من يتظاهر في فلسطين؟

كاتب المقالة

دانا الكرد

من فلسطين، طالبة دكتوراة علوم سياسية في جامعة تكساس في أوستن.

في خريف العام 2015م انفجرت المظاهرات في الضفة الغربية والتي خرجت بدون قيادات فيما يبدو وبدون تنسيق كرد على عنف المستوطنين المتصاعد فيما سمي بالـ”الانتفاضة الثالثة.” وبعد قمع الاحتلال الإسرائيلي السريع لها تحولت المظاهرات لهجمات فردية مسلحة. إن هذه المظاهرات غير المنسقة -المسلحة وغير المسلحة منها- استمرت في الظهور على امتداد الضفة الغربية، فعلى سبيل المثال، نقلت شبكة القدس الإخبارية أنه في 13 يونيو خرجت 24 مظاهرة في غضون خمس ساعات فقط في القدس الشرقية وأجزاء من الضفة. لذلك يبدو بوضوح للمراقبين لهذه الأحداث أن موجات التظاهر سمة سائدة في الأراضي الفلسطينية لكن ربما من غير الواضح أن هذه المظاهرات ليست بحال من الأحوال منتشرة بشكل متماثل في جميع المناطق، فبينما خرجت مظاهرات الخريف في مناطق الصراع ومخيمات اللاجئين، بقيت عدد من المدن الفلسطينية هادئة.

إضافةً إلى أن حركات الاحتجاج لم تستمر بشكل متواصل -حتى هذه اللحظة- إلّا في قرى معينة، إذ أن خروج المظاهرات بشكل متماثل في جميع أنحاء الضفة الغربية يصبح بازدياد حدثًا نادرًا. من هنا يظل السؤال: من الذي يتظاهر؟ هل هناك نمط معين للتعبئة السياسية وما الذي يفسر هذا النمط أو هذا التفاوت بين المناطق المختلفة؟

 

هناك الكثير من الأدبيات العلمية التي تتناول العوامل الاجتماعية الاقتصادية كمفسّر للتعبئة أو الانخراط في التظاهر، وأحد هذه التفسيرات السائدة هي فكرة “الحرمان النسبي” التي تعني أن المتعلمين من أبناء الطبقة الوسطى المصابين بإحباط نتيجة لقلة الفرص هم من يتظاهر. تلتقي هذه النظرية مع نظرية “تعبئة الموارد” والتي تقول بأن من يمتلك موارد أكثر (كالثروة المالية أو التعليم) لديه إمكانيات تنظيمية أكثر وبالتالي كفاءة أكثر في التعبئة للتظاهر، وأبناء الطبقة الوسطى بالعموم يمتلكون معلومات أكثر وقدرة أكبر على التنظيم ووعي سياسي أعلى.

 

المحاججة التي أقدمها تتفق مع هذه النظريات في أن ثمة بالفعل تفاوت طبقي واضح في حركات التظاهر، إلا أن هذا التفاوت يأخذ اتجاها مغايراً لما هو شائع في التفسيرات التي تطرح في النقاش العام أو في الأدبيات العلمية. فبينما ستفترض عدد من النظريات أن الطبقة الوسطى هي التي ستحشد للتظاهر، نجد أن العكس هو الصحيح في حالة الضفة الغربية، فالمنتمون للطبقة الوسطى في الضفة الغربية كانوا أقل مشاركة في التظاهر من الطبقات العاملة. إنه لمن المفاجئ أن نجد أولئك الذين يمتلكون مستويات دنيا من الموارد (كالطبقات العاملة في المناطق الريفية ومخيمات اللاجئين) هم الذين يشاركون في موجات تظاهر غير منقطعة تتسم بأنها غير منظمة وتستمر لفترة طويلة.

لذلك فأنا هنا أجادل أن الطبقة الوسطى لا تسعى للتعبئة للاحتجاجات لأن مصالحها مرتبطة بالوضع القائم، بشكل أساسي بالسلطة الفلسطينية وما يتبع ذلك من الارتباط بالاحتلال، فالتعبئة للتظاهر ليست مرهونة فقط بتوفر الموارد البشرية أو المادية بل أيضا بعلاقة الأفراد في المجتمع بسلطة الوضع القائم. علاوة على ذلك فإن الطبقة العاملة لديها من الموارد ما لا نأخذه عادة في الحسبان، تحديدًا الصلات الاجتماعية الأقوى والتفضيلات الأكثر وضوحًا. لهذه الأسباب فإننا نجد التظاهر يتركز في مناطق لا نتوقعها: ريفية وأقل ثراءً وأضعف في القدرة التنظيمية، حيث نجد أفراداً لا يتمتعون بالضرورة بتعليم عالٍ أو بمدد من معلومات.

