اختراع (الشذوذ الجنسي) وتحولاته

سلطان العامر

كاتب المقالة

سلطان العامر

كاتب وطالب دكتوراة في العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن.

لم يستخدم العرب والمسلمون مصطلح “الشذوذ الجنسي” لوصف العلاقات الجنسية المثلية قبل القرن العشرين. فعلى امتداد ما يقارب الثلاثة عشر قرناً الأولى للإسلام، تطرق جمع غفير من الفقهاء والمفسرين والمحدثين والشعراء والأدباء للعلاقات الجنسية وأنواعها المختلفة بما في ذلك العلاقات القريبة لما نعتبره اليوم “علاقات مثلية” لكن دون أن يصفها أيّاً منهم بـ”الشذوذ”. ومع هذا الغياب الكلي للمصطلح في التراث العربي الإسلامي، إلا أن الخطاب العربي الحديث المعادي للمثلية يتعامل مع مصطلح “الشذوذ الجنسي” باعتباره مسألة حياة أو موت. فعلى سبيل المثال، في بحثها ظاهرة الشذوذ في العالم العربي: الأسباب والنتائج وآليات الحلول، ذكرت الدكتورة نهى قاطرجي أن أول وسيلة لمحاربة الشذوذ تتمثل بـ”التشديد على استخدام مصطلح الشذوذ الجنسي عند الحديث عن هذا الفعل، ورفض استبداله بمصطلح “المثلية الجنسية” المحايد الذي يعتبر مجرد توصيف لما يسمى الميل الجنسي للفرد، دون أن يحتوي على أي حكم أخلاقي بتحريمه ورفضه”.

إن هذا التصوّر الذي تقدمه قاطرجي والذي يتعامل مع مصطلح “الشذوذ الجنسي” باعتباره مصطلح أخلاقي ومتحيز ضد المثلية الجنسية منتشر بشكل كبير، ويشترك فيه المناصرون للمثلية والمناهضون لها. فالمناصر يطالب بشطب هذا المصطلح لأنه مسيء للمثليين، أما المناهض فيرفض مصطلح المثلية لأنه يرى في استخدامه نوعا من التصالح مع القيم والمثل الغربية وتطبيعا للظاهرة ولهذا السبب يتمسك بمصطلح الشذوذ الجنسي.

سيكون مفاجئا للفريقين- المناصر للمثلية والمناهض لها- أن يعلموا أن مصطلح الشذوذ الجنسي ترجمة لمفهوم غربي حديث وأنه لا وجود له أبداً في التراث العربي الإسلامي. وسيكون مفاجئا كذلك أن يعرفوا أنه عندما دخل مصطلح “الشذوذ”  المعجم العربي لم يكن محمّلا بأي أحمال أخلاقية، بقدر ما تم التعامل معه على أنه مصطلح طبيّ ونفسيّ وقانونيّ. وسيكون مفاجئا كذلك أن يعرفوا أنه عند دخوله لهذا المعجم كان ترجمة لمصطلح (abnormality) أو (deviance) وهو مفهوم غير محصور بالسلوك الجنسي ولا بالمثلية الجنسية، وأنه عندما بدأ مثقفو النهضة العربية الحديث أول مرة عن “الشذوذ الجنسي” لم يكونوا يقصدون به المثلية الجنسية (Homosexuality) بل قصدوا به (Sexual abnormality) وهو مصطلح عام يدخل تحته الكثير من الممارسات الجنسية التي كانت تعتبر في مجالات علم النفس والتناسليات ممارسات شاذة (مثل السادية، والمازوخية، والفتشية، والاستمناء، والدعارة، والتعري العلني…إلخ). وستكون آخر مفاجآتهم أن يعرفوا أن مصطلح “المثلية” قديم قدم مصطلح الشذوذ نفسه وأنه كان أول ترجمة لمصطلح (Homosexuality). وسأثبت في هذه المقالة كل هذه “المفاجآت”، وبعد أن أفرغ من إثباتها سأرسم خطوطا عريضة لأهم المحطات التي بدأ ينزاح معها المعنى الدلالي لمصطلح الشذوذ الجنسي ليصبح أولاً محصوراً بالمثلية الجنسية، وثانيا معبأً بالحمولة الأخلاقية.

غياب “الشذوذ الجنسي” في التراث الإسلامي

لنبدأ أولا بتبيان غياب مصطلح “الشذوذ الجنسي” في التراث العربي الإسلامي، ثم بعد ذلك ننتقل لتبيان أن هذا التراث لم يستخدم أي مصطلح آخر للإشارة لظاهرة المثلية. فإذا ذهبنا لمادة “شاذ” في معجم لسان العرب الذي كتبه ابن منظور بعد مرور سبعة قرون من هجرة النبي واستند فيه على أمهات المصادر اللغوية في التراث العربي الإسلامي، سنجد أنه يذكر أن “شذّ” تعني “انفرد عن الجمهور وندر”، ويكون القوم “شذاذاً” إذا “لم يكونوا في منازلهم ولا حيّهم”، و”شذّاذ الناس” هم “الذين يكونوا في القوم ليسوا في قبائلهم ولا منازلهم”. ثم بعد ذلك يقتبس حديثا للرسول يتحدث فيه عن قوم لوط يرد فيه اللفظ لكن ليس بالمعنى الحديث المتداول حالياً. ينقل الزمخشري في الفائق في غريب الحديث عن قتادة عند حديثه عن مدائن قوم لوط قوله: “ذُكر لنا أن جبرائيل أخذ بعروتها الوسطى، ثم ألوى بها في جوّ السماء حتى سمعت الملائكة ضواغى كلابها، ثم لوى ثم جرجم بعضها على بعض، ثم أتبع شذان القوم صخرا منضودا“. والمعنى هنا- كما ذكره الهروي في كتاب الغريبين في القرآن والحديث– “أنه رمى بقاياهم بكل مكان”. أي أن اللفظ لم يستخدم بما يدل على المثلية الجنسية حتى عند الحديث عن قوم لوط.

هذا فيما يتعلق بالمعنى اللغوي المعجمي، أما إذا نظرنا لتوظيف مصطلح الشذوذ في التراث العربي الإسلامي، فإننا سنجد أنه استخدم في عدد من العلوم للدلالة على عدة معان ليس من بينها أي إشارة للسلوك الجنسي. ففي اللغة، يذكر الجرجاني في كتاب التعريفات أن “الشاذ ما يكون مخالفا للقياس من غير نظر إلى قلة وجوده وكثرته”. أي أن الشاذ من الكلام هو ما يتحدى المقاييس العقلية التي يصوغها النحاة، فلا تنطبق عليه، ولكنه في نفس الوقت مقبول عند الفصحاء والبلغاء. ومصطلح الشذوذ لا يفيد القلّة، فالشاذ من الكلام كثير. يقول الجرجاني: “والفرق بين الشاذ والنادر… الشاذ يكون في كلام العرب كثيرا لكن بخلاف القياس، والنادر هو الذي يكون وجوده قليلا لكن يكون على القياس”. وإذا انتقلنا من النحو لمصطلح الحديث، نجد أن من بين الأصناف التي يصنف بها المحدثين الأحاديث صنف “الشاذ”، ويحدده ابن الصلاح في مقدمته بأنه إذا “انفرد الراوي بشيء نُظر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفاً لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا… إلخ”. ونلاحظ في هذه الاستخدامات الاصطلاحية، أن الشذوذ لا يأتي مقابل الطبيعي، بل يأتي مقابل القياس والأولى، وأنه لا يحمل أي حمولة أخلاقية سواء بالسلب أو بالإيجاب.

والمسألة لا تتوقف عند أن التراث العربي الإسلامي لم يستخدم لفظ الشذوذ للإشارة للمثلية الجنسية، بل إن هذا التراث لم يكن فيه مصطلح للمثلية الجنسية كما نفهمها اليوم. وهذه هي النتيجة التي توصل إليها أستاذ تاريخ الفكر الإسلامي خالد الرويهب في كتابه ما قبل المثلية الجنسية في العالم العربي والإسلامي ١٥٠٠-١٨٠٠. فمصطلح المثلية الجنسية يشير لظاهرة حديثة تضم تحتها ليس فقط الممارسة الجنسية بين شخصين من نفس الجنس، بل كذلك مجرد الميل والاشتهاء الجنسي ولو بدون ممارسة، والتلذذ الجمالي بشخص من نفس الجنس ولو بدون اشتهاء، والحب بين شخصين من نفس الجنس. ويوضّح ميشيل فوكو، في كتابه تاريخ الجنسانية، حداثة مصطلح “المثلي” بمقارنته بمصطلح أوروبي آخر قريب منه كان يستخدم قبله وهو مصطلح “السدوميّ” نسبة لبلدة سدوم إحدى قرى قوم لوط في الكتاب المقدس. فالسدومية في المدونات القانونية الأوروبية السابقة للقرن التاسع عشر كانت “صنفا من الأفعال المحظورة”. أما المثلي فقد أصبح “شخصا: له ماض وتاريخ حالة وطفولة وطبع ونمط حياة وشكل خارجي أيضا مجموعة أفعال”. إن هذا الانتقال من الفعل الجنسي المحظور للفاعل وليس المفعول به، إلى الميل والحب والشخصية للمثلي يعني أننا نتكلم عن موضوعين غير متطابقين وإن كانا متداخلان.

وعندما تفحص الرويهب مدونة التراث العربي الإسلامي في الفترة السابقة لعصر النهضة العربي، وجد أنه على عكس كلمتي “مثلي” أو “شاذ” الحديثتان والتين تشيران لكلا طرفي العلاقة المثلية، أي الفاعل والمفعول، فإن المصطلحات المستخدمة في التراث العربي الإسلامي تفرق بين الطرفين: فالفاعل غالبا ما يسمى بـ”اللوطي” في حين أن المفعول به غالبا ما يسمى بـ”المخنث” أو “المأبون”. ولفظ “لوطي” مشتقة من اسم النبي لوط وليس من الجذر اللغوي ل-ا-ط، لأن هذا الجذر اللغوي له معاني متعددة ومختلفة عن المثلية الجنسية، مثل معنى الإلتصاق. فمن يلصق بالرجل في النسب يسمى “مستلاط”، وينقل ابن منظور أن معنى “إني لأجد له في قلبي لوطا” هو “الحب اللازق في القلب”. وعندما عدّدت عائشة أنواع الأنكحة التي كانت سائدة قبل الإسلام ذكرت نوعا يدخل فيه مجموعة كبيرة من الرجال على امرأة لا ترد أحدا منهم، فإذا حملت وولدت جاء القفاة “ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به ودعي ابنه”، ومعنى “التاط به” هنا أي ألحق به. وعندما يتم الحديث عن اللوطي في التراث فإنه يتم التعامل معه ليس باعتباره “غير طبيعي”، بل باعتباره فاسق مثله مثل شارب الخمر والزاني.

ومقابل اللوطي، نجد مصطلح المأبون وهو مصطلح طبي يشير للشخص المصاب بمرض “الأبانة”، وهذا المرض إذا أصاب الشخص يدفعه للرغبة في أن يأتيه الرجال من الخلف. كما نجد أيضا مصطلح المخنث ومعناه الرجل الذي يتميع ويتمايل- وبالتالي يتصرف بتصرفات لا تستقيم مع ما هو متوقع من الرجل- ولكن صار هذا المصطلح مرتبطا بالمفعول به. وفي صحيح البخاري، هناك حديث عن أم سلمة زوجة النبي وأن النبي كان في بيتها وكان هناك مخنث، فقال المخنث لأخي أم سلمة “إن فتح الله لكم الطائف غدا، أدلك على بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان”، فقال النبي: “لا يدخلنّ هذا عليكن”. ونقل ابن رجب عن الطبري أنه استدل بهذا الحديث على ترك ذم من كان “تخنثه في أصل الخلقة”، أي من كان تخنثه وراثيا، وهذا جليّ في أن المدونة التراثية كانت تفرق بين التخنث الوراثي وغير الوراثي، إذ يقول ابن رجب: “والمخنث بكسر النون وبفتحها من يشبه خلقه النساء في حركاته وكلامه وغير ذلك، فإن كان من أصل الخلقة لم يكن عليه لوم وعليه أن يتكلف إزالة ذلك، وإن كان بقصد منه وتكلف له فهو المذموم ويطلق عليه اسم مخنث سواء فعل الفاحشة أو لم يفعل”.

وإلى جانب غياب مصطلحات تصف المعنى الحديث للمثلي أو الشاذ في التراث العربي والإسلامي، فإن هذا التراث لم يجد حرجا في الغزل بين الأشخاص من نفس الجنس. فالرويهب ينقل عن بحار انجليزي اسمه جوزيف بيت تم اختطافه واستعباده في الجزائر في عام ١٦٧٨، ومكث هناك خمسة عشر سنة قبل أن يهرب لبلاده ليكتب عن تجربته، حيث يصف المجتمع الجزائري بأنه ” لا يكتفي بعدم معاقبة خطيئة السدومية العظيمة بل كان جزءا من حديثهم المعتاد أن يتفاخروا بأفعالهم المستقذرة من هذا النوع. فمن المعتاد للرجال هناك أن يقعوا في حب الغلمان بمثل ما هو معتاد للرجال هنا في إنجلترا أن يقعوا في حب النساء”. والقصائد التي كتبت في حب الغلمان شائعة ومنتشرة في المدونة التراثية شارك في كتابتها كثير من العلماء الدينيين. فالرويهب ينقل قصيدة رئيس الأزهر الشيخ الشبراوي التي يقدم لها بقوله: “وقلت أيضا متغزلا بشاب كان يقرأ علي فنون الأدب :

يا أَيُّها الظَبي الَّذي    حركاتُه شرك الأَنام

ماذا فَعَلت بِعاشِقٍ     فَلق الحَشى بادى السِقام

جم الهموم مُتيم    دَنف بحبك مُستَهام

يَهتَزُّ من طرب اِذا   أَنعَمت يَوماً بِالسَلام

وَاِذا مَرَرت يصيح ما   أَحلاكَ في هذا القَوام “

 وهذا اللون من الحب كان منتشرا ومعتادا في المجتمعات العربية والإسلامية لدرجة أن رفاعة الطهطاوي عندما زار باريس ذكر أن “من الأمور المستحسنة في طباعهم، الشبيهة حقيقة بطباع العرب [والعرب هنا تعني البدو]، عدم ميلهم إلى الأحداث… فهذا أمر منسي الذكر عندهم، تأباه طبيعتهم وأخلاقهم، فمن محاسن لسانهم وأشعارهم أنها تأبى تغزل الجنس في جنسه، فلا يحسن في اللغة الفرنساوية قول الرجل: عشقت غلاما؛… فلذلك إذا ترجم أحدهم كتاب من كتبنا… فيقول في ترجمة تلك الجملة (عشقت غلامة) أو (ذاتا)”. ثم يعلق على ذلك بأن الحق معهم في هذه المسألة، ثم يستشهد بقصيدة الشاعر الشيخ عباس اليمني التي يرد فيها على من لامه بأنه لا يحب الفتيان:

كلفت بسُعدَى والرباب وزينب  ولم أعتبر آس العذار ولامه

ولا اخترت تشبيبًا بأمرد مذهبًا وإن ذم طبعي من يراه ولامه

التناسليات الحديثة واختراع “الشذوذ الجنسي”

أظن هذه الجولة كافية لتوضيح أن مصطلح الشذوذ الجنسي لم يستخدم في التراث الإسلامي لوصف العلاقة المثلية، وأن المصطلحات القريبة منه لم تكن تتناول نفس الظاهرة. لننتقل الآن لتتبع كيفية دخول هذا المصطلح للمعجم العربي الحديث. ففي بدايات القرن العشرين، ظهر هذا المصطلح في اللغة العربية، ولكنه عند ظهوره لم يكن يعني المثلية الجنسية أو (Homosexuality)، بل كان ترجمة لـ(Sexual Abnormality) وهو مصطلح عام يشير لكافة المظاهر الجنسية التي كانت تعتبر “غير عادية” وتشمل العديد من الممارسات الجنسية (كالاستمناء، والسادية، والمازوخية، وغيرها). وكان أوائل من قاموا بهذه الترجمات هم المتخصصين بعلم النفس والأمراض العقلية العرب. ففي عام 1946م، صدر كتاب عنوانه أسس الصحة النفسية للدكتور عبد العزيز القوصي، وفي آخره ثبت بأهم المصطلحات الإنجليزية نجد فيه أن مصطلح (الشذوذ الجنسي) يأتي ترجمة لكلمة (Sexual Abnormality) في حين أن (الجنسية المثلية) هي الترجمة المستخدمة لمصطلح (Homosexuality). وفي نفس السنة، نشر الدكتور صبري جرجس كتابه مشكلة السلوك السيكوباتي والذي ضمنه ثبتا بالمصطلحات الإنجليزية، وفيه وضع (جنسية مثلية) ترجمة لـ(Homosexuality)، ووضع (شاذ) ترجمة لـ(abnormal).

وإضافة للغة العربية العلمية، فإن اللغة العربية الصحفية السائدة في النصف الأول من القرن العشرين كانت تستخدم الشذوذ الجنسي بنفس الطريقة. فعلى سبيل المثال، كتب الكاتب المصري حسن جلال في مجلة الثقافة مقالا بعنوان الجريمة والشذوذ الجنسي في عام 1946م، وذلك تعليقا على سلسلة جرائم حدثت في الإسكندرية كان المجرم فيها يقتل ضحاياه من النساء بعد اغتصابهن. فحسن جلال اعتبر سلوك هذا المجرم يدخل ضمن “السادية” وهي بالنسبة له- بالإضافة للمازوخية (أو الماسوكية كما يسميها)- تعتبر من الشذوذ الجنسي.

ولفظ الشذوذ في تلك الفترة لم يكن محصوراً بالسلوك الجنسي، فالدكتور عبد العزيز القوصي الذي تكلمنا عن كتابه قبل قليل لم يكن مجرد متخصص أكاديمي، بل لعب دورا مهما في نقل المعرفة النفسية المنتشرة في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في ذلك الوقت إلى مصر، وذلك عندما تأسست في مصر “العيادة الطبية السيكولوجية” ملحقة بمعهد التربية التي كانت تعنى بـ”الأطفال الشواذ” والمقصود بالشذوذ هنا ليس السلوك الجنسي. ففي مقالته المعنونة بالأطفال الشواذ والتي نشرت عام 1936م ذكر مدير المعهد أمين سامي حسونة تقسيمه الثلاثي للأطفال: موهوبين وعاديين وشواذ، ثم راح يقسم الشذوذ لثلاثة أقسام: شذوذ جسمي، شذوذ عقلي، وشذوذ حسي.

إن هذه المعاني المتعددة للشذوذ التي كانت سائدة في النصف الأول من القرن العشرين تعود بجذورها لتطورات حدثت في مجالات متعددة على رأسها علم النفس والأمراض العقلية في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في أوروبا والولايات المتحدة. وكما يشرح ميشيل فوكو في كتابه تاريخ الجنسانية وبشكل أكثر وضوحاً في سلسلة محاضراته المنشورة بعنوان الشاذ،  فإن الشاذ هو المسخ الحديث. فقبل العصر الحديث، كان المسخ يتصوّر باعتباره اعتداء على الطبيعة باعتباره مزيجا بين عناصر لا تمتزج، مثل المسخ الإسطوري الذي يأتي على شكل نصف إنسان ونصف حيوان. وهؤلاء مسوخ لأن وجودهم يمثل تحديّا لأصناف الطبيعة وقوانينها كما فهمها القدماء. لكن في العصر الحديث، كفّ المسخ أن يكون مزيجا من عناصر طبيعية متنافرة، وأصبح- كما يقول فوكو- أولئك الذين يعتدون على أعراف وعادات وتقاليد المجتمع. وهؤلاء يفعلون ذلك إذا كانوا يمثلون انحرافا بسيطا أو اختلالا عما يجب أن تكون عليه الأشياء. وبهذا المعنى الجديد، يصبح المسخ مسخاً ليس بسبب مخالفته للطبيعة، بل بسبب مخالفته للمألوف، والمألوف أساسه المجتمع وقيمه وأعرافه، ومخالفته لا تقتصر على الهيئة، بل أيضا على السلوك والأخلاق والعقل. وضمن هذا المعنى الحديث للمسخ، تولّدت مجالات جديدة من المعارف الحديثة، أهمها طب الأمراض العقلية وعلم النفس والتناسليات، مهمتها دراسة وتحديد الشاذ، وهي أثناء قيامها بذلك قامت أيضا بتحديد المألوف الذي بالنسبة إليه يتحدد الشاذ. بدأ المتخصصون بهذه المعارف شيئا فشيئا يتحولون للسلطة المعرفية والعلمية التي تلجأ إليها السلطات السياسية والقانونية الحديثة لتحديد السلوك الشاذ.

هذا هو السياق الذي بدأت ضمنه دراسة الممارسات الجنسية المخالفة للمألوف واعتبارها شذوذا جنسيا. وكان الكتاب الأول الذي أحدث نقلة في الموضوع، بحسب العرض التاريخي الذي قدمه كل من أندرياس دي بلوك وبيتر أدريانس، هو كتاب النمساوي ريتشارد فون كرافت إيبنج الإعتلال النفسي الجنسي والمنشور عام ١٨٨٦. والصورة التي يرسمها هذا الكتاب للسلوك الجنسي هي : قضت الطبيعة البيولوجية بأن تنطلق قوة جنسية في الإنسان من لحظة البلوغ لتبدأ بالخبوّ والاضمحلال بعد سن الأربعين، والشكل البيولوجي المألوف والطبيعي للتعامل مع هذه القوّة هو في تفريغها على شكل جماع عبر الأعضاء التناسلية بين فردين بالغين من جنسين مختلفين، والسبب في اعتبارها الشكل الصحيح لتفريغ الطاقة الجنسية هو أنها الطريقة الوحيدة التي تؤدي لغاية هذه الطاقة وهي الإنجاب. ومن هذا المنطلق، قسم الكتاب الاعتلالات أو الشذوذات الجنسية لأربع فئات: أ) شذوذات ناجمة عن ضعف في الشهوة الجنسية، وب) شذوذات ناجمة عن شدتها، وج) شذوذات ناجمة عن ظهورها قبل موعدها البيولوجي المألوف، ود) شذوذات ناجمة عن صرفها لغير موضعها الصحيح، والمقصود بالموضع الصحيح هو الموضع الإنجابي عبر الممارسة من خلال الأعضاء التناسلية بين الذكر والأنثى. بعد ذلك، قام كرافت إينج بتقسيم شذوذات القسم الرابع هذا لأربعة أصناف: السادية، والمازوخية، والعزوف، والفتشية، ووضع تحت الممارسات العازفة عن الجماع الإنجابي بين الأعضاء التناسلية كل من المثلية الجنسية، والتخنث، وممارسة الجنس مع جثث الأموات، ومع الحيوانات وغيرها. والمصطلح الذي استخدمه إيبنج للمثلية الجنسية في كتابه هو (Homosexuality) وكان قد استعاره من كتاب نشره جوستاف ياجر بعنوان اكتشاف النفس، وجوستاف أخذ هذا المصطلح من المصلح النمساوي-الهنقاري كارل ماريا كيرتبني الذي نحت المصطلح في أواخر الستينات من القرن التاسع عشر الميلادي، حيث كان من أوائل من طالب بإلغاء تجريم المثلية في النمسا معتبرا إياها داخلة ضمن الحريات الشخصية وإنها ميل وراثي يولد المرء عليها، وبسبب انتشار كتاب إيبنج تعمم هذا المصطلح وانتشر في اللغات الأوروبية.

جاءت النقلة الجديدة مع سيجموند فرويد الذي قدم إطارا نظريا مختلفا نتج منه إخراج المثلية من قائمة الشذوذات الجنسية المرضية. ففي عام ١٩٠٥، وفي ثلاث مقالات عن النظرية الجنسية، استند فرويد على كرافت إينبج في تقسيمه للانحرافات (أو الشذوذات) الجنسية ضمن فئتين: انحرافات مبنية على الغاية الجنسية، وانحرافات مبنية على موضوع الجنس، وأدرج وطء المرأة في الدبر، والجنس الفموي، والسادية والمازوخية وغيرها ضمن الفئة الأولى، في حين أدرج المثلية الجنسية والجنس مع الأطفال والجنس مع الحيوانات ضمن الفئة الثانية. لكن الجديد الذي جاء به فرويد هو أنه أولاً اعتبر أن الطفل يولد شاذا، أو باعتباره “كائن متعدد أشكال الإنحراف الجنسي”. أي أن لدى الطفل منذ لحظة ولادته العديد من الغرائز الجنسية غير المكتملة. وبالتالي فإن ما يحدث للإنسان أثناء عبوره مرحلة الطفولة سيحدد ما إذا سيكون بعد بلوغه الجنسي “طبيعيا” أم “شاذا”. أما الأمر الجديد الآخر فهو أنه في تحديده للشذوذات الجنسية المرضية ركّز على هيمنتها على الشخص. فالإنسان الذي يهيجه الخضوع جنسيا ليس مصابا بمرض المازوخية، لكنه يكون مريضا إذا كان لا يهيجه أي شيء آخر إلا الخضوع. وأرجع فرويد هذا الشذوذ المرضي لكونه نتيجة لتعلّق المرء أثناء مرحلة الطفولة بهذه الغريزة أو تلك ثم يرتد إليها بعد البلوغ.

إذا كان الشذوذ الجنسي المرضي عند فرويد يرجع لتعلّق المرء أثناء طفولته بإحدى غرائزه الجنسية غير المكتملة، فماذا يفسر هذا التعلّق الذي يحدث عند الطفل؟ احتاج فرويد لعشرين سنة حتى يقدم إجابته على هذا السؤال وذلك في مقالة صغيرة عن الفتشية نشرها عام ١٩٢٧م. وملخص هذه النظرية أن كل الشذوذات الجنسية المرضية ناجمة عن إنكار الصدمة النفسية الناتجة عن قلق الخصاء المصاحب لعقدة أوديب التي لا مفر لأي طفل منها. وعقدة أوديب هي الزعم بأن كل طفل يمر بمرحلة يشتهي فيها أمه إن كان ذكرا أو أباها إن كانت أنثى ويكره أباه أو تكره أمها، ويصاحب هذه العقدة اكتشاف الطفل أن الطفل المغاير له بالجنس يحمل أعضاء تناسلية مختلفة: فالأنثى تكتشف أنها بلا قضيب، والذكر يكتشف أنه وحده لديه القضيب، فينشأ بسبب هذا الاكتشاف ما يسميه فرويد بـ”قلق الخصاء”، أي أن الطفل الذكر يبدأ يخاف من فكرة حرمانه من قضيبه، والطفلة الأنثى تبدأ تستهلكها فكرة حسد الذكر على قضيبه. وهكذا، أرجع فرويد كل الشذوذات الجنسية لـ”قلق الخصاء” هذا: فطريقة تعامل الطفل مع هذا القلق هو الذي يحدث لديه التعلّق بإحدى غرائزه الجنسية التي ستحدد مصيره مستقبلا. وما يهمنا من هذا الإطار النظري الفرويدي للتعامل مع الشذوذات الجنسية هو أن المثلية لم تعد شذوذا جنسيا مرضيا، ذلك أنها لا تنتج من قلق الخصاء المرتبط بالعقدة الأوديبية.

وبالتوازي مع هذه التطورات في المجال النفسي، نجد تطورا في مجال معرفي كان يعرف آنذاك بـ”التناسليات” وهي ترجمة لـ(sexology). ذلك أن استخدام مصطلح “الجنس” ترجمة لـ(sex) ليس له أصل كذلك في التراث العربي الإسلامي، وأن هذا المعنى مستحدث ليتواءم مع اللغة الإنجليزية التي يستخدم فيها اللفظ (sex) للإشارة للنوع الجنسي وكذلك للعملية الجنسية، وكان في بدايات عصر النهضة يتنافس مع لفظ “التناسلية” الذي انحسر استخدامه فيما بعد ما عدا في مجالات ضيقة مثل الحديث عن الأمراض التناسلية والتي يقصد بها الأمراض الجنسية. ومن أهم المفكرين التناسليين في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين نجد أسماء مثل الإنجليزي هافلوك إليس، والألماني ماجنوس هيرتشفيلد، والسويسري أوغست فوريل الذي كتب كتاب “المسألة الجنسية”. وكان هؤلاء منخرطين في برنامج إصلاح جنسي بحيث دعوا لإلغاء تجريم أشكال الشذوذ الجنسي التي كانوا يتفقون أنها غير موجهة نحو الإنجاب لكن اعتبروها غير مضرة للمجتمع، وركزوا كثيرا على إلغاء تجريم المثلية الجنسية.

ورغم أن العلم الحديث تجاوز كثيراً من هذه المعارف والنظريات النفسية والتناسلية اليوم، إلا أنها كانت مهيمنة وطاغية في أوروبا وفي أمريكا حتى نهاية الستينات الميلادية، ولهذا حين ترجمت للغة العربية، ترجمت باعتبارها نظريات علمية بكل ما للعلم الحديث من سلطة وهيمنة. وضمن حركة الترجمة هذه ظهر مصطلح “الشذوذ الجنسي” في اللغة العربية. ففي مقال بعنوان الحياة التناسلية والتحليل النفساني المنشور في مجلة الرسالة عام ١٩٤٦، نجد الدكتور فضل أبو بكر يلخص نظرية فرويد حيث يقول بعد أن ذكر كيف أن الطفل يتلذذ جنسيا من رضاعة ثدي أمه ومن تبرزه، أن الطفل يبدأ حياته الجنسية شاذا، “فالحياة التناسلية تبدأ بالشذوذ ولما يبلغ الطفل الثالثة من عمره”، ويصف ميل الطفل الجنسي لأمه بأنه “شاذ فيما يتعلق بالعرف والمجتمع ولكنه طبيعي فيما يتعلق بالغرائز الجنسية”، ثم في آخر المقال يتعرض للمثلية الجنسية لكن دون أن يكون لديه مصطلح لوصفها، وذلك عندما يشرح أنواع الشذوذ الجنسي فيقول أنها “أنواع كثيرة منها ما يسمى (Homosexualite) ويشمل الذكور والإناث والعلاقة الجنسية بين فردين من نوع واحد- أي بين رجل ورجل وامرأة وامرأة- ومنها ما نسميه بالعادة السرية (جلد عميرة) (Masturbation)”.

وقبل هذه المقالة بتسع سنوات، كتب صبري جرجس صاحب كتاب مشكلة السلوك السيكوباتي المشار إليه آنفا، والذي كان أحد أهم رواد نقل ونشر وتعميم الثقافة الجنسية وتحديدا ما يتعلق بمسائل الشذوذ الجنسي في الصحافة العربية، مقالا بعنوان الثقافة التناسلية وبعض روادها نشره في مجلة المجلة الجديدة عام ١٩٣٦. ونجده في هذه المقالة يقدم لقرائه كتاب كرافت إيبنج والذي قال عنه أنه يدفع قراؤه إلى “العطف الهادئ على ذلك الفريق التعس من الناس الذي يدفعهم اختلال غرائزهم الجنسية إلى ممارسة ألوان من الشذوذ تأباها ألوف الأديان…”. ثم بعد ذلك ينتقل لتعريف قراءه بالتناسلي هافلوك إليس والذي يمتدح صموده بعد ردة الفعل الذي أحدثتها كتاباته في بريطانيا، وبعدها ينتقل للتعريف بأوجست فوريل الذي قام بترجمة كتابه المسألة الجنسية وقام سلامة موسى بعرضه في نفس المجلة، ثم ينتقل بعدها للحديث عن الشخصيات النسائية اللاتي ساهمن في هذا المجال مثل البريطانية الحقوقية ماري ستوبس التي ترجم كتابها جنة الأزواج للعربية في عام ١٩٢٥.

الانزياح الدلالي للشذوذ الجنسي: من النفسي إلى الاجتماعي إلى الحضاري

استمر هذا المعنى الواسع للشذوذ الجنسي بإيحاءاته الطبية والعلمية قيد التداول والاستعمال حتى منتصف الخمسينات. فنجد مثلا عباس العقاد في كتابه أبونوّاس الصادر عام ١٩٥٣ يستند على كتابات هافلوك إليس ونظرته للنرجسية باعتبارها شذوذا جنسيا ويحلل شخصية أبي نواس وفقها. ولا نعرف على وجه التحديد متى بدأ المصطلح ينزاح دلاليا لينحصر معناه بالمثلية الجنسية. لكن لو قفزنا إلى عام ١٩٧١، عام تأليف نوال السعداوي لكتابها المرأة والجنس سنجد أن هناك تغيرين اثنين طرأ على مصطلح الشذوذ الجنسي. فالتغير الأول هو أن دلالته انحسرت فصار يعني فقط المثلية الجنسية، في حين عندما تتكلم السعداوي عن الممارسات الجنسية الأخرى، فهي تسميها “انحرافات جنسية”. هذا يعني أن التغيّر حدث في الفترة بين ١٩٥٠ و١٩٧٠ وهي الفترة السابقة على صعود التيارات الإسلامية حيث كانت التيارات القومية واليسارية هي المهيمنة على الإنتاج الثقافي العربي. ورغم انحسار الدلالة على المثلية الجنسية، إلا أنها ما زالت غير محمّلة بحمولات أخلاقية سلبية، بل بقيت ايحاءاتها الطبية والنفسية كما هي. أما التغير الثاني فهو أن السعداوي حولت ظاهرة المثلية من كونها ظاهرة نفسية فردية أو أسرية، إلى ظاهرة اجتماعية تساهم فيها الدولة والمؤسسات الاجتماعية والدينية في انتاجها. وهي في هذا الجانب كانت تنتقد فرويد وترفض أطروحته. فهي تقول ” قد أهمل علماء النفس التقليديون وعلى رأسهم فرويد المجتمع وأثره في تشكيل حياة الإنسان الجنسية، وكانوا يهتمون بداخل الإنسان أكثر من اهتمامهم بالبيئة الخارجية ولهذا فقدوا الكثير، وثبت قصور نظرية فرويد التي تقول بأن… الصراعات التي يعاني منها الطفل والتي أرجعها فرويد إلى الإحباط الجنسي والغيرة ليست إلا نتاجا لتفاعل الانسان مع القوى والضغوط الاجتماعية التي تفرض عليه”.

بعد نشر كتاب السعداوي بعدة سنوات، تحول الشذوذ الجنسي من مشكلة اجتماعية إلى مشكلة حضارية، وذلك في عام ١٩٨٤ مع نشر الصحفي والكاتب المصري المشهور محمد جلال كشك- الذي بدأ حياته شيوعيا ثم تحوّل إسلاميا وكتب العديد من الكتب مثل السعوديون والحل الإسلامي– لكتابه خواطر مسلم في المسألة الجنسية. فلو تفحصنا كيف تعامل مع الموضوع سنجد عدة اختلافات عن طريقة تعامل مثقفي النهضة معه. ففي مقدمة الكتاب يصرّح كشك أنه يتناول هذا الموضوع من منطلق إسلامي، في حين أن مثقفي النهضة الأوائل والأطباء العرب كانوا يتعاملون مع الموضوع من منطلق النظريات والمعارف الأوروبية التي اعتبروها علمية. أما الاختلاف الثاني، فهو ينطلق في معالجته للموضوع من ما يسميه “إطار المواجهة الحضارية الأبدية بين الشرق والغرب”، هذه المواجهة هي- كما يقول-“شغلي الشاغل. فأنا أنظر إلى الإسلام كفلسفة وهوية وشخصية لحضارتنا الشرقية”. أي أنه منخرط في “صراع حضارات” مع الغرب في تعاطيه مع هذه المواضيع، همّه الانتصار القيمي والأخلاقي والاستقلال الهوياتي. أي أنه في هذا مثل المنخرطين في دراسات ما بعد الاستعمار ودراسات التابع وما شابه، ينطلقون في تعاطيهم مع مواضيعهم من “مقاومة سياسية” للغرب بصفته كياناً سياسياً ومعرفياً على حد سواء. وهذا يختلف عن مثقفي النهضة الأوائل، الذين كان أكثرهم رافضا للاستعمار الغربي، لكن كانوا يفصلون بين الغرب السياسي والغرب العلمي والفني والأدبي، فيتعاملون مع الإنتاج المعرفي الأوروبي والأمريكي بدرجة كبيرة من الاستسلام والانبهار.

كيف ستؤثر طريقة كشك هذه على تعاطيه مع المسألة الجنسية وتجعله مختلفا عن تعاطي مثقفي النهضة الأوائل؟ يمكن الإشارة إلى ثلاثة جوانب رئيسية. الأول أنه انطلق من المسلمة التالية: أن الإسلام يعتبر اللذة الجنسية نعمة، في حين أن الحضارة الغربية تتعامل معه باعتباره إثما ونجاسة. فيستند على كتاب الجنس في التاريخ لمؤلفته ري تاناهيل للتنقيب في آراء المسيحية بالجنس التي تعاملت معه على أنه خطيئة ونجاسة والأفضل الابتعاد عنه، ثم يعممها على الغرب الحديث معتبرا هذا الأخير خاضعا لنفس المفاهيم المسيحية. وحتى ما يعتبره “ذروة الإباحية الجنسية” في الغرب يكون نتيجة لهذه النظرة للجنس. بعد ذلك ينتقل لتوضيح وجهة النظر الإسلامية، فيوضح أنها لذّة مطلوبة ومرغب بها وليست محملة بأي حمولة سلبية. ثم يقتبس كلام ابن القيم عن مقاصد الجماع، وأن حفظ النسل والتكاثر واحد منها فقط، فهناك مقصد صحي وهو التخلص من الماء الذي يضر البدن احتقانه، وهناك مقصد ثالث وهو التلذذ والاستمتاع. وبسبب هذه المسلمة، نجد أن كشك يرفض تجريم أو تحريم كثير من الممارسات الجنسية التي كانت تعتبر شذوذا مثل الاستمناء، والجنس الفموي، ووطء المرأة في الدبر، وغيرها، فهذا كله عنده مباح. وبسبب هذه المسلمة وصراع الحضارات الكامنة في مقاربة كشك للموضوع، انحصر معنى الشذوذ الجنسي فصار لا يحيل إلا إلى المثلية الجنسية أو ما يسميه باللواط والمساحقة. أما الممارسات الجنسية الأخرى التي كانت تعتبر شذوذا في السابق- كالاستمناء، والجنس الفموي، ووطء المرأة في الدبر، وغيرها- فهي كلها عنده مباحة. ومقابل تضييق دائرة الشذوذ الجنسي وحصره بالمثلية، يقوم كشك بتحويل هذا الشذوذ من كونه ممارسة مخالفة للطريقة الإنجابية الصحيحة لتفريغ الطاقة الجنسية، أي من كونه مسألة سلوكية ونفسية كما كان يتعامل معه الكتاب والمثقفين العرب في النصف الأول من القرن العشرين، إلى كونه مؤشر أخلاقي على قرب الأفول الحضاري. فيفسر انتشاره في الغرب بأنه علامة على بداية أفولهم، ويفسر انتشاره في العصر العباسي والأندلسي بأنه علامة على أفول هذه الحضارات. وهو واع جدا بما يقوم به، حيث يقول في مقدمة كتابه أن “ما طرحته في باب الشذوذ الجنسي يعتبر جديدا” وأن “البحث يتركز في موضوع الشذوذ الجنسي الذي طرحته في إطار المواجهة الحضارية الأبدية بين الشرق والغرب”. وهو في هذا الجانب يشترك مع مثقفي النهضة العربية في محاولتهم استشناع والتطهر من أدب حب الغلمان والتلذذ بالنظر إليهم المتفشي في الشعر العربي مع فارق أنه تعامل مع الظاهرة ضمن منطق صعود وأفول الحضارات في حين أن الآخرين تعاملوا معها باعتبارها مخالفة للمألوف الغربي في الطريقة الصحيحة للممارسة الجنسية. إلا أن تضييق معنى الشذوذ الجنسي وحصره بالمثلية ورفعه لمؤشر على أفول الحضارة لم يدفع كشك لتجريمه، فهو يقول إنه لا توجد عقوبة منصوص عليها للمثلية في الإسلام، ولكنه ترك المجال للسلطة التشريعية لتقدير ما يفعل إزاء هذه الظاهرة.  وبعد أن فعل ذلك يختم كتابه بطرح رأي عجيب يتعلق بكلام القرآن عن الولدان المخلدون في الجنة، فهو ذهب إلى أن الاستمتاع بهؤلاء يكون جنسيا في الجنة. وبرر هذا بأن أحكام الآخرة تختلف عن الدنيا، وأن الجنة ليس فيها خير وشر بل لذيذ وألذ.

الآن وصلنا لختام عملية التنقيب الأحفوري هذه في شجرة نسب مصطلح الشذوذ الجنسي، وبقي أن أختم بعدة نقاط حول أهميتها. فهي مهمّة ثقافيا لأنها تكشف حالة فقدان الذاكرة الجماعية للمشتغلين في الحقل الثقافي العربي وانفصالهم ليس فقط عن تراثهم العربي والإسلامي البعيد، بل حتى عن تراث النهضة العربية القريب. وهي مهمّة سياسيا لأن مسألة المثلية الجنسية بدأت تدخل مرحلة جديدة في منطقتنا بعد الربيع العربي، حيث بدأت كثير من الدول العربية بالانتقال في عملية بناء شرعيتها وسلطتها الأخلاقية من ضبط والتحكم بسلوك المرأة كموضوع رئيسي إلى ضبط والتحكم بسلوك فئات اجتماعية أخرى من بينها المثليين. وهي أخيرا مهمّة للمدافعين عن الحريات والحقوق وذلك لتحرير خطابهم من المسلمات والمفاهيم المغلوطة وتبيئة أدواتهم النقدية والفكرية.

تعليق واحد

  1. أخي سلطان شكرا على المقالة المكتوبة بنفس علمي رصين. واسمح لي ببعض التعليقات التي أرى أنها بحاجة مراجعة وتحليل لإثراء البحث وتطويره
    نحت المسميات أو الانزياح الدلالي لبعض المصطلحات متكرر ومعروف في أكثر من حقل وله أسبابه ومبرراته ولذا كان من مهام الباحث تحديد المعنى المراد باللفظ أو البناء (construct) الذي اختاره خصوصا عندما يكون هذا البناء الدلالي لم يصل لمرحلة المفهوم الشائع (concept)

    https://mbanotesworld.com/concept-or-construct-examples/

    أجادل هنا بأن مفهوم (الشذوذ الجنسي) هو بناء لفظي متعدد الدلالات حسب سياقات مختلفة ولم يبلغ مرحلة توصيفه بالمصطلح الثابت والشائع لذا فلا مشاحة في تعددية استخدامه وانزياح دلالاته

    واستعمال لفظ الشذوذ للدلالة على الانحراف عن الفطرة السوية في العلاقة الجنسية أو الخروج عن ثنائية الذكر والأنثى معنى تدعمه اللغة في استعمال الشذوذ في معنى الخروج عن الجماعة أو الأصل

    وقد يصح أنه قد تم تكثيف الحمل الأخلاقي للفظ الشذوذ الجنسي لأهداف التشنيع والوصم لكن هذا التحميل يمكن ايضا تفسيره كنتيجة لمتغيرات واقعية حتمت اللجوء إلى بناء مفهوم يمكنه وصف تلك المتغيرات التي لا تستطيع مصطلحات المثلية أو اللوطية أو السدومية مثلا أن تشمل معاني وتداعيات تلك المتغيرات
    لعلي استحضر أهم ثلاث متغيرات طرأت على مفاهيم العلاقات الجنسية:

    اولا: وإن كانت الممارسات الجنسية الشاذة قديمة قدم البشرية وشهدت تقلبات متعددة من الرواج والانحسار حسب مختلف السياقات التاريخية إلا أن المتغير الجديد في عالم اليوم انتقالها من حيز المنبوذ والمستتر والمستقذر والمحرم الى حيز المقبول والمعلن وتحول المزاج العام الغربي خصوصا من الرفض الى دعم المطالبة بالحقوق والمساواة وهو ما يستدعي نحت مصطلح يتبناه الأسوياء الرافضون لتوصيف سلوكيات الأقلية الشاذة

    ثانيا: هناك تحول كبير في مجال التوجهات الجنسية من التعبير عنها بوصفها ميول نفسية أو ممارسات سلوكية إلى التعبير عنها بكونها هوية جديدة خارج ثنائية الذكر والأنثى. وتحول من النظر الى التوجه الجنسي كحالة حتمية لأسباب بيولوجية أو تطورية الى النظر اليه بكونه حالة اختيار هوياتي واعي وحر.
    هذا التشظي الهوياتي الجديد أوجد لنا مصطلحات متعددة تعبر عن هويات مختلفة بعضهم يوصلها الى اكثر من عشرين هوية جديدة هذه الهويات تحتاج الى نحت مصطلح يشملها جميعا من ناحية كونها خارجة عن الأصل الهوياتي الثنائي

    ‏LGBTQA+ = Lesbian, Gay, Bisexual, Transgender, Queer, Questioning, Asexual, Ally + Other Identities

    ثالثا: دلالة مصطلح المثلية الجنسية homosexuality تم تجاوزها اليوم لأنها لا تشمل كامل طيف LGBTQA+ لذا فوصف الشذوذ الجنسي ليس مقابلا للمثلية الجنسية بل هو أوسع منه في الدلالة وأشمل

    ويسرني اطلاعك على بحثي حول ظاهرة تمكين الشذوذ الجنسي

    https://twitter.com/aahabeeb/status/1483511368171110405?s=21

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.