الشيعة في العراق: محاولة لدحض نظرية التقسيم الطائفي في التحليل السياسي في المشهد العراقي

كاتب المقالة

منذر الحبيب

يعتمد الإعلام، وكذلك المحللين السياسيين على مايمكننا أن نسميه نظرية الهوية لفهم الحالة السياسية العراقية. الإطار النظري ومنظومة المصطلحات لهذه النظرية تعتمد على القوالب والهويات الدينية والعرقية كمحرك وكوحدة لتحليل الشأن السياسي. فالشيعة في العراق والذين يسلط الضوء عليهم في هذا المقال يظهرون وفق تطبيقات نظرية الهوية على أنهم وحدة سياسية صلبة تدرس انفعالاتها وقراراتها السياسية على أنها ذات مرجعية واحدة. تبنى البروفسور رضا أصلان، صاحب كتابي “لا إله إلا الله” وكتاب “المتعصب“، إطار تحليل الصراع بطريقة تقسيمات الهوية فذهب بتحليله الى أن قالب الفهم بإطار الصراع الطائفي هو إطار مناسب في فهم الصراع الدائر حالياً. دعمه بدرجة أقل البروفسور ولي نصر صاحب كتاب “إنعاش الشيعة” وهو عميد كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز الأمريكية بقوله: إن هذا الصراع الطائفي سيستمر لمدة بين الشيعة و السنة (1). هذا القالب السياسي الشيعي المتخيل المتماسك في الإعلام يتهاوى عند تطبيق نظرية الدحض لكارل بوبر. بشكل مختصر، تعتمد نظرية الدحض على البحث عن أمثلة تنقض فيها النظريات السائدة في محاولة لإيجاد نظريات تعطي تفسيراً جديداً يساهم في تفسير الظواهر تفسيراً مختلفاً وأكثر واقعية. هذا المقال يحاول تطبيق نظرية الدحض لكارل بوبر لنقض نظرية الهويات المطبقة حالياً على الحالة العراقية السياسية الشيعية التي تظهر الحالة الشيعية السياسية على أنها وحدة تحليل سياسية متماسكة. هذا المقال يعرض أمثلة ولمحات عن الصراعات والنزاعات السياسية الشيعية-الشيعية في الحالة السياسية العراقية. استحضار هذه الأمثلة من الصراع لدحض التحليل السائد، المعتمد على التقسيم الطائفي سيسهم بشكل مباشر في رؤية الصراع من زوايا مختلفة وبالتالي نصل إلى استنتاجات تغفلها النظرة التحليلية السائدة.

تحمل مدونات “الفكر السياسي الشيعي” ثمانية نظريات سياسية مختلفة كما ذكرها الدكتور محسن كديور أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة ديوك الأمريكية في كتابه نظريات الحكم في الفقه الشيعي. واحدة من هذه النظريات هي نظرية ولاية الفقيه. أتاحت الثورة الإيرانية الفرصة لتطبيق أحد هذه النظريات الثمانية، والتي ساهم خطاب تصدير الثورة تدريجياً في تكوين صورة الهوية السياسية “الشيعية” في الأذهان على أنها فريق واحد. لكن على الجانب الآخر من نظرية ولاية الفقيه يوجد هناك فريق رافض لها، وتعرض الوثيقة الخوئية التي قدمت للإدارة الأمريكية عام ١٩٩٢م باسم المرجعية الدينية وخصوصاً المرجع أبو القاسم الخوئي (١٨٩٩-١٩٩٢م) بالنجف والتي تعد مركزاً رئيسياً للحوزة العلمية بجانب مدينة قُم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. تذكر الوثيقة الخوئية أن “الإسلام الذي نريده ليس هو “الدولة الدينية” القائم على الخلافة أو على “ولاية الفقيه” وإنما هو العقيدة التي تعتنقها غالبية الشعب العراقي بعربه وكرده وأقلياته الأخرى، وهو التشريع الذي تخضع له مجتمعاته في مختلف مجالاتها- وأضاف “إن الديمقراطية في نظرنا هي النموذج الأمثل لنظام الدولة المعاصرة -ويضيف- ونحن الشيعة من موقعنا وموقع المرجعية العامة لا نمانع كما قلنا أن تكون رئاسة الدولة لسني أو شيعي إذا تم انتخابه بالطرق الديمقراطية” (2). من أبرز من أعد هذه الوثيقة السيد عبد المجيد الخوئي والسيد محمد بحر العلوم.