 

الطبقة والدمقراطية

تسليط الضوء على دور الطبقة الاجتماعية في التعبئة للاحتجاجات ظهر بشكل أساسي في أدبيات الدمقرطة (دراسات التحول نحو الدمقراطية) إذ يعتبر هذا الدور عامل أساسي في عملية الدمقرطة. لكن بقي ذلك محل جدل إذ استمر الباحثون بالاختلاف حول تحديد الطبقة الأكثر أهمية في هذه العملية. تاريخياً، تبنى العديد من الباحثين، كليبست واسيمقولو وروبنسون، الافتراض القائل بأن الطبقة الوسطى هي “حصن الدمقراطية” وأن التعبئة السياسية التي تقوم بها هذه الطبقة هي المكنة الرئيسية لعملية الدمقرطة. تزعم هذه الحجة أن الطبقة الوسطى تشكل منطقة عازلة بين طرفي الطبقات العاملة والنخب وتضمن بذلك تماسك الدمقراطية. الكثير من التحليلات التي تناولت الربيع العربي اعتمدت على هذا التفسير، إذ اعتبر الكثيرون أن الطبقات الوسطى في العالم العربي هي المسؤولة عن الاحتجاجات باعتبار أن قدرتها الأكبر على التنظيم وباعتبار احباطاتهم التي تتسبب فيها الأنظمة ( انظر على سبيل المثال تقرير البنك الدولي ). ونعم، بالفعل شاركت الطبقات الوسطى بأعداد كبيرة في البداية، لكن هذه المشاركة كانت متركزة حول المظالم الاقتصادية وليس الحقوق السياسية بشكل رئيسي كما يخلص إلى ذلك بيسنقر وجمال ومازور .ومن هنا فإن مخرجات احتجاجات الطبقة الوسطى كانت محبطة ونجاحها لم يعش طويلاً، لذلك كما سنرى في الفقرة القادمة فإن التفسيرات المرتكزة على الطبقة الوسطى للاحتجاجات لا تأخذ في الاعتبار فعالية مثل هذا الحراك من عدمه.

 

تفسيرات للتعبئة السياسية

هناك نظريتان كلاسيكيتان رئيسيتان تتناول التعبئة السياسية عبر الطبقة الاجتماعية واللتان تجيبان على أسئلة: من هم الذين يقومون بالتظاهر عادة وما السبب الذي يدفعهم لذلك؟. النظرية الأولى تركز على فكرة “الحرمان النسبي” والتي تقول بأن الذين يحملون توقعات عالية لا تواكبها السياقات السياسية الحالية هم أكثر عرضة للإحباط وبالتالي تكون احتمالية مشاركتهم في الحراك السياسي أكبر كما يجادل تيد روبرت في كتابه “لماذا يتمرد الإنسان“. ويستلزم من منطلق هذه الحجة القول إن أولئك الذين يتمتعون بتعليم أعلى وانجازات أقل هم أكثر من ينطبق عليهم هذا الوصف، أي بشكل أساسي الطبقات الوسطى.

 

لاحظ باحثون لاحقون أن نظرية الحرمان النسبي ربما تفسر الدوافع النفسية للحراك السياسي لكنها لا تعطينا الصورة كاملة، فهي تحديداً لا تتناول الظروف البنيوية لهؤلاء الأفراد ولا الاستراتيجيات المتاحة لهم. ولهذا السبب قاموا بتطوير نظرية “تعبئة الموارد” القائلة بأن المظالم ليست شرطًا ضرورياً أو حتى كافياً لأي شكل من أشكال الحركات الاجتماعية، بينما السبب الأكثر أهمية لظهور الحركات الاجتماعية هو وجود أفراد يمتلكون موارد (وقت ومال وجهد) ، كما بين لي. إن القدرة على الوصول إلى مراكز مؤسساتية وإعلام ومعلومات ومال ونخب مهمة بشكل حاسم في ظهور الحراك السياسي. التعليم بالذات، يؤكد كلا من انديرسون وولفينقر، أنه يُمنح المرء فرصة أكبر للوصول إلى هذه الموارد كما يبذر في الفرد المصلحة الوطنية والواجب المدني ويوفر له قدرات تنظيمية أعظم. ولهذا نجد أن هذه النظرية مازالت تقود إلى فكرة أن الطبقة الوسطى أكثر جاهزية للحراك السياسي من الريف أو الطبقات العاملة إذا أخذنا في الاعتبار أن الطبقة الوسطى تتمتع بموارد مادية وبشرية أعظم.

 

إعادة النظر في دور الطبقة العاملة

بشكل عام، كل من التفسيران الشائعان والأدبيات العلمية المؤيدة لها أقصت الطبقة العاملة إلى هامش التفسير، إذ يزعمون أن قدرة الطبقة العاملة على التنظيم متدنية لأنها تمتلك موارد أقل. ينبع هذا المنطق من كون موارد الطبقة العاملة غير مدركة بشكل جيد ولذلك يتم اغفالها في التحليل، فخذ على سبيل المثال دور الشبكات الاجتماعية. الروابط الاجتماعية والشبكات القوية التي تتسم بها الطبقة العاملة ربما تعوض عن رأس المال المادي الذي تتمتع به الطبقة الوسطى (كالمؤسسات الفعلية والقدرة التنظيمية)، هذه الشبكات الاجتماعية قد تفضي إلى مد عمر تظاهر الطبقة العاملة في وجه القمع وفي وجه التكلفة العالية التي يدفعها الأفراد جراء الاحتجاج.

 

المقاومة الفلسطينية في مخيمات اللاجئين في لبنان تعطينا مثالاً على هذه الديناميكية. فقد وجد براكنسون أنه بالرغم من القمع الشديد الذي تعرضت له شبكات المقاومة بعد الحرب الأهلية اللبنانية، فإن المقاومة الفلسطينية تمكنت إلى حد بعيد من الاستمرار في الوجود كنتيجة مباشرة للشبكات الاجتماعية القوية، الشبكات التي لا تضم مقاتلي المقاومة فحسب بل تتسع لفئات عريضة من الشعب (بما فيها النساء). الانتفاضة الأولى تمتعت بصفة مشابهة من حيث أن الشبكات الاجتماعية سهّلت حركة المقاومة المتواصلة بالرغم من القمع الإسرائيلي؛ وحفزت قطاعات واسعة من المجتمع للمشاركة في الاحتجاج كما خلص بيرلمان في بحثه. هذه الديناميكية ذاتها تتكرر في فلسطين اليوم. فعلى سبيل المثال يبين البحث أن أكثر الحركات الاجتماعية فاعلية وقابلية للاستمرار هي تلك التي تظهر في دوائر الطبقة العاملة. ففي فلسطين اليوم نجد أن الفعل الجمعي الاحتجاجي المنظم والمتواصل ينشط في أغلب الأحيان في المخيمات وقرى الريف. في أكتوبر من العام 2015م ظهرت المظاهرات المتواصلة -والتي نعتت بـ”الانتفاضة الثالثة”- في مناطق مثل مخيم العايدة ومخيم قلنديا بالإضافة إلى المناطق التي لا تخضع للسلطة الفلسطينية ولا إلى أراضي الثمانية وأربعين كالقدس الشرقية. هذه المناطق يشكل الفقراء غالبية سكانها كما أنها أقل ارتباطا بمؤسسات الدولة (سواءً السلطة الفلسطينية أو الكيان الصهيوني). فوفقاً لقاعدة البيانات عن التعبئة السياسية في فلسطين -والتي قام الباحث بجمعها- فقد خرجت أكثر من 1400 مظاهرة في الضفة الغربية منذ العام 2007م من بين هذه المظاهرات لم يخرج إلا 328 في مناطق حضرية أكثر ارتباطاً بالسلطة الفلسطينية ومؤسسات الوضع القائم.

 

في أوقات الهدوء النسبي توضع التعبئة التي تهدف للتحرير الوطني في المقعد الخلفي بالنسبة للطبقة الوسطى، فالمراكز الحضرية الرئيسية والمناطق الأكثر ثراء تظل إلى حد بعيد غير متحفزة للاحتجاج. فقط في المناطق الريفية تبرز الحركات الاجتماعية غير المنقطعة، نجد على سبيل المثال أن الحركات الاحتجاجية في قرى بلعين ونبي صالح وبدرس بقيت متقدة لأكثر من عقد. هذه الحركات الاجتماعية الريفية منفصلة عن بُنى القوة التقليدية. انهم يتظاهرون وينخرطون في عصيان مدني رغم الضغوطات التي تمارس ضدهم للإحجام عن مثل هذا العمل السياسي الاحتجاجي (سواء من الكيان الصهيوني أو السلطة الفلسطينية). في الوقت ذاته نجد أن شرائح من الطبقة الوسطى قد تم حصرهم في قنوات العمل السياسي “الرسمية” (الانخراط في السلطة الفلسطينية أو في مؤسسات المجتمع المدني المحترفة) حتى أولئك الذي يعملون على قضايا التحرر الوطني يميلون إلى تبني رؤى ومقاربات ضيقة وبالتالي يظلون متشظين وغير متحفزين للتعبئة الاحتجاجية كما بيّن دعنا. لا يعني ذلك أن الطبقات الوسطى تعاني اضطهاداً دون الذي تعانيه الطبقة العاملة، ففي نهاية المطاف تخسر الطبقة الوسطى الكثير من جراء الاحتلال وتبعاته على الفرص المتاحة لهم. إنهم يعانون اضطهاداً أعظم ولديهم أسبابٌ أكثر للاحتجاج، لكنهم في الواقع ليسوا أبطاله. هذه الظاهرة لا يمكن فهمها من خلال النظريات الموجودة، إن النظريات الموجودة في حقيقة الأمر تقول بعكس ما هو حاصل.

