. فالمعنى الذي تكشفه القراءة المقترحة هنا: أن ميكافيلي جمهوريّ، وأن كتاب الأمير وكل النصائح التي فيه، تتعلق بلحظة محددة في عالم السياسة، وهي لحظة تأسيس النظام السياسي، حيث أراد ميكافيلي أن يكتب كتابا يرشد فيها القائد السياسي حول كيف يتعامل مع هذه اللحظة الاستثنائية المحفوفة بالمخاطر وكيف ينجو منها بتأسيس إمارة قابلة للتحول إلى جمهورية. وحتى أثبت هذه الحجة، فإني سأقوم بثلاث خطوات: في الخطوة الأولى، سأتتبع بشكل سريع جذور هذه القراءة الشائعة وكيف تشكلت على يد خصوم ميكافيلي والمدافعين عنه على حدّ سواء. بعدها، سأنتقل لتقديم سيرة مختصرة لميكافيلي أسلّط فيها الضوء على الظروف السياسية المحيطة به. وبعد توضيح السياق السياسي العام الذي عاش فيه، أنتقل في الخطوة الأخيرة لتفسير كتاباته بطريقة متسقة مع هذا السياق. وبمجرد القيام بهذه الخطوات الثلاث سيتضّح أن القراءة السائدة لميكافيلي خاطئة، وأن القراءة المقترحة هنا هي الأقرب للصحة.

-2-

 يمكن إرجاع جذور هذه القراءة السلبية لميكافيلي إلى سنة ١٥٧٢م في فرنسا، أي بعد وفاة ميكافيلي بخمسة عقود. في هذه السنة حدثت مذبحة يوم القديس بارثولوميو التي كانت لحظة مفصلية في تاريخ الحروب الدينية في فرنسا، والتي راح ضحيتها الآلاف من البروتستانت الكالفينيين الفرنسيين على يد الملك تشارلز التاسع وأنصاره الكاثوليك. قبل المذبحة حدثت ثلاث أحداث: توّصل الكاثوليك والبروتستانت الفرنسيين لتسوية لم ترض الكاثوليك أنهت الحرب التي امتدت لثلاث سنوات بينهما؛ ولتقوية هذه التسوية، تقرر تزويج أحد أمراء البروتستانت من أخت الملك؛ وأخيرا، تم السماح للقائد البروتستانتي الأدميرال جاسبارد دي كوليني بأن يكون ضمن بلاط الملك. حضر كبار أعيان البروتستانت حفل الزفاف في باريس، وبقيوا بعد انتهاءه لإنهاء التفاصيل الأخيرة للتسوية مع الملك. في هذه الأثناء تعرّض الأدميرال دي كوليني لمحاولة اغتيال، أدت لتزايد الاحتقان بين البروتستانت، واحتشاد الآلاف منهم خارج المدينة وداخلها. وضمن حالة التوتر هذه بدأت المجزرة، حيث بدأ القتل ضد البروتستانت وقادتهم في باريس ثم انتشر في بقية المقاطعات.

أدّت المذبحة لخسارة البروتستانت لأهم زعماؤهم وقادتهم في فرنسا، وقادت أيضا لانتشار أفكار أشد تشدّدا في نظرتها اتجاه الملكية الفرنسية. وبشكل عام، اتهم البروتستانت الفرنسيين أم ملك فرنسا بأنها هي العقل المدبر وراء المذبحة. وأم الملك اسمها كاثرين دي ميدتشي، وتعود بنسبها لأسرة دي ميدتشي التي كانت تحكم فلورنسا في إيطاليا أثناء حياة ميكافيلي. فقد راج بين البروتستانت الفرنسيين أن سياسات الاضطهاد التي اتبعتها فرنسا ضدهم نابعة من مؤامرة إيطالية في البلاط الفرنسي تحركها نظريات ميكافيلي. فبعد الحادثة بأربعة سنوات، أي في عام 1576، صاغ المحامي البروتستانتي الفرنسي إينوسنت جنتيليه هذه النظريات بطريقة منهجية في كتابه ذو العنوان الطويل “مقالة عن الأساليب الصحيحة للحكم وحفظ السلم في مملكة أو في غيرها من الإمارات وهو مقسم لثلاثة أجزاء: المجلس، والدين، والبوليس، وكيف للأمير أن يتعامل معها، وهو ضد نيقولا ميكافيلي الفلورنسي“. ويعتبر هذا الكتاب، هو أهم الكتبب الفرنسية التي قدّمت الصورة السلبية التي التصقت بنظريات وأفكار ميكافيلي حتى يومنا هذا. حيث ظهر ميكافيلي فيه باعتباره ملحدا، داعية استبداد، مناديا لقيم الخداع والمكر والكذب وانعدام الاخلاق. طبع الكتاب عدة طبعات وانتشر بشكل مكثف وأثر على الكثير من الشعراء والكتاب الفرنسيين. وهذه الصورة لميكافيلي انتقلت من فرنسا إلى بقية الدول الأوروبية. وعندما وصلت هذه الصورة إلى إنجلترا، تلقفها الأدباء الإنجليز من أمثال شكسبير وكريسوتوفر مارلو وغيرهم ونحتوا منها الشخصية الدرامية الميكافيلية. فعلى سبيل المثال، يفتتح مارلو مسرحيته  “يهودي مالطا” بشبح اسمه ميكافيلي يقول:

“مع أن العالم يعتقد أن ميكافيلي ميتا، إلا أن روحه حلقت إلى ما وراء جبال الألب… لعلّ اسمي مؤذ للبعض ولكن أولائك الذين يحبونني ويحمونني من ألسنتهم، ليعلموا أنني مكيافيلي الذي لا يلقي وزنا للرجال ولا لكلماتهم، وأكثر معجبيّ هم أشدّهم كرها لي، بالرغم من أن البعض ينتقد كتبي على الملء إلا أنهم عندما يقرؤونها يعتلون كرسي بطرس وعندما يقصونني فإن أتباعي الصاعدين سيسممونهم. وأنا أحسب الدين لعبة أطفال، وأعتقد أيضا ألا وجود للخطيئة بل هناك جهل….”

وهذا الموضوع، أي موضوع تشكل وانتشار هذه الصورة السلبية لميكافيلي في أوروبا، بات موضوعا للبحث والأخذ والرد منذ أن نشر الألماني إدموند ماير كتابه ماكيافيلي في أدب عصر الملكة إليزابيث في عام 1897، والذي بحث فيه كيف انتشرت هذه الصورة السلبية بين أدباء انجلترا في تلك الفترة (1150-1640). في هذا الكتاب، وثّق ماير 400 موضع في الأدب الأنجليزي في هذه الفترة ذُكر فيها ميكافيلي ضمن هذا الإطار السلبي، ثم راح يفتش عن جذور هذه النظرة، وكان هو أول من أحالها إلى كتاب البروتستانتي جنتيليه. بعد ماير، خاض العديد من الباحثين في هذا الموضوع، منهم من قبل أطروحة ماير، ومنهم من قلل من شأن جنتيليه، لكن الغالبية متفق على أن الصورة التي صنعها الأدب الإنجليزي في تلك لميكافيلي كانت غير مطابقة لكتاباته.

والمدهش في قدرة هذه القراءة السلبية على الإنتشار والاستمرار هو أنه حتى المدافعين عن ميكافيلي يقرون بها. فجان جاك روسو عندما أراد الدفاع عن ميكافيلي، ميّز بين كتابه الأمير وكتابه الآخر تعليقات على كتاب ليفي، معتبرا أن الأخير هو الذي يظهر فيه ميكافيلي بشكله الحقيقي الممجد للنظام الجمهوري والمعدد لمحاسنه، وأنه في الكتاب الأول إنما كان ساخرا بالمستبدين وذلك بإظهار طرقهم وإبرازها تحذيرا لغيرهم. أي  أنه حتى وهو يريد الدفاع عنه، فهم كتاب الأمير بنفس الطريقة التي فهمه بها مهاجموه. وجان جاك روسو ذكر هذا الرأي عندما كان يناقش مسألة هل يفضّل الملوك شعوبا قويّة أم ضعيفة، فذكر الآراء في المسألة التي كان من بينها رأي ميكافيلي والذي عندما انتهى من نقله علّق عليه قائلا بأنه، أي مكيكافيلي، “صرّح بأنه يريد تعليم الأمراء، لكن مقصده الحقيقي هو تعليم الشعوب. فكتاب الأمير كتاب للجمهوريين”. ثم يفصّل أكثر في الهامش قائلا:

“كان ميكافيلي رجلا فاضلا ومواطنا صالحا، ولكنه إذ كان تابعا لآل ميدتشي، فقد كان مضطرا، نظرا لكونه وسط الطغيان، أن يخفي حقيقة حبه للحرية. فاختياره للملك الممقوت سيزار بورجيا بطلا يكشف بشكل واضح مقصده الخفي، كما أن التناقضات بين ما كتبه في الأمير وفي التعليقات تكشف بجلاء بأن هذا المفكر السياسي العميق لم يدرسه إلا القراء السطحيين والفاسدين. إن بلاط روما منعوا كتبه، ولا غرو، فهذا البلاط هو أكثر ما وصفه بوضوح”.

-3-

إن أول خطوة لتوضيح أن هذه الصورة التي تشكلت في أوروبا بين خصوم ومحبي ميكافيلي خاطئة، هي أن نقرأ نصوصه ضمن سياقه السياسي، وهذا ما سنفعله في هذه الفقرة. في يوم 19 يونيو 1498، تولى ميكافيلي، الذي لم يكمل التاسعة والعشرين من عمره، منصبا دبلوماسيا شاغرا في حكومة فلورنسا. سبب شغور هذا المنصب هو اعتقال من يشغله مع العشرات من الشخصيات الأخرى من الذين كانوا تابعين للمصلح الكاثوليكي الديني جيرولامو سافونارولا الذي كان مسيطرا على المدينة لأربعة سنوات. وحتى نفهم كيف وصل سافورنارولا هذا لهذه المكانة، علينا أن نعود للوراء بعض الشيء. ففي عام 1434م، استطاع المصرفي والسياسي كوزيمو دي ميدتشي من توسيع نفوذه داخل فلورنسا. صحيح أن المدينة كانت جمهورية، إلا أن شبكة علاقاته سمحت له بالهيمنة، كما أنه كان من أهم مصرفي البابوية، وفي عهده كانت فلورنسا تعتبر من أكبر وأعظم المدن الأوروبية. توفي كوزيمو عام 1464م، قبل ولادة ميكافيلي بخمس سنوات، ليخلفه ابنه بيرو الذي انتهى حكمه في السنة التي ولد فيها ميكمافيلي، أي عام 1469م. بعد وفاة بيرو، جاء ابنه لورنزو دي ميدتشي والملقب بلورنزو العظيم، والذي حكم المدينة لمدة 22 سنة، حيث كان من أعظم رعاة النهضة الإيطالية، فقد موّل الكثير من الأعمال الفنيّة العظيمة لكبار فناني النهضة الإيطالية ذلك الوقت، مثل ليوناردو دا فينشي، ومايكل أنجلو، وبوتشيلي. وتوفي لورنزو عام 1492م، ليأخذ مكانه ابنه بيرو.

خلال هذه الفترة كان شمال إيطاليا مكوّنا من عدة دول على شكل “دولة-مدينة”، فهناك فلورنسا، وهناك البندقية، وهناك ميلان. وكانت هذه البلدات تتحالف مع بعضها ضد بعضها بشكل مستمر ومتقلب، وكانت صراعاتها المستمرة مدعاة لمملكة فرنسا الكبيرة في الشمال لأن تبسط هيمنتها عليها وتتلاعب بحكامها. إلا أن لورنزو العظيم هذا استطاع أن يبسط نوعا من الهدوء والسلام بين المدن الإيطالية، ولكن ما إن توفي، حتى قام حاكم ميلان السابق بتحريض ملك فرنسا تشارلز الثامن لغزو إيطاليا فعزم الأخير على ذلك. كان هدف الأول استعادة حكمه من ابن أخيه، في حين كان هدف الأخير بسط نفوذه على حكومة نابولي في الجنوب التي كان يدعي بأن له فيها حقا تاريخيا.

بدأ الغزو الفرنسي لإيطاليا عام 1494م معلنا بداية الحروب الإيطالية والتي ستسمر ستة عقود. استطاع الملك تشارلز تنصيب حليفه الميلاني حاكما على ميلان، وبدأ الاستعداد للذهاب جنوبا نحو نابولي. أراد بيرو أن يقف على الحياد، لكن الملك تشارلز رفض واضطره لأن يحدد موقفه. اختار بيرو مقاومة الملك الفرنسي. إلا أنه لم يجد دعما من الفلورنسيين الذين كانت أفكار المصلح الديني جيرولامو سافونارولا تسيطر عليهم، والذي كان منذ فترة يتنبأ بأن عقوبة ستحل بإيطاليا من جهة الشمال. استسلم بيرو بشروط مذلّة لملك فرنسا، مما دفع أهالي فلورنسا للانتفاضة ضده احتجاجا على الاستسلام المذلّ. هرب بيرو من فلورنسا، وانتهى بذلك حكم أسرته، لتعود الجمهورية من جديد، ولكن هذه المرة بسيطرة الداعية سافونارولا عام 1494م. لعب هذا الداعية دورا مهما في إقناع ملك فرنسا بالرحيل عن المدينة، وأعلن أن فلورنسا هي القدس الجديدة، وروما الجديدة، وحشد شباب المدينة المؤمنين به، والذين كان من بينهم ميكافيلي، واستطاع حكمها قرابة أربعة أعوام. إلا أنه في عام 1498م، تم إسقاط سافونارولا بعد تكفيره من قبل البابا وتهديده لفلورنسا، ثم قبض عليه وأعدم فيما، وتم بعد ذلك إبعاد كافة أتباعه، ومن هنا جاء المنصب الشاغر الذي شغله ميكافيلي.

تولى نظام جديد جمهوري ديمقراطي الحكم في فلورنسا، وهو النظام الذي عمل فيه ميكافيلي لمدة 14 عاما، أي حتى عام 1512، عندما استعاد آل ميدتشي حكمهم في المدينة. خلال هذه الفترة، قام ميكافيلي بالعديد من الأعمال الدبلوماسية والعسكرية. فقد تم إرساله في بعثات دبلوماسية إلى فرنسا، ثم إلى سيزار بورقيا- الابن غير الشرعي للبابا والذي نصّب أميرا وأراد السيطرة على فلورنسا والذي يمثل شخصية رئيسية في تحليلات ميكافيلي فيما بعد- ثم إلى مقر البابوية في روما حيث التقى بالبابا الجديد يوليوس، ثم إلى بلاط الامبراطور الروماني المقدس في ألمانيا. هذه الزيارات منحته الفرصة ليراقب عن كثب هؤلاء القادة المؤثرين في المسرح الأوروبي، ومن هذه المراقبة استخلص نتائجه التي سيكتبها فيما بعد. كما أنه لعب أدوارا عسكرية، فهو الذي انتصر على مدينة بيزا، وهو الذي أدخل فكرة الجيش النظامي إلى فلورنسا بدل الاعتماد على المرتزقة.

عاد ميكافيلي لفلورنسا بعد آخر بعثة للخارج عام 1510م، وبعد ذلك بعام قام البابا يوليوس بعقد تحالف مع امبراطور اسبانيا فردناند ضد فرنسا. كانت إيطاليا خلال هذه الفترة مسرحا لمعارك وتحالفات متحولة بين فرنسا وأسبانيا، وكان البابا يوليوس يريد تقليص نفوذ فرنسا في إيطاليا، فأعانه الأسبان. ونظرا لأن فلورنسا كانت محايدة في الحرب بين البابا وفرنسا، فقد دفعت ثمن حيادها بأن تم اجتياحها من قبل الأسبان عام 1512م وإنهاء الجمهورية فيها، وتنصيب الكاردينال جوليانو، وهو من آل ميديشي وأحد ابناء لورنزو العظيم، حاكما عليها. لم تمر فترة طويلة على إنهاء الجمهورية حتى تم تسريح ميكافيلي من منصبه، وفرضت عليه الإقامة الجبرية. بعد عام تم اعتقاله بتهمة التآمر ضد حكم آل ميدتشي، وسجن وعذّب في أول عام 1513م. وبينما هو في السجن، توفي البابا، وتم استدعاء حاكم فلورنسا لحضور المجلس البابوي لاختيار البابا الجديد، وتم اختياره هو، وكانت هذه هي المرة الأولى أن يتولى شخص من فلورنسا منصب البابوية، فاحتفلت المدينة بالخبر وأصدرت عفوا شاملا لكل المساجين، فأطلق سراح ميكافيلي الذي قرر الانعزال في مزرعته التي تقع خارج فلورنسا وتأمل حياته الماضية والمشهد السياسي العام لإيطاليا وتأليف الكتب. وكان الأمير هو كتابه الأول الذي ألفه وهو في المنفى، وبعده توالت بقية كتبه التي نشر أغلبها بعد موته.

إن هذا السرد لسيرة ميكافيلي وللأوضاع السياسية في إيطاليا تكشف أمران مهمان سيكونان مؤثرين بشكل كبير على فلسفة ميكافيلي. الأول أنه عاش في فترة مضطربة سياسيا، فترة كانت فيها إيطاليا مفككة وخاضعة لهيمنة القوى المحيطة بها. والثاني أنه كان في جزء رئيسي من حياته مشاركا في هذه الأحداث ومراقبا عن كثب لأهم الشخصيات الفاعلة فيها، ومن هنا كانت خبرته العملية رافدا مهما له في تنظيراته بالإضافة لتحصيله العلمي الذي كان والده حريصا عليه حيث تعلّم أهم العلوم التي يتعلمها أي شخص في عصر النهضة، أي الإطلاع على كتب فلاسفة ومؤرخي اليونان والرومان.

-4-

في هذه الفقرة الأخيرة، سنتحوّل إلى كتاب الأمير وكتاب التعليقات، لتفحص الوحدة الناظمة بينهما. ولعل المفتاح الأهم لفهم العلاقة بين الكتابين، وأنهما ليسا متعارضان، هو بالتركيز على الأهمية التي يوليها ماكيافيلي للحظة تأسيس الأنظمة السياسية الجديدة. فبالنسبة له، تمر الدول عبر لحظتين: اللحظة الأولى هي لحظة تأسيس الدولة، في حين أن الأخرى هي لحظة تحسينها وتقويتها. وكل لحظة من هاتين اللحظتين تحتاج لمهارات وفهم خاص بهما. وبهذه الطريقة يكون كتاب التعليقات مهموما بمناقشة ما يحدث في اللحظة الثانية، في حين أن كتاب الأمير مشغول بنقاش ما يحدث في اللحظة الأولى. وهكذا نجد أن الكتابين يكمّلان بعضهما البعض.

وحتى أفصّل في الإجابة المجملة أعلاه، سأبدأ بتوضيح كيف يفهم ميكافيلي الحكومة الفاضلة وذلك دفعا لكل صورة سلبية عنه تعتبره داعية للاستبداد. يبدأ ماكيافيلي بالقول بأن هناك ستة أنواع من الحكومات، ثلاث منها فاضلة وثلاث منها سيئة. أما السيئة فهي الإستبداد، والأوليجارشية، والفوضوية، في حين أن الجيدة هي الإمارة، والأرستقراطية، والديمقراطية. وهذا يعني أن الاستبداد هو إمارة سيئة، والأوليجاريشية هي أرستقراطية سيئة، والفوضوية ديمقراطية سيئة. فمعيار الفضيلة والسوء هنا لا يعتمد على شكل الحكومة، بقدر ما يعتمد على شيء إضافي يجعل نفس شكل الحكومة مرة فاضلا (الإمارة) ومرة سيئا (استبداد)، فما هو هذا الشيء؟ الإجابة هي: ثلاثة أمور، أولاها العدل، ونستطيع استنتاج ذلك عند تتبع مناقشة ميكافيلي لأصول تشكل الدولة. ففي بداية التاريخ، كان الناس “مبعثرين كالوحوش” (التعليقات، 106). بعد ذلك، “بدأوا بالتجمع وحتى يكون بمقدورهم الدفاع عن أنفسهم راحوا يبحثون عن أكثر الأشخاص شجاعة وقوّة ليجعلوه سيّدهم” (107). إن معنى العدل هنا يجب أن يفهم بحدّه الأدنى، أي أنه لا يعني أكثر من منع التعديات وحماية المواطنين. أي أنه لا يقتضي بالضرورة أي شكل من أشكال العدالة التوزيعية. وعلى الرغم من محدوديته، إلا أنه مهم لميكافيلي ليتخذه معيارا للتفريق بين الحكومات الفاضلة والسيئة. فعلى سبيل المثال، تصبح الإمارة أفضل من الإستبداد، وذلك لأن الأمير في الأولى يتميز بتحليه بالحكمة والعدل، في حين أن الأمراء في الإستبداد مشغولون بمنافسة غيرهم في “التبذير، والملذات، والشهوات” (107).

بعد العدل، تأتي الديمومة كثاني المعايير التي تحدد الحكومة الفاضلة. فبعد أن يستعرض الدورة التي تمر خلالها الحكومات وكيف تتحول من شكل لآخر، يختم ماكيافيلي قائلا بأن “كل أشكال الحكومات المذكورة أعلاه بعيدة كل البعد عن أن تكون مرضية، وذلك لأن الثلاثة الجيّدة قصيرة العمر، والثلاثة السيئة لما تتضمنه من شرور” (109). هذا يعني أن الحكومات العادلة ليست بالضرورة مستدامة، وأن الاستدامة مطلوبة للحكومات حتى تكون فاضلة. وهذا هو السبب الذي يجعل ماكيافيلي يفضّل الجمهوريات على غيرها من أنواع الحكومات لأنها أكثر من غيرها لديها القابلية على البقاء. فالجمهوريات عبارة عن حكومات مختلطة، من ذلك النوع الذي يحوي على مؤسسات من كل الأشكال السابقة بحيث تقوم كل مؤسسة “بمراقبة الأخرى” (109). أي أن السبب الذي يجعل الجمهوريات أفضل من بقية أشكال الحكومات الجيدة ليس في كونها أكثر عدلا بقدر ما أنها أكثرها استقرارا.

بعد العدل والاستقرار تأتي الحرية. وماكيافيلي يعتبر حماية الحرية من “أكثر الأشياء أهمية” التي يجب على من يريدون تأسيس جمهوريات توفيرها. إلا أن الحرية بالنسبة له تختلف عن حرية الإختيار الفردانية، ذلك أنه يعتبر هذه الأخيرة مضرّة للمدن، وتسبب الفوضى والفتنة، وذلك لأنه يعتبر “كل البشر فاسدين وأنهم سيتحينون أي فرصة لتفريغ الشر الكامن في عقولهم” (112). وهذا يعني أنه يرى أن الناس ينزعون للأنانية في أعمالهم، وأنهم إذا تركوا وشأنهم فإنهم لن يقوموا بأي عمل من أجل الصالح العام. ولهذا فإن الضرورات، كالجوع والفقر، وليس الحريّات هي التي تدفع الناس كي يكونوا صالحين. ومعنى أن يكونوا صالحين هنا مختلف عن الصلاح الديني بحسب التقاليد المسيحية، فهو يعني أن يكونوا مهيئين للعمل من أجل الصالح العام للمدينة.

فإذا كانت الحريّة شيئا آخرا غير حريّة الاختيار الفردية. فما هي؟ نستطيع العثور على الجواب في نقاشه حول كيفية تأسيس روما. فالقصص حول تأسيسها متضاربة، فهناك من يقول أنها تأسست من الأجنبي أريناس، وهناك من يقول أنها تأسست من ابن المكان روموليوس. يعلّق ماكيافيلي على هذا الخلاف قائلا: “لا يهم أي القصتين أصح، فكلتاهما تؤكدان أن روما بدأت كمدينة حرّة لا تعتمد على غيرها” (104). نستطيع من هذا النص استخلاص بأن معنى الحريّة عند ماكيافيلي هو الاستقلال، أي أن المدينة تكون حرّة إذا لم تكن خاضعة لحكم أجنبي. ونظرا لكون الجمهوريات حكومات مختلطة، فمن المهم أن تكون الخلطة صحيحة حتى تنتج حكومة مستقرّة وفي النفس الوقت حرّة. وبحسب ميكافيلي، فإن هذه الخلطة يمكن تحقيقها بطريقتين: الأولى عبر تقليد جمهوريات مثل سبارطة والبندقية، والتي لم يكن لديها اهتمام بالتوسع، وعدد سكانها صغير، ولم يكن لديها حاجة لخوض الحروب. أما في حال كانت الجمهورية تريد التوسع، فإن عليها أن تدرك بأن التنافس بين النخبة والشعب، كما كان الحال في روما، أمر مهم وضروري للحفاظ على حريتها.

من هذا النقاش المفصّل، عرفنا أن المدينة حتى تكون فاضلة، فإن عليها أن تكون جمهورية، ذلك أن الجمهورية هي الأكثر قابلية من غيرها من الحكومات لأن تكون أكثر عدلا وديمومة وحرية. لكن كيف تتأسس الجمهوريات؟ هنا تصبح الحاجة للأمير مهمّة. يقول ميكافيلي: “هناك ما يشبه القانون العام الذي يقول بأنه من النادر جدا، هذا إن حدث فعلا، أن دولة… تكون حسنة التنظيم من الخارج أو أن تغيّر بشكل جذري إزاء مؤسساتها القديمة بدون أن يكون ذلك نتيجة مجهود شخص واحد” (132). يعني هذا النص أمرين: الأول، أن ميكافيلي يتعامل مع لحظة تأسيس الدول أو لحظة تغيير مؤسساتها القديمة باعتبارها لحظة محوريّة بحيث أن آثار القرارات والسياسات المتخذة خلال هذه اللحظة ستقرر مصير الدولة. وهذا هو السبب الذي يجعله يعتبر العنف مبررا في هذه اللحظة إذا كان سيؤدي لتأسيس جمهورية فاضلة. فهو يقول: “إذا كانت نتيجة فاضلة، فإنها دائما تبرر الفعل”. أما الأمر الثاني الذي يعنيه النص فهو أن فعل تأسيس الدول يجب أن يكون عمل إنسان واحد، إنسان يتوفر على سلطة مطلقة. والسبب في ذلك أنه لو قام بفعل التأسيس مجموعة من الأفراد، فإنهم سيكونون “عاجزين عن صياغة دستور وذلك لأن تنوّع الآراء سيمنعهم من اكتشاف أفضل الطرق لعمل ذلك” (132). إلا أن هذا الرأي لا يقتضي بأنه يجب استبعاد الأغلبية من السياسة للأبد، بل على العكس، فميكافيلي يرى أن استبعادهم في الفترة التي تلي لحظة تأسيس الدول سيكون مؤذيا للدولة نفسها. وهذا لأنه “رغم أن انسان واحد كاف لغرض التأسيس، إلا أن ما أسسه لن يستمر طويلا” ما لم “تتسلم الكثرة مسؤوليتها وتسهر على صيانتها” (132).

إن هذا التفسير يوضّح أن الزمان السياسي بالنسبة لميكافيلي منقسم لفترتين: فترة تأسيس الدولة، والثانية هي فترة تطويرها والحفاظ عليها. وبالنسبة إليه، فإن السلطة السياسية يجب أن تكون متركّزة بيد انسان واحد في الفترة الأولى، في حين أنها يجب أن تتوزع على الأغلبية في الفترة الثانية. وبهذا الفهم لفلسفة ميكافيلي، فإن الرابط بين كتاب التعليقات وكتاب الأمير يصبح واضحا. فالأول كتب لمعالجة الفترة الثانية بشكل رئيسي، والثاني كتب لمعالجة الفترة الأولى بشكل رئيسي. وبمعنى آخر، فطالما أنه يجب أن تكون السلطة السياسية محتكرة من قبل شخص واحد في الفترة الأولى، فإنه من المهم البحث عن أفضل السبل التي يجب أن يتصرف فيها هذا الشخص خلال هذه الفترة الاستثنائية. وبقية هذه الفقرة ستركز على توضيح كيف أن كتاب الأمير كان منشغلا بهذه اللحظة الاستثنائية بشكل رئيسي، وعلى توضيح أن ميكافيلي كان مهموما بصياغة طريقة لمساعدة هذا الشخص، الأمير، للخروج سالما ومظفرا من هذه اللحظة.

يحدد ميكافيلي موضوعه بدقّة في بداية كتاب الأمير. فبعد أن قسم الأنظمة السياسية إلى جمهوريات وإمارات، ذكر أنه سيحصر نفسه في هذا الكتاب للحديث عن الأخيرة. والسبب في ذلك هو “أنني قمت مسبقا بمعالجتها [= أي الجمهوريات] بشكل مطوّل” (الأمير، 6). وهذا اقتباس مهمّ، ذلك أنه يوضح بأن ميكافيلي لا يرى بأن ما ذكره في كتاب الأمير مخالف أو مناقض لما ذكره في كتاباته السابقة عن الجمهوريات. فلو كان يعتقد بأن آراؤه في هذا الكتاب تناقض، أو تخالف، ما ذكره عن الجمهورية في كتاب التعليقات، فإنه سيكون أمرا غريبا أن يحيل قارئه لهذا الكتاب لمعرفة رأيه عن الجمهوريات. وبعد تصريحه بأن موضوع كتابه هو الإمارات، إلا أنه سيركز اهتمامه على نوع واحد منها: الإمارات الجديدة. فإذا كانت الإمارات إما وراثية أو حديثة التكوين، فإن الأولى سهلة الحكم بسبب توفر التقاليد والعادات والموروث، ولهذا سيركز اهتمامه متركزا على الأولى (6). فالفرق بين الإمارات حديثة التكوين والإمارات الوراثية هو أنه في الأولى فقط يواجه الأمير مشكلة تأسيس الدولة. وهاتان النقطتان، أي الإشارة إلى أنه لا يوجد تناقض بين هذا العمل وعمله السابق عن الجمهوريات، والتركيز على الإمارات حديثة التكوين، تدعمان التأويل السابق حول الرابط ما بين الكتابين.

لكن ما هو هذا الشيء الاستثنائي في لحظات التأسيس التي يجعلها تحتاج لمعالجة خاصة؟ يقول ميكافيلي: “في الإمارة حديثة التكوين، فإن الصعوبة التي ستواجه حاكمها للحفاظ على دولته تعتمد على حجم القدرة التي يتوفر عليها” (19). فهؤلاء الحكام الجدد لا يتمتعون بشرعية الأمير الوراثي، وغالبا بدأوا حكمهم عبر القضاء على غيرهم، وهم إذ يبدأون مسيرتهم بلا شرعية وبوجود خصوم وأعداء، فإن عليهم حتى ينجحوا في عبور لحظة التأسيس أن يبنوا مؤسسات جديدة ويشرعوا قوانين جديدة ذات قبول وشرعية. وهذه المهمة، بالنسبة لميكافيلي،  “صعبة جدا وخطرة ومن النادر أن يتم تجاوزها بنجاح”(20). ولهذا نجده يشدّد على أن تجاوز هذه المرحلة يعتمد بشكل رئيسي على قدرات الحاكم الجديد. وهذا التشديد على قدرة الحاكم ينبع من معارضة ميكافيلي للاعتقاد السائد في عصره الذي يقول “بأن شؤون هذا العالم محكومة بواسطة النصيب وبواسطة الله بطريقة تجعل قدرات البشر غير قابلة للتحكم بها” (84). فبالنسبة له، “فإن النصيب يسيطر على نصف أفعالنا، وهذا يجعل منا متحكمين بالنصف الآخر”. والنصيب هنا أشبه ما يكون بالرياح المتقلبة والمتفاوتة في شدتها والتي تتلاعب بقبطان السفينة الذي ليس لديه إلا قدرات الملاحة الخاصة به: حتى يصل لبر الأمان، عليه ألا يعتمد على أي شيء آخر إلا قدراته، وهذه تتحكم بنصف الأمور والباقي هو للنصيب. فهو هنا يقرّ بأن الظروف تتغيّر بشكل مستمر وبطريقة لا يمكن التنبؤ بها. كما أنه لا يقلل من شأن المصاعب والعقبات التي تواجه الحاكم الذي يشرع بتأسيس حكومة جديدة. إلا أنه بالمقابل يؤمن بأن للبشر سلطة على أحداث العالم، وهذا هو السبب الذي يتطلب منهم استخدام هذه السلطة بطريقة حكيمة حتى يكونوا قادرين على تحقيق النتيجة المتوخاة.

وضمن هذا السياق فقط- أي سياق نقاش ماذا يتوجب على الأمير فعله في لحظات تأسيس الدول حتى يؤسس جمهوريات فاضلة- يمكن فهم النصائح التي تصنّف بأنها غير أخلاقية وشريرة المنسوبة لميكافيلي. فإذا كان بناء الدول مهمة صعبة، وكان البشر لا يتحكمون بالظروف إلا بشكل جزئي، فإن على هذا الحاكم أن يكون عمليا ويدرك ما تقتضيه الضرورة. يقول ميكافيلي: “إن على الحاكم الذي يريد الحفاظ على سلطته أن يكون مستعدا للتصرف بشكل غير أخلاقي إذا قضت الضرورة ذلك” لنلاحظ أولا أن الضرورة هنا تعتبر شرطا رئيسيا للتصرف بشكل غير أخلاقي. أي أنه فقط في أوقات الضرورة، فإن الأمير يشجع على القيام بأي عمل ممكن لحماية حكومته. في كتاب التعليقات، يقول “إنه لأمر نبيل استخدام الحيلة والخداع في الحرب” (الخطابات 513). ونظرا لأن أوقات الحرب تشترك مع أوقات تأسيس الدولة الجديدة في كونها أوقات ضرورة واستثناء، فإن الأعمال غير الأخلاقية مسموحة إذا كانت تؤدي لحماية النظام السياسي. يقول ميكافيلي:

يجب أن يكون مفهوما بأن الأمير، وخصوصا الأمير الجديد، لا يستطيع التصرف دائما بما يعتبر فضيلة لأنه، من أجل الحفاظ على السلطة، سيكون مدفوعا للتصرف بشكل غادر، وصلف، وغير إنساني، وتجاهل أوامر الدين. ولهذا، فإن عليه أن يكون مستعدا أن يغير سلوكه مع تغير رياح النصيب ويتقلب لأن تقلبات الظروف تحد منه، وكما قلت مسبقا، فإن عليه أن لا يزيغ عن العمل الصالح كلما أمكن، ولكن أن يكون قادرا على سلوك طريق الباطل إذا اقتضت الضرورة. (62)

هناك نقطتان يجب التشديد عليهما هنا. الأولى، أنها وحدها الضرورة هي التي تسمح للحاكم للقيام بالأعمال غير الأخلاقية، أما الثانية فالضرورة المقصودة هنا موجهة للمدينة وليست للمصلحة الشخصية، أي أن ما هو ضروري لحماية المدينة هو الذي يسمح بالأعمال غير الأخلاقية.

وعلى الرغم من أن ميكافيلي يرى أزمنة الضرورة تسمح للأشخاص بالتصرف بشكل غير أخلاقي فإنه يؤكد بأن هذه الرخصة مقيّدة. ويمكن استخدام آراؤه حول متى وكيف يحق للحاكم استخدام العنف كمثال لتوضيح هذه النقطة. فكما ذكرنا سابقا، يرى ميكافيلي بأن تأسيس الدول الجديدة مهمّة صعبة، وذلك بسبب وجود مصالح مترسخة في النظام القديم والتي ستمانع أي محاولة للتغيير الجذري، ولمواجهة هذه المصالح، فإنه ينصح الأمراء باستخدام القوّة. يقول ميكافيلي: “كل الأنبياء المسلحين نجحوا، في حين غير المسلحين فشلوا”. وكما ذكرنا مسبقا، هذه الرخصة لاستخدام القوّة لتأسيس الدولة الجديدة مقيّدة. فميكافيلي يفرق بين الطريقة السليمة للقيام “بالأعمال الفظيعة” والطريقة الخاطئة. وتكون الأولى عندما ترتكب هذه الأعمال “مرة واحدة، وذلك لأنها ضرورية لتأسيس سلطة الفرد، ولكن لا تستمر بعد ذلك، بل تستبدل بسياسات تكون نافعة قدر الإمكان للشعب” (33). وهذا يعني أن هناك ثلاث قيود في استعمال العنف لتأسيس الدول الجديدة. أما القيد الأول فهو يجب أن يستعمل خلال فترة قصيرة جدا. أما الثاني فهو يجب أن يكون استعماله ضروريا لتأسيس الدولة الجديدة. أما الثالث فهو أنه يجب أن يستبدل بسرعة بأعمال أخرى نافعة للشعب. إن هذا القيد الأخير مهم، وذلك أنه على الرغم من أن ميكافيلي يرى بأن الشعب يجب أن لا يلعب دورا في تأسيس الدول الجديدة، فإن تأمين رضاه مهم للنجاح في هذه المهمة. يكشف هذا المثال بأنه على الرغم من أن ميكافيلي كان واعيا بضرورة العمل بشكل غير أخلاقي في أوقات محددة، إلا أنه كان يتبنى رؤية مقيدة للسماح بذلك.

إن العصر الذي عاش فيه ميكافيلي دفعه لمساءلة عناصر أساسية من الفكر السياسي السائد في عصره، والذي هو خليط من تنظيرات فلاسفة اليونان مع تأويلات فلاسفة المسيحية وخصوصا أوغسطين. أهم هذه العناصر هو النظرة لأحداث التاريخ باعتبارها أحداث لا تؤثر فيها الفعالية والإرادة الإنسانية، والنظرة للدولة الدنيوية بأنها هامشية لا أهمية لها، ومواجهة إشكالية العلاقة بين السياسة والأخلاق بطريقة لا تسعى لإلغاء الأولى لصالح الثانية. وهذه النقطة الأخيرة سأفصل فيها قليلا. إن السياسة والإهتمام بها وإعطاءها اعتبارها الخاص مرتبط بشكل رئيسي بإعادة الاعتبار للدنيا واعتبارها مهمّة وغاية في ذاتها. إن الفكر المسيحي في العصور الوسطى اعتبر الحياة العملية السياسية المهمومة بتحصيل السعادة عبر تأسيس الدول والحفاظ عليها والدفاع عنها والحرص على صلاحها وخيريتها غير مهمة، إن لم تكن خطيرة. إن التقليل من شأن الحياة العملية يأتي دائما لصالح الحياة التأملية القائمة على تزكية النفس وتطهيرها والتقيد بالأخلاق الفاضلة والحميدة لأجل الخلاص من الدنيا والنجاة منها. داخل هذه النظرة تصبح غاية العمل لتأسيس الدولة والحفاظ عليها دائما مفضولة لصالح الحياة التأملية التي ترجو الآخرة، وبالتالي تصبح العلاقة بين السياسة والأخلاق مسألة محسومة غير محتاجة للتفكير. لكن بمجرد أن تصبح الدنيا مهمة، وتصبح الدولة وتأسيسها ورعاية شؤونها والحرص على مجدها غاية مرغوبة في ذاتها، تبرز السياسة للعلن وتصبح غاياتها منافسة للغايات الأخلاقية والخلاص الفردي، وتصبح العلاقة بينهما متوترة تحتاج لنظر، أي لفلسفة سياسية، وهذا مكمن الأصالة والجدّة في فلسفة ميكافيلي.

تعليق واحد

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.