ويحق لأي شخص التساؤل هنا بالقول أن الاختلافات الفكرية بين فقهاء الشيعة لاتعني بالضرورة دحض نظرية الهويات والتي تؤكد دائماً أن الكتل الشيعية في العراق موحدة وذات هدف وقالب واحد على الأرض؟

هناك أدلة أخرى لدحض نظرية الهوية وهي أن الاختلاف الشيعي الشيعي وصل إلى حد الإقتتال المسلح بين عده مجاميع مؤثرة في الساحة السياسية العراقية. ففي عام ٢٠٠٣م تم اغتيال السيد عبدالمجيد الخوئي نجل المرجع الأعلى السيد أبو القاسم الخوئي على يد أتباع مقتدى الصدر نجل المرجع السيد محمد صادق الصدر وعمه محمد باقر الصدر  صاحب كتابي فلسفتنا واقتصادنا. إن حجم هذه الجريمة يتمثل بالرصيد الإجتماعي الكبير الذي يتمتع بهما الطرفين، المتهم بالقتل والمقتول. هذا الرصيد الإجتماعي لم يحمي عبدالمجيد الخوئي من الاغتيال والطعن وهو في ضريح الإمام علي بن أبي طالب في النجف، كذلك لم يردع توجيه أصابع الاتهام لمقتدى الصدر في المشاركة بشكل مباشر بهذه العملية. هذا الرصيد لم يمنع أبناء القيادات الروحية للطائفة الشيعية من الاقتتال. يوضح هذا المثال أيضاً أن الصراع في العراق يوجد في الطائفة الواحدة ويصل إلى الاقتتال المسلح ولايقتصر على الشيعة والسنة فقط.

لم يقتصر هذا الصراع على هذه الحادثة، بل استمر وأخذ عدة أشكال من مواجهات مسلحة إلى مواجهات سياسية. ففي قضية كقضية شرعية قتال الجيش الأمريكي في العراق، كمثال، انقسمت الأحزاب السياسية الشيعية إلى من شارك في تشكيل الحكومة العراقية تحت ظل الاحتلال الأمريكي كحزب الدعوة الاسلامي ـ تأسس في نهاية الخمسينيات (١٩٥٨/٥٧م) وإلى فريق كان رافضاً رفضاً قطعياً أي تعاون مع قوات الاحتلال الأمريكي للعراق ودخل في صراع مسلح معها، على سبيل المثال لا الحصر جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر والذي ترجع بدايات تأسيسه إلى سنة ١٩٩٩م على يد والد مقتدى وهو السيد محمد صادق الصدر والذي اغتيل على يد النظام العراقي السابق. كانت إحدى المواجهات المسلحة بين جيش المهدي بقيادة مقتدى الصدر والجيش العراقي بقيادة رئيس الوزراء نوري المالكي في ٢٠٠٨م. سميت هذه العمليات بصولة الفرسان ومن نتائجها ظهور اسم عصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي كفصيل مستقل منشق عن جيش المهدي. تم القبض على أكثر من ٥٠٠ مقاتل من جيش المهدي في كربلاء بحسب إدعاء نوري المالكي. كانت ساحات القتال التي تخوضها هذه الجماعات ضد الجيش الأمريكي مفتوحة، ومنها العتبات المقدسة للشيعة كأضرحة الأئمة، كما حصل عند ضريحي الإمام الحسين بن علي وضريح العباس بن علي. يذكر أن ثقوب الرصاص في الجدران والأسوار المحيطة بالأضرحة مازالت موجودة.

هذا جزء من الصراعات المسلحة بين الفصائل الشيعية نفسها. هذا الصراع استمر بأشكال أخرى كاللغة السياسية الحادة والعنيفة على سبيل المثال، فمع ظهور مظاهرات الأنبار متأثرة بأجواء الربيع العربي، انقسمت الأحزاب السياسية الشيعية إلى قسمين فكان المجلس الأعلى بقيادة السيد عمار الحكيم وبجانبه السيد المقتدى يدعمون مطالب المتظاهرين، في حين ذهب حزب الدعوة بقيادة رئيس الوزراء نوري المالكي آنذاك ومعه عصائب أهل الحق ومنظمة بدر، ودعم نيابي على رأسه النائبة حنان الفتلاوي من كتلة دولة القانون بانتقاد للمتظاهرين ومن يدعمهم وعلى رأسهم جماعتي عمار الحكيم ومقتدى الصدر. أخذ الصراع حول المتظاهرين لغة تحريضية طائفية يلخصها قول المالكي “إن أنصار يزيد وأنصار الحسين مرة أخرى وعلى طول الخط يصطدمون” ويضيف “إن الجريمة التي ارتكبت بحق الحسين لم تنتهي”. هذا الخطاب الطائفي طغى على الانقسامات الشيعية-الشيعية ماجعل تسليط الضوء عليها هامشاً في الإعلام. أو بقول آخر، إن هناك أرضية مشتركة بين جماعات سياسية شيعية لها وزنها الجماهيري، مع قوى أخرى بعضها ينتمي للإسلام السياسي السني، وقوى سياسية ذات توجهات قومية ووطنية. لكن عدم ضبط من يصعد المنصة في ساحات الاعتصام أفسح المجال لأصحاب الخطاب الطائفي لإلقاء خطب طائفية مقابل خطاب المالكي. هذه اللغة الطائفية المتشنجة سحبت الأضواء من الانقسام الشيعي-الشيعي وكما سحبتها من الخلاف السني-السني. همّش طغيان الخطاب الطائفي أيضاً صورة تشابك المصالح بين الجماعات الشيعية والجماعات السنية. على سبيل المثال كانت هناك أقطاب سنية تدعم المالكي ومنهم وكيل وزارة الدفاع أثناء فترة مظاهرات الأنبار وهو سعدون الدليمي. إن هذا المثال يدحض أيضاً التقسيم السياسي المبني على تقسيم الهوية الطائفية بل يؤكد أن تعاون قيادات الطائفتين وإتفاقهم على أرضية مشتركة قائم رغم التوتر الطائفي. وأن المصالح وليس الإنتماء المذهبي هو ما يحركهم. علاوة على ذلك يوضح هذا المثال أن الانقسام الشيعي-الشيعي حاضرٌ بقوة بين تيارات شيعية سياسية لها قوتها الجماهيرية وكتلها البرلمانية.

هذه الانقسامات السياسية استمرت حتى وقتنا الحالي وخلال فترة اعتصام النواب داخل البرلمان. هوجم رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي وقذفت عليه قناني المياه من قبل النائبة الدكتورة حنان الفتلاوي التي كانت سابقاً على رأس الدعم النيابي لنوري المالكي وعضو في الكتلة السياسية التي يرأسها وهي ائتلاف دولة القانون. تغيرت مواقع الصراعات السياسية بين الجماعات الشيعية-الشيعية. فبعد إزاحة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي من منصبه مُكرهاً بسبب اختيار حزبه، حزب الدعوة، للدكتور حيدر العبادي رئيساً للوزراء بعد أزمة صراع شكك فيها المالكي بدستورية رئيس الوزراء الجديد العبادي، دعم كل من عمار الحكيم ومقتدى الصدر ومن قبلهم المرجع الأعلى السيد علي السيستاني رئيس الوزراء الجديد الدكتور حيدر العبادي. أنتجت هذه الأزمة السياسية خلافات حادة داخل حزب الدعوة. قام المعسكر السياسي المحيط بالمالكي بتصوير وتشبيه كل من الدكتور حيدر العبادي ورئيس الوزراء الأسبق الدكتور إبراهيم الجعفري بإخوة يوسف، في إشارة واضحة إلى قصة رمي أخوة يوسف لأخيهم في البئر. ظهرت حرب إعلامية بين الطرفين وهجوماً على حكومة العبادي من قبل المقربين من المالكي. مما دفع العبادي لشن هجوم معاكس على المالكي وذلك عن طريق انتقاد الفساد في حكومة المالكي ووصل العبادي إلى حد تسمية المالكي “بالقائد الضرورة”. من جديد يظهر الصراع السياسي بين الأحزاب السياسية الشيعية، بل ويصل إلى داخل الحزب الواحد كما يحصل في داخل حزب الدعوة الإسلامي. وفي الوقت الذي يهاجم العبادي من أعضاء حزبه، يتعاون مع وزير الدفاع خالد العبيدي وهو حسب نظرية الهوية يصنف تحت المذهب السني. يذكر أن الوزير العبيدي كان قد واجه أسئلة كثيرة من قبل النائبة حنان الفتلاوي وصلت إلى استجوابه.
الخلاصة:

بتطبيق نظرية الدحض لكارل بوبر، يظهر أن تسليط الضوء على الحالة السياسية الشيعية العراقية، إن صحت التسميه، وتقسيمها لقسمين بناءً على الهوية المذهبية هو تقسيم مضلل وغير دقيق ويتجاهل الصراع داخل الطائفة الواحدة حتى لو كان صراعاً دموياً كمقتل السيد عبدالمجيد الخوئي. إن أمثلة الصراع السياسي الشيعي-الشيعي كانت في مختلف المستويات إبتداءً من الصراع الفكري عبوراً بصراع دموي بين الفصائل الشيعية بين بعضها البعض أو مع الجيش العراقي، وصولاً لصراع سياسي أدّى إلى انقسامات وانشقاقات تغلغلت حتى داخل الحزب الواحد. إن هذا الصراع مستمر بين التيارات السياسية الشيعية، وآخرها المظاهرات الأخيرة التي يشارك في قيادتها مقتدى الصدر ضد حكومة حزب الدعوة والتي يقودها العبادي. هذا يرجح أن الانقسام سيستفحل في كثير من المواقع التي تشترك فيها الجماعات السياسية الشيعية. أيضاً سيعيد قراءة الساحة السياسية بطريقة مختلفة. فإذا تم التعاطي مع الحالة السياسية الشيعية العراقية كجماعات متصارعة، ولها أهداف متعارضة وحدود صراعها يصل إلى مستويات الصراع المسلح، وتعاني من اختلافات وانشقاقات متعددة، فهنا سيتم قراءه التطورات الأخيرة في العراق ومنها وجود الحشد الشعبي بشكل آخر. فمع وجود فصائل مسلحة تسليحاً متوسطاً أو ثقيلاً ومكونة من جماعات مختلفة وغير متجانسة من الناحيتين الفكرية والتنظيمية، تزداد احتمالية وقوع صراع مسلح بين بعض هذه المكونات الشيعية. قد يؤدي هذا الإنقسام مستقبلاً إلى تفوق بعض الفصائل من ناحية التسلح ورفضها تسليم أسلحتها للدولة، مما يخلق مشكلة تشابه المشكلة اللبنانية مع حزب الله اللبناني. هذا أيضا يقود إلى التساؤل التالي: ماهو مصير الصراع السياسي الشيعي-الشيعي في حالة وفاة المرجع الأعلى السيد علي السيستاني والفراغ السياسي والقيادي الذي سيخلقه غيابه؟ وهل سيقود الصراع الشيعي-الشيعي إلى صراع عنيف على مواقع القيادة الدينية في المستقبل؟ إن دحض نظرية الهوية في التحليل السياسي العراقي يمنح أفقاً أوسع للباحثين للنظر لزوايا أخرى في التحليل تسهم بشكل أفضل في فهم الواقع العراقي. في الختام أعتقد أن النظر في الوضع السياسي العراقي كتقييم مذهبي ينتج عنه تحليل سطحي لايعالج لغة الخطاب ولايغوص في عمق المشكلة العراقية، وماينتج عن هذا المنهج في التحليل هو نظرة تسطيحيه للصراع على القوة في العراق.

 

 

هوامش

(1) http://www.cfr.org/peace-conflict-and-human-rights/sunni-shia-divide/p33176#!/?cid=otr-marketing_url-sunni_shia_infoguide

(2) الشيعة و الانتقال الديمقراطي ، غانم جواد ص٨٥
*مصادر وقراءات إضافية عن الموضوع:

الشيعة والانتقال الديمقراطي. غانم جواد.
نظريات الحكم في الفقه الشيعي. الشيخ الدكتور محسن كديڤر
الوصول للسلطة. إسحاق نقاش.
Muqtada al-Sadr, the Shia Revival, and the Struggle for Iraq. Patrick Cockburn.
The Shi’I Movement in Iraq. Faleh A. Jabar
The Guardian of Shi’im. Elvire Corboz

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *