الحادي عشر من سبتمبر في سوريا: من التحديث “السلطويّ” المتعثّر إلى لحظة الانفجار الكبرى

جمال منصور

كاتب المقالة

جمال منصور

كل شيءٍ هادئ في قصر الربوة

كان يوم الثلاثاء الحادي عشر من أيلول/سبتمبر ٢٠٠١ بعد ظهيرةٍ دمشقيةٍ اعتياديةٍ؛ من أيام نهايات صيف دمشق القائظ الجاف الذي بات يستطيل ليطاول شهر تشرين الأول، بعدما تغيّر مناخ المدينة وتصحّر بسبب توسّع العمران واختفاء غوطتها الغنّاء الشهيرة وتآكلها تحت وطأة الوحش البيتونيّ في كل اتجاه. وفي “قصر الشعب،” في المكتب المطلّ على دمشق من أعلى هضبة “الربوة” الشهيرة، لا بد أن “بشار الأسد،” الرئيس الشاب يومها، كان على وشك إنهاء أعمال يومه الاعتيادي في الرئاسة ويستعدّ للعودة إلى المنزل ليعود إلى أسرته التي كانت لم تزل صغيرة؛ فاليوم كان يصادف ذكرى ميلاده السادسة والثلاثين.

لكن كل شيءٍ تغيّر في الساعة ١٥:٤٦ بتوقيت دمشق المحلّي يومها. كانت تلك هي اللحظة التي قاد فيها “محمد عطا” قائد إحدى فرق تنظيم “القاعدة” الانتحاريّة طائرة الرحلة رقم (١١) لشركة “أميركان إيرلاينز” لترتطم بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالميّ في منتصف “مانهاتن” في مدينة نيويورك عصب التجارة العالميّة، مُردياً ركّاب الرحلة الاثنين وتسعين قتلى ومتسبّباً في مقتل ١٤٠٢ فرداً في مركز الارتطام ومحيطه المباشر، ومؤذِناً بأكبر عمليةٍ إرهابيةٍ في تاريخ الولايات المتحدة حتى هذه اللحظة. ولا نعلم على وجه التحديد الأفكار التي دارت في رأس “الأسد” الابن لدى سماعه هذه الأخبار، ومتابعته تغطية قناة “الجزيرة” الحيّة لحظةً بلحظة على شاشة التلفاز العملاقة في مكتبه، وإن لم يكن من الصعوبة تصوّر أنّ فكرة الاحتفاء بعيد ميلادٍ هادئٍ والاستمتاع بأمسيته كانت قد فارقته تماماً: فما حصل لم يكن يشي بأقل من زلزالٍ حقيقيٍ، لا بدّ لآثاره من أن تطال الشرق الأوسط، وسوريا من ضمنه. كما أنه ليس من الصعوبة تصوّر أن كل هذا لم يكن في حسبان بشار الأسد في تلك اللحظات التي كان لا يحتفي فيها بعيد ميلاده وحسب، بل وبمرور الذكرى الثانية منذ تسلّم مقاليد الرئاسة وراثةً عن أبيه، تلك السابقة في جمهوريّات المشرق العربيّ ومغربه، التي حازت لقب الحكم “الجمهوكيّ” (وهي تعبير هجين من كلمتَيْ “جمهوريّ” و”ملَكيّ” أطلق سخريةً، على الأرجح). ولا بد أيضاً أنّه لم يكن يتوقّع – مثَله في ذلك مثَل الغالبيّة الساحقة من السوريين وسواهم – أن عالمه سيتغيّر إلى الأبد.

كان بشار الأسد منكبّاً، بحذرٍ أثناء تلك البدايات لعهده ثم بتسارعٍ وجرأةٍ أكبر في السنوات التالية، على مشروعه الذي قدّمه بوصفه “إصلاحاً” لكنه كان في الواقع يمثّل ما سمّاه ستيفن هايديمان (٢٠٠٧) بعملية “التحديث الاستبدادي” للنظام القائم، والتي تميّزت بضخّ قيم اقتصاد السوق بصورةٍ متزايدة في تصوّر وإدارة العملية السياسية. ويعرّف هايديمان خمس سماتٍ رئيسيةٍ، في عمليّة التحديث الاستبدادي الأسدية تلك: استملاك واحتواء المجتمع المدني، متابعة الهيمنة على الاختلافات السياسية وإدارتها بصورةٍ مباشرةٍ وحصرية، فرض وحصد فوائد الإصلاحات الاقتصادية الانتقائية، الهيمنة على تقنيات الاتصالات الجديدة، وتنويع العلاقات والتحالفات الدولية (هايديمان ٢٠٠٧، ص. ٥). كانت هذه سياسةً مستوحاةً من ثقافة اقتصاد السوق النيوليبرالية، على أنها لم تكن تهدف إلى حسر وجود الدولة في الفضاء العام، بحسب مقتضيات الأرثوذكسية النيوليبرالية النموذجية؛ بل اكتُفي بعملية “إعادة انتشارها” لتقليل تكلفة الحكم الاستبدادي على الحاكمين، وزيادة العائدية والربح للنظام مع الوعد بزيادة الرخاء، وبالتالي، توزيع المزيد من الثروة على المحكومين عبر السوق وآلياته، لا عن طريق الدولة وبرامجها. وهناك عدّة أوجهٍ انعكست فيها عملية “التحديث الاستبدادي” هذه، ولكن أبرزها كانت الأوجه التالية، بالتحديد: التغيير الاقتصادي باتجاه ما سُمّي “اقتصاد السوق الاجتماعي” وآثاره على بنية المجتمع السوري والتحالفات الاجتماعية والسياسية فيه؛ التغيير في فكر ومنهج إدارة الدولة لإدارة الفضاء العام عموماً؛ التغيير في تعاطي الدولة السورية مع الاتجاهات الإسلامية، والجهادية منها بالتحديد، والسماح بـ”الأسلمة” المتزايدة للفضاء العام في سوريا؛ والتغيير في وزن واستقلالية الدور الإقليمي للنظام السوري، ومن البوّابة اللبنانية بالتحديد. وفي هذا المقال، أقدّم رأيي في أن الديناميّات التي أطلقها حدث ١١ أيلول/سبتمبر المزَلزِل قدّمت لحظةً محفّزةً سهّلت على بشار الأسد دفع بعض هذه التغييرات ومسارعتها، أو فرضت عليه بعضها الآخر؛ وهو ما أدّعي أنه كان له دور حاسم في الحالة التي وصلت إليها سوريا في ١٥ آذار عام ٢٠١١، لحظة قيام الانتفاضة السورية على النظام.

قبل ١١/٩: بدايات متعثّرة

لم يكن حافظ الأسد، مؤسّس النظام، مدفوعاً بالأولويات الاقتصادية على الإطلاق. إلا أنه كان يرى المجتمعات بوصفها مكوّنةً من “كائناتٍ اقتصاديةٍ، في الأساس” (بطاطو ١٩٩٩، ص. ٢٠٦)، أي أن المواطنين كائنات “غير سياسيةٍ” يمكن إشباع احتياجاتهم عبر الاكتفاء بالهيمنة على الاقتصاد واستخدامه لتحقيق ذلك. لذلك حينما شرع من منتصف الثمانينات إلى أوائل التسعينات، في عملية انفتاح اقتصادي ليبراليٍ، كانت عمليةً حذرةً جداً ومحدودةً للغاية. ومع أسبقية البقاء والأمن في أولويات النظام، خضعت السياسة والتخطيط الاقتصاديّين “كلياً لمتطلّبات العقلانية السياسية” (مطر ٢٠١٦، ص. ٩٣). وبحلول أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، شرع بشار الأسد في مشروع تحديث سلطويّ انطوى كذلك على تحريرٍ اقتصاديٍ محسوبٍ وحذر، لتحقيق هدفين: “أوّلهما، تأمين السلطة والشرعية من خلال التقدّم والتحديث، وثانيهما، تزويد الأسد الشابّ بصورة جديدة وسجلٍّ خاصٍّ به، منفصلٍ عن [إرث] والده” (سوتّيمانو ٢٠١٥، ص. ١٢٥). كان نظامه الاستبدادي الهجين نظاماً “تندمج [فيه] عناصر الشخصانيّة والزبائنيّة في إطارٍ مؤسّسيٍ مرن” (دوناتي ٢٠١٣، ص. ٣٦)، وكانت في جعبة النظام “موارد اقتصادية محدودة [كما كان] يحظى بدعمٍ شعبيٍ ضئيلٍ في المدن” (بييريه ٢٠١٣، ص. ٨٨). كان بشار الأسد يرغب في تحرير نفسه – ونخبته الجديدة التي كانت في طَوْر التشكّل – من قيود حزب البعث وبيروقراطية الدولة المرتبطة بهما التي “عفا عليها الزمن” بصورةٍ متزايدة (دوناتي ٢٠١٣، ص. ٤٤). لكن خُطى هذا الإصلاح الاقتصادي، وإن كانت محدودةً، كانت تواجه مخاطر عدة. كان أهمها مخاطر اهتزاز العقد الاجتماعيّ بين النظام والمحكومين، العقد الذي قام على دعم أسعار السلع والتقدمات الاجتماعية وشبكات المحسوبية التي تعزّز ارتباط المحكومين بالسلطة، بمقابل طاعة المحكومين الكاملة وإغلاق باب حرية التعبير والعمل السياسي تماماً. كما واجهت، كذلك، قدراً غير قليلٍ من التعطيل البيروقراطي من البُنى الإدارية والحزبيّة المتهالكة والمنخورة بالفساد وانعدام الكفاءات والخبرة، والغياب التامّ لمساهمة القطاع الخاص في خلق فرص العمالة لامتصاص الطاقة البشرية، وضعف حركيّة الاقتصاد عموماً.

ومن المهم ملاحظة أنه في لحظة وقوع أحداث ١١ أيلول/سبتمبر ٢٠٠١، لم يكن بشار الأسد قد مكّن لدوره في قلب نظام أبيه بعد وكان ما زال محاطاً بمجموعات مصالح متجذّرةٍ لم يكن يملك بعد الرصيد أو الوزن الفعلي الكافي ليزيحها كاملةً أو يفرض رؤياه عليها بصورةٍ فاعلة، لذا اضطرّ في بدايات حكمه أن يكتفي بإرسال إشاراتٍ قانونيةٍ خجولةٍ عموماً، عدا إصدار القانون رقم [٢٨] في شهر نيسان ٢٠٠١ والقاضي بترخيص فتح المصارف الخاصة لأول مرةٍ منذ تأميمها بعد انقلاب البعث العام ١٩٦٣. لكن عملية التغيير الجذريّ في استراتيجية الدولة الاقتصادية بقيت متعثّرةً في أول عامَيْن من حكم الأسد الابن. ولأنه كان، كأبيه، مسكوناً بهاجسَي البقاء والأمن كأولويّتين لا تفصمان ولا تتقدّم عليهما أولوية أخرى؛ فقد وضِعت الأولويات الاقتصادية جانباً لحساب استنفار قوام الدولة الأمنيّ كاملاً بهدف تحصين النظام وتثبيته في مواجهة التغييرات المتسارعة التي ولّدها ١١ أيلول/سبتمبر في الإقليم.

وعلى الصعيد السياسي في الداخل السوري، سعى بشار الأسد في السنة الأولى من حكمه إلى تغيير الصورة القاتمة والصارمة لوجه الدولة الأمني لدى السوريين؛ وذلك بتجميل و”تحديث” صورتها وحسب لا تغيير بنيتها أو دورها بأية صورةٍ جدّيةٍ أو جذريةٍ. ولكن، حتى تلك التغييرات الشكلية كانت تُواجه من قبل من تمّت تسميتهم بـ”الحرس القديم” – رجال عهد الأب السابقين أمثال خاله وبيت سرّ أبيه محمد مخلوف، ومحمد ناصيف الرئيس السابق لفرع الأمن الداخلي ذو السمعة المرعبة والاتصالات الإقليمية الممتدة مع إيران وحزب الله، ومحمد الخولي رئيس إدارة المخابرات الجوية أكثر أجهزة أمن النظام توحشّاً، وآخرين – بالتحذير من المخاطر والارتدادات والاهتزازات المحتملة.

وبرغم هذه التحذيرات والتحفّظات فقد جرّب الأسد الابن فتح باب حريات إعلاميةٍ محدودةٍ في الإعلام الرسمي إضافةً إلى منح تراخيص تأسيس صحفٍ خاصّةٍ لأول مرةٍ بعد ثورة البعث عام ١٩٦٣، وتغاضى عن بدايات حراكٍ تمثّل في “منتديات” مجتمعٍ مدنيٍ جنينيٍ تمثّلت قمّة نشاطه فيما سُمّي “بيان الـ ٩٩” في أيلول/سبتمبر ٢٠٠٠ الذي تلاه “بيان الـ ١٠٠٠” في كانون الثاني/يناير ٢٠٠١. وقد طالب هذان البيانان، اللذان وقّع عليهما نخبة من المثقفين والمعارضين السياسيين، بـ “التعددية السياسية والفكرية” في ظل “سيادة القانون،” وبديمقراطية متعددة الأحزاب، وبرفع حالة الطوارئ المفروضة منذ العام ١٩٦٣، ومع أن النظام لم يعترف رسمياً بهذين البيانين ولا بالمنتديات التي أنتجتهما، فقد استجاب رأس النظام بسلسلةٍ من التدابير ذات الشكل الإصلاحي، كإعلان العديد من قرارات العفو وإطلاق سراح المئات من السجناء السياسيين وإغلاق سجن “المزة” سيّء السمعة في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٠٠. لكن عقوداً سابقةً من هيمنة الهاجس الأمني الذي بقي يُخضع كافة اعتبارات الدولة وتحركاتها الأخرى لمتطلّباته، كانت قد أدّت إلى “أمننة” المجتمع السوري برمّته (أي إلى تحوّله إلى التفكير والتصرّف وفقاً لأولويات الأمن) بصورةٍ شبه تامة.

وفي أحد الملفّات الأكثر أهميةً في عهد أبيه، بقيت علاقة الدولة بالإسلام السياسي مفصلاً تأسيسياً لسياسة النظام ورؤيته للبيئة السياسية في سوريا: ففي خلَد النظام، لم تكن ثمّة قوىً سياسيةٍ معارِضةٍ يُعتدّ بها سوى الإسلام السياسي. صحيحٌ أن نظام الأب كان قد اجتثّ أي أثرٍ منّظمٍ للعمل السياسي الإسلامي بصورةٍ جذريةٍ ودمويّةٍ في الثمانينات بعد المواجهة الكبرى مع تنظيم الطليعة المقاتلة والإخوان المسلمين؛ إلا أن الذاكرة المؤسّسية للنظام بقيت متكلّسةً حول تصوّر الإسلام السياسي وكأنه جذوة تحت الرماد لا تنطفئ قطّ، ويمكن لها في أية لحظةٍ أن تشتعل وتحرق كل شيء.

ولكن، وفيما كان ردّ نظام الأب هو الاجتثاث ومن ثمّ الحوكمة عن بعد لقطاعٍ دينيٍ حكوميٍ وغير حكوميٍ محدود الحجم والسلطة، فقد شرع نظام بشار الأسد فيما يسمّيه بييريه بعمليّة “التعاقد من الباطن” مع المؤسسات الدينية الإسلامية في سوريا. تقليدياً، بقيت الدولة البعثية في سوريا بمعزلٍ عن أية إدارةٍ عمليةٍ للقطاع الديني. استند هذا التوجّه إلى مفهوم “الحداثة البنيويّة” في الأيديولوجية البعثيّة، والتي ترى أن الدين عدوّ للحداثة يتوجّب محاربته وإقصاؤه عن الفضاء العام حتى يفسح المجال بانسحابه تدريجياً وبصورةٍ متسارعة للحداثة التي ستأخذ مكانه (بييريه ٢٠١٣، ص. ٨٩)، بحسب هذا المفهوم. في عهد الأسد الأب، بقيت الدولة ضعيفةً على الصعيد المؤسساتي وتفتقر إلى الموارد، وتهيمن عليها نخبة ذات غالبيةٍ أقلّوية طائفية وذات ميولٍ علمانيةٍ حداثوية. ولم يمكن بإمكان هذه النخبة تصوّر إمكانية انضمام مكوّنٍ سنّي إسلاميٍ قوي وذي تمثيلٍ إلى صفوفها. لذلك، فضّل النظام شكلاً من أشكال الإدارة عن بعد، أو ما يدعوه بييريه بـ”الحوكمة غير المباشرة.” في مثل هذا السياق، كان “التعاقد من الباطن” خياراً  أقل تعقيداً و” أكثر أمانًا من بناء المؤسّسات” (المرجع نفسه، ص. ٩٤). على أن نظام بشار الأسد، مدفوعاً برغبته في تغيير التحالف المجتمعي الذي يدعم أساسات نظامه باتجاه انفتاحٍ متزايدٍ (رغم كونه حذراً ومحدوداً) على البورجوازية السنّية المدينية، تلقّف اللحظة التي تلَت ١١ أيلول/سبتمبر ليخوض إدارةً مختلفةً لعلاقات الدولة مع التيارات الإسلامية. وكان من شأن هذه الخطوات الأولى الخجولة لبشار الأسد، أن تطلق أسلمةً ظاهريةً متصاعدة للفضاء العام في سوريا: فباتت مظاهر التديّن الخارجية أكثر وضوحاً بما فيها الصلوات والتجمّعات الدينية الجماعيّة العلنيّة، وانتشار ارتداء الحجاب بين النساء، وتزايد طباعة وبيع الكتب الإسلاميّة، وتزايد البرامج الدينية على شاشات تلفزيون الدولة. لم تمثّل هذه المظاهر تغييراً في جوهر النظام أو في منهجه في الحكم، بل مثّلت محاولةً لاستمالة (واحتواء) نمطٍ من الأسلمة “منزوعة السياسة” تكتفي ببعدها المجتمعيّ والشكلاني بهدف استمالة سنّة المدن الكبرى والأرياف وتغيير قاعدة تحالف النظام الاجتماعية (بحسب ما تمّت الإشارة إليه أعلاه).

وأخيراً، ففي السياسة الإقليمية، فقد ورث الأسد الابن الدور المحوريّ الذي خلقه نظام أبيه في المنطقة. كانت سياسة الأب قائمةً على تضخيم دور سوريا في ملفّات الإقليم الكبرى بأقل الكلف على نظامٍ فقيرٍ بالموارد، غنيٍ بالغرائز الأمنية والقوة العسكرية والرغبة والاستعداد في الانغماس في العنف أينما كان. وقد استعار الأسد الأب مفهوم المافيا في “ابتزاز التهديد-ثم-الحماية” وأطلق العنان له في علاقاته بالدول الإقليمية، عبر التحالف مع واستخدام مجموعات مرتزقةٍ، خصوصاً بعد اندلاع الحرب اللبنانية عام ١٩٧٥- وبالتحديد من صفوف بعض منظمّات اليسار اللبناني، والفلسطيني، والقوى الإسلامية فيما بعد. وكانت أعمال هذه التنظيمات التي باتت دمشق مستقَراً لمقرّاتها وقياداتها، ومركزاً لتدريبها وعونها الأمني واللوجستي والتسليحي، أداةً لمدّ أذرع نظام الأسد إقليمياً والضغط والابتزاز بهدف تحييد جيرانه أو تغيير خطّهم السياسي لما فيه مصالحه. وقد كان دخوله على خط الحرب الأهلية اللبنانيّة عن بُعدٍ، في العام الأول (دعماً سياسياً وتسليحاً لليسار اللبناني والفلسطينيين) ثم تدخلاً مباشراً في العام الثاني (دعماً لليمين اللبناني ومنعاً لهيمنةٍ محتملةٍ للفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين، الذين كان يدعمهم في البداية!) أمراً أساسياً في هذا السياق. بعد ستة عشر عاماً من التلاعب بالأوضاع وتغيير التحالفات المستمرّ بهدف إضعاف جميع اللاعبين المحليين والإقليميين الآخرين في لبنان، تمّ للنظام ترسيخ موقع سوريا في إدارة شؤونه. استغلّ النظام لحظة غزو الكويت عام ١٩٩١، ليقايض مع الأمريكان قبوله بإرسال قواتٍ سوريةٍ للمساهمة في تحرير الكويت والوعد بالمشاركة في محادثات سلامٍ مع إسرائيل بشرعنة هيمنته المطلقة على لبنان. ولدى وفاته في العام ٢٠٠٠، أورث حافظ الأسد ابنه مفاتيح لبنان الواقع بالكامل تحت الهيمنة السورية، ليكون جوهرة تاج نظام الأب في مجال السياسة الخارجية وفي هيبة النظام إقليمياً. وهو ما اتّضح في جنازة الأب، من تهافت كافة القيادات اللبنانية على دمشق والقرداحة (مسقط رأس آل الأسد، وموقع دفن حافظ الأسد) لأداء واجب التعزية بمظاهر بالغة التملّق والتزلّف.

بعد ١١/٩: عودة “الأمننة،” تباطؤ الاقتصاد، وتراجع استقلاليّة الدور الإقليميّ؟

بدأ عهد بشار الأسد بتفاؤلٍ كبيرٍ من قبل كثيرٍ من السوريين والمراقبين: فالابن لم يكن يبدو، من المؤشرات الأولى لتصريحاته وأفعاله، وكأنه حقاً “سرّ أبيه.” على أنّ هذا التفاؤل الأوّلي، سرعان ما أفسح المجال لسلسلةٍ من خيبات الأمل المتتابعة، تمثّل أوّلها في عمليّة الإصلاح الاقتصادي التي ما إن أُطلِقت حتى بدأت تتباطأ. فمن جهةٍ، كانت آليات إنفاذ سلسلة المراسيم والقوانين الجديدة التي أصدرها النظام لـ”إصلاح” الأداء الاقتصادي تحتاج بنيةً بيروقراطيةٍ كفوءةً وقادرةً – والأهم، راغبةً – في ذلك. وفي المقابل قد لاقت “الإصلاحات” قدراً لا بأس به من الممانعة البيروقراطيّة داخل الدولة “العميقة،” دولة البيروقراطيين الحزبيين المنتفعين والمتكلّسين حول مفاهيم وأساليب عهد الأب. وقد أفضي ذلك إلى أداءٍ غير مُرضٍ للاقتصاد السوري الذي لم يتقدّم بالقدر الكافي في الأعوام الأولى لحكمه. وتسبّبت الأزمات السياسية الإقليمية التي ولّدتها ظروف ما بعد ١١ أيلول/سبتمبر، وبالتحديد حرب غزو العراق عام ٢٠٠٣، وعقابيل أزمة اغتيال رفيق الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان عام ٢٠٠٥، في زيادة الضغوطات على الاقتصاد السوري. على أنّه ومع حلول العام ٢٠٠٧، وانقشاع الضغط الناجم عن عملية اغتيال رفيق الحريري في لبنان وإعادة تأهيل النظام إقليمياً ودولياً، وإعادة ترتيب البيت الداخليّ للنظام وتمكين بشار الأسد نفسه في قلب النظام؛ فقد عادت وتسارعت خُطى الإصلاح الوئيد حتى لحظتها وبدأت بجدٍّ عمليّة تحويل القطاع الاقتصادي للدولة. وهكذا تمّ تبنّي نهج “اقتصاد السوق الاجتماعي،” الذي بدأ العمل به عبر الخطّة الخمسية العاشرة [٢٠٠٦—٢٠١٠] (عبّود ٢٠١٥، ص. ٤٩).

وكما سبقت الإشارة، كان بشار- مثلما كان أبوه من قبل – مهجوساً باستقرار النظام وبقائه قبل أي شيء آخر، وعليه فقد فُصِّل هذا الإصلاح على قياس هذا الهاجس لكي يسهم في “تحقيق الاستقرار السياسي” لنظامه، أولاً وأخيراً (غراوي ٢٠١٥، ص. ٢١٠). كانت لحظة ١١ أيلول/سبتمبر هي تلك اللحظة التي كبحت خُطى النظام الخجولة في تجارب تخفيف السطوة الأمنيّة الفجّة (لا إلغاءها، بالطبع!) على كل مفاصل الحياة السورية، ومنها التخطيط والتنفيذ الاقتصاديّ، فقد عادت ذاكرة النظام الأمنيّة إلى صورتها الأولى، وأعادت تسيير الدفّة في كافّة قطاعات إدارة الدولة من خلال المنظور الأمني المتمثّل في بقاء وهيمنة النظام الكاملة على كل أوجه الحياة في سوريا. وقد أدّى هذا النمط من “الإصلاح” المدفوع بالهواجس الأمنية، فيما أدّاه، إلى تضخيم الاختلالات العديدةٍ في عملية تنفيذ الإصلاحات، وفي موضعها، وفي نتائجها. وكان أهم تلك الاختلالات وأكثرها تأثيراً هو الاختلال في موازين توزيع الثروة، وبالتحديد، في إسهام إصلاحات النظام النيوليبرالية (والارتجاليّة، في رأي الكثيرين) في “إعادة توزيع الثروة من الفئات ذات الدخل المنخفض إلى الفئات ذات الدخل المرتفع” من أصل النظام أو المرتبطة بها (مطر ٢٠١٦، ص. ١٣١—١٣٢)، وبالتالي، إلى اتّساع فجوة الدخل. انسحب النظام، باختصارٍ، من التزامه غير المكتوب بتأمين معيشةٍ بحد الكفاف لقاعدة تحالفه الشعبيّة السابقة، تاركاً إيّاها تنسحق أمام انفجار التضخّم وارتفاع الأسعار وانخفاض قدرتها الشرائيّة—وعاريةً من كلّ شبكات التأمين الاجتماعيّة السابقة. كان هذا هو الوضع الاقتصاديّ الذي أوصل سوريا إلى مشارف العام ٢٠١١، العام الذي انفجر فيه كل شيء. وكانت بدايات تشكّله بالصورة التي وصل إليها قد أخذت دفعةً كبرى مع وقوع أحداث ١١ أيلول/سبتمبر ٢٠٠١ ونتائجها.

كذلك انعكست لحظة ١١ أيلول/سبتمبر على سياسة النظام تجاه المجتمع المدنيّ الوليد، إذ لم يُطِل النظام انتظاراً: حيث قامت سلطات النظام باعتقال بعض أبرز قادة المجتمع المدني يوم ١١ أيلول/سبتمبر ٢٠٠١ نفسه! لا نعرف على وجه الدقة فيما إذا كان تزامن الحدثان عمداً، أو إن كان من قبيل المصادفة. لكن ما نعرفه بالتأكيد هو أن ما حصل في نيويورك، حوّل نظر المراقبين الدوليين وتخفيف الضغط الإعلامي عن النظام. فتراجع النظام عن “إصلاحاته” الشكلية، مستعيداً وجه الدولة الأمني إلى الواجهة، كما أشرنا أعلاه، مشرعَناً بصمت أو موافقة اللاعبين الدوليين أنفسهم الذين كانوا، قبل وقوع ١١ أيلول/سبتمبر، يضغطون بهدف تخفيف أو تعديل هذه الممارسات والتوجّه نحو “إصلاحاتٍ” ديمقراطية. وكان لهذا “الانفتاح” الجنينيّ الذي تمّ وأدُه بهذه الطريقة آثاره التي اتّضحت بجلاءٍ بعد عام ٢٠١١. إذ دفعت السلطة ضريبة إفراغها الحياة العامة للسوريّين من أية وسائل مؤسسيةٍ للتعبير عن الاختلاف السياسي وتسبّبت بوقوع انتفاضة الشعب السوري التي طالبت بإسقاط النظام، بصورةٍ تامةٍ وجذرية. كما كان أثر التعامل الفجّ مع قيادات ما يمكن الاصطلاح على تسميتهم بقيادات “المعارضة السياسية،” ومنعهم من التواصل مع الجماهير، أن يرسّخ حالة الفراغ السياسيّ في البلاد. وهو ما كانت له آثار بالغة السوء على إمكانات الفعل السياسي ما بعد الثورة، والأداء السياسي المتعثّر والمبعثَر لمن عارضوا النظام.

وفيما يخصّ تعامل النظام مع الإسلام السياسيّ، يمكننا تمييز جبهتين: جبهة الإسلام السنّي التقليدي غير-السياسي، وجبهة الإسلام السياسي، والجهادي بالتحديد. على الجبهة الأولى، وبعد ١١ أيلول/سبتمبر، شجّع المناخ الإقليمي والدولي المؤاتي النظام على اعتماد مقاربةٍ ذات شقّين: أولاهما كانت إضعاف دور وزارة الأوقاف، وتضييق حجمها ونطاقها عمّا كانت عليه سابقاً في عهد أبيه. حيث حاولت السلطة، في الواقع، التراجع عن “تأميم” الدين الذي كان مذهب الدولة في عهد حافظ الأسد، والتراخي بشأن المظاهر العلنيّة للشعائر والممارسات الدينية التقليدية. وثانيهما تجسّدت في إعادة تشكيل التحالفات بين النظام وطبقة رجال الدين، في اختلافٍ بيّنٍ مع سياسات نظام والده. وعبر عددٍ من الإيماءات الرمزية كما عن طريق إجراءاتٍ ملموسةٍ، حاول النظام بنجاحٍ لا بأس به استقطاب أعداء سابقين للنظام مثل قادة “جماعة زيد،” إحدى الحركات التعليميّة التي شاركت في معارضة نظام أبيه سابقاً (بييريه ٢٠١٣، ص. ٩٥). وقد أثبتت هذه السياسة بالتحديد نجاعةً، وإن محدودةً، في بدايات الانتفاضة السورية عام ٢٠١١. ففيما كانت المعارضة السياسية تطالب بإصلاحات ديمقراطية، قدّم رجال دينٍ يتمتّعون بشعبيةٍ كبيرةٍ، كمثَل محمد رمضان البوطي، دعمهم العلني الصريح للأسد ونظامه – بل وإدانةً صريحةً، كذلك، للتحرّكات الشعبية ضده (المرجع السابق، ص. ٩٦). على أن هذه الجهود لم تخلُ من ملامح الفشل وعوَز النجاح. فقد كان ثمن التقارب مع مجموعةٍ من رجال الدين هو السماح بأسلمةٍ متزايدةٍ للفضاء العام وبالهجوم الذي تعالَت نبرته – وإن بقي مهدّداً بالخوف من بطش النظام على الدوام – على أوجه العلمنة على اختلافها في المجتمع السوري، وعلى رموزها. كما أن رجال الدين هؤلاء، وبرغم التزامهم بعدم انتقاد النظام، بل وبدعمه حتى، “لم يتحوّلوا [أبداً] إلى حلفاء حقيقيين، واستمر انعدام الثقة على كلا الجانبين” (المرجع السابق) مما منحهم استقلاليةً أكبر في مواقفهم؛ حتى مشارف انتفاضة عام ٢٠١١، على الأقل.

أما على الجبهة الثانية، فقد مثّلت أحداث ١١ سبتمبر/أيلول، فيما مثّلت، علامةً فارقةً في تاريخ الإسلام الجهادي حوّلته فيها من لاعبٍ هامشيٍ إلى مركز الثقل في صناعة وصياغة السياسات الأمنية والعلاقات الدولية للعقدين التاليين. ومثّلت هذه اللحظة أيضاً منعطفاً هاماً لنظام بشار الأسد، فقد أدار النظام علاقته بالتيارات الإسلامية السياسية، والجهادية منها على وجه التحديد، بصورةٍ متصاعدةٍ من الاشتباك.

فبعد الاجتثاث العنيف لظاهرة الإسلام السياسي في الثمانينات، لم تعد هناك تهديدات تُذكر على الصعيد الداخلي لأمن النظام من هذه الناحية. على أن النظام عرض خدماته إلى الأمريكان بعد أحداث ١١ أيلول/سبتمبر في مطاردة واحتجاز واستجواب (وتعذيب) الإسلاميين. وفي مثالٍ بارزٍ على هذه المرحلة، قدّم النظام خدمات “الاستجواب-التعذيب بالوكالة،” (كما في مثال حالة المواطن الكندي ذي الأصول السورية ماهر عرَار، الذي حوّلته السلطات الكندية بعد احتجازه إلى الأمريكان الذين أرسلوه، بدورهم، إلى السوريين ليقوموا بعمليّة “استجوابهم” بالطريقة السوريّة). تلَت هذه المرحلة الأولى مرحلة لاحقة، قرّر فيها النظام التغاضي عن وجود التيارات الجهادية، بل وتحفيز تواجدها حتى في مناطق متعدّدة، خاصةً في المدن “الطرَفيّة” البعيدة عن دمشق، في الشمال والشمال الشرقي للبلاد. وثمة دلائل على تغاضيه عن نشاطاتها، بل ومدّ هذه التنظيمات بالتدريب والتسليح، وتشجيع وتيسير عبورها الأراضي السورية لمناكفة الأمريكان بعد احتلالهم العراق عام ٢٠٠٣، درءاً لمخاوف امتداد الحملة الأمريكية باتجاه النظام في سوريا. وبعد استتباب الأمر للتنظيمات الشيعية المسلّحة في العراق، والحملة الأمريكية المشدّدة لمحاربة تنظيمات الإسلام السنّي الجهادي، هرب الكثير من قيادات وعناصر هذه التنظيمات عائدين إلى سوريا، حيث قبض عليهم النظام وأودعهم سجونه، في تكرارٍ لمشهد الثمانينات.

وبقي عناصر هذه التنظيمات في سجون النظام، حتى لحظة اندلاع انتفاضة السوريين في العام ٢٠١١؛ حيث اتّخذ النظام قرار إطلاق سراح أشدّ قيادات الإسلام الجهادي تصلّباً من سجونه ومعتقلاته في حملات متتابعة للعفو العام لم تشمل، بالمقابل، الكثيرين من المعارضين غير الإسلاميين، وغير الحركيين أو المسلّحين. وكان الرهان، الذي كسبه النظام بعد مدةٍ ليست بالطويلة، هو ترك وتحفيز هؤلاء على تحويل الحراك السلمي القائم على التظاهر الجماهيري المدني إلى مواجهاتٍ مسلّحة مقابل النظام، الذي بدوره صوّر حراك السوريين بوصفه تكراراً لإرهاب الجماعات المسلّحة ووقوفه على الجانب “الصحيح” من مرويّة “الحرب العالمية على الإرهاب” ضد هذه الجماعات.

وأخيراً، على الصعيد الإقليمي، فقد بدأت مرحلة أفول الدور السوري كمركزٍ “مستقلٍ” لصناعة السياسة في الإقليم. فواحدة من تبعات أحداث ١١ أيلول/سبتمبر كانت غزو العراق عام ٢٠٠٣، بحججٍ متعددّةٍ كانت واحدةً من أهمّها دعم نظام صدّام حسين لتنظيم القاعدة وإيواءه في العراق. دفع ذعر النظام من غزوٍ أمريكيٍ محتَملٍ والإطاحة به، بمقابل انكشافه استراتيجياً، إلى أمرَين هامّين، كان لهما أثر كبير في تشكيل صورة وضع النظام الإقليمية وتحالفاته لحظة وقوع الثورة السورية عام ٢٠١١. كان أوّلهما، هو اختلال التوازن في العلاقة الإستراتيجية مع إيران. ففيما كان نظام الأب يقف على قدم المساواة مع الإيرانيين – لا بل أنه كان ذا سبقٍ فيما يخصّ الوضع اللبناني، وبالتالي، كانت له اليد الطولى في ضبط تحالف إيران وحزب الله – فقد مالت الكفّة بعنفٍ لصالح إيران وازدياد سطوتها على النظام وقراره الإقليمي، مع ضعف موقفه الإستراتيجي وانكشافه، وحاجته المتصاعدة والوجوديّة للدعم الإيراني ليضمن بقاءه. أما ثانيهما، فقد كان متمثلاً بالتصلّب والقرارات المرتَجلة والهوجاء في الشأن اللبناني. وكانت أهمّ تلك التصرّفات هي استعداء رفيق الحريري، ومحاولة تحجيمه، وتمرير التجديد بالإكراه لرئاسة إميل لحّود، ودفع الأمور إلى مواجهةٍ جبهيةٍ مع قوىً لبنانيةٍ عديدة، انتهت بالاغتيال الدراماتيكيّ لرفيق الحريري يوم ١٤ شباط، ٢٠٠٥. تداعت الهيمنة السورية التي استمرّت ٣٠ عاماً في ظرف أسابيع، واضطرّ النظام تحت ضغط دوليٍ عنيفٍ إلى انسحابٍ مذلٍّ وعاجلٍ من لبنان أدّى إلى تآكلٍ متسارعٍ لما تبقّى من دورٍ إقليميٍ مستقلٍ له.

١١ أيلول/سبتمبر: لحظة فاصلة؟

بناءً على كل ما تقدّم، ترتسم أمامنا صورة النظام على عتبة ثورة السوريين في ٢٠١١: صورة نظامٍ حاول أن يقدّم شكلاً محدّثاً لنفسه، بهدف استدامة بقائه في السلطة. كان رهان بشار الأسد قائماً على أن الاكتفاء ببضعة “إصلاحاتٍ” شكلانيّةٍ سياسياً، وتغيير شكل الاقتصاد، سيفضيان إلى ترسيخ دعائم السلطة وتقديم الرخاء. لكنه احتاج إلى فترةٍ حتى يستتبّ له الأمر داخل بنية النظام، وقد حاول استغلال وتوظيف كل الظروف الخارجية حتى يتحقّق له ذلك. ورأيي، في هذه المقالة، هو أن لحظة ١١ أيلول/سبتمبر قدّمت للرئيس الجديد ساعتها تحدّياتٍ جذريةٍ وخطيرة، على أنها قدّمت في طيّاتها كذلك فرصاً قام باستغلالها. لم تكن، بهذا المعنى، تلك الديناميّات التي أطلقتها لحظة ١١ أيلول/سبتمبر وما تلاها، عاملاً مسبّباً للتغييرات التي طرأت على بنية وسلوك النظام؛ لكنّها قدّمت عاملاً محفّزاً  وشكّلت نقطة علّامٍ في مسيرةٍ كانت قد بدأت متردّدةً، بين تغييراتٍ سطحيةٍ أو عميقة وبين تبديلٍ في خطّ سير النظام أو البقاء. وكان أن انتصرت غرائز النظام العميقة باتجاه الانقضاض على كلّ الفضاءات الضئيلة التي فتحتها السنتين الأولَيَيْن وإعادة تسيير النظام على منهجه الموروث – وإن بتغييراتٍ في المظاهر والواجهات. وقد أدّى هذا المسار إلى استمرار وتجذّر، بل ومفاقمة، بعضٍ من أزمات النظام المزمنة؛ الأمر الذي أدّعي أنه كان له دور حاسم في الحالة التي وصلت إليها سوريا في ١٥ آذار عام ٢٠١١، لحظة قيام الانتفاضة السورية على النظام.

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.