 

بالإضافة إلى قوة الشبكات الاجتماعية فإن الطبقة العاملة تتمتع بتفضيلات واضحة ومباشرة. ففي حالة المجتمعات المستعمرة على سبيل المثال تكون الطبقات الوسطى مرتبطة عضوياً بالدولة المستعمرة، فبينما تكون مصالحهم مرهونة ربما على المدى البعيد بالاستقلال والدمقراطية، فإنها على المدى القصير تتحدد بالدور الذي يلعبونه في سياسة الوضع القائم. فالطبقة الوسطى لها مصالح راسخة في مؤسسات الدولة أياً كانت هذه المؤسسات. في فلسطين تأتي على شكل وظائف في السلطة الفلسطينية، منافع مادية يتم الحصول عليها عبر الكيان الصهيوني إضافةً إلى المنافع المتحصلة من لعب دور القوى “الليبرالية” المناصرة “للسلام”. وحين تتوفر لها مساحة للمناورة، فإن الطبقة الوسطى تنخرط في العملية السياسية الاعتيادية وتتحرك سياسياً وفق “قواعد اللعبة”. وبناءً على ذلك فإن مصالحهم الحقيقة يسهل تشويهها واحتواءها.

 

يأتي ارتباط الطبقة الوسطى بمؤسسات الدولة على النقيض تماماً من حال الطبقة العاملة، والحركات الاجتماعية التي ظهرت في القرى الفلسطينية تقدم نموذجاً يدعم هذه النقطة إذ نجد أن مسؤولي الدولة يفشلون في احتواء هذه الحركات أثناء سعيهم للقفز على شعبيتها المتصاعدة. هذا الفشل يعود إلى أن القرويين لا يجدون من الدولة أي منافع تذكر (مثال على ذلك قرية بلعين التي استعرض قصتها الفيلم الوثائقي “خمس كاميرات محطمة” (رابط مباشر للفيلم) فمصالحهم تتعارض بشكل تام مع استمرارية الوضع القائم، ففي قرى بدرس وبلعين وبني صالح يطالب القرويون بانهاء نظام الفصل العنصري بأكمله فلا يوجد مطلب أقل من ذلك يخفف عنهم المعاناة. إنهم لا ينتفعون من الوضع القائم عبر مناصب في السلطة الفلسطينية أو الاندماج مع الكيان الصهيوني فالطبقات العاملة بطبيعة الحال وبالذات في ظل حكم سلطوي تقبع في هوامش المجتمع وهذا التهميش يمنحهم القدرة على الإصرار على مصالحهم بعيدة المدى وقريبة المدى على السواء بوضوح ومن دون تشوهات.

 

الخلاصة

إن الحالة الفلسطينية تدعونا لإعادة تقييم فهمنا للطبقة الاجتماعية، ليس فقط في توسيع مفهوم ما نعتبره موارد تنظيمية ذات قيمة بل في فهم الدور الذي تلعبه كل طبقة في علاقتها ببنى القوة والذي بدوره سيمكننا من الوصول لفهم أفضل للتعبئة السياسية. إلا أن ذلك لا ينبغي أن يقودنا للقول بأن الطبقة الوسطى لا تنخرط في أي احتجاج في أي وقت إنما يساعدنا على معرفة ما الذي يجعل الحركات الاجتماعية التي تعتمد على الطبقة الوسطى عاجزة عن تحقيق التغيير الواسع والجارف كما يفترض المحللون منها عادة ذلك. إن الطبقة الوسطى، يقول فرانز فانون، تجد مبرر وجودها عبر الدولة بغض النظر عن مدى كونها قمعية أو استبدادية أو مستعمرة. لذلك فإن علينا ألا نتوقع نهوض عريض من قبل الطبقة الوسطى لقيادة حركة احتجاجية ذات بال، علينا بدلاً من ذلك أن نبحث عن ضالتنا في مكان آخر حيث الوعي والإرادة بمعارضة الوضع القائم تكون في أقصاها: أن نعلق الآمال على الطبقة العاملة.

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *