الحكم الشرعي في البلديات بعد 100 عام

عبدالرحمن السبيعي

كاتب المقالة

عبدالرحمن السبيعي

باحث في علم الاجتماع السياسي

أقيمت آخر انتخابات بلدية في الكويت وسط ضعف كبير في أعداد المرشحين والناخبين، وفي سابقة تاريخية أعلنت وزارة الداخلية عن تزكية مرشحَين من الدائرة السابعة والدائرة الثامنة، لم يكن هناك أي مرشح في الدائرتين سوى خالد مفلح المطيري في السابعة ونصار مهيني العازمي في الثامنة، وفي ظل حضور ضعيف جداً من الناخبين انتهت الانتخابات البلدية في 21 مايو 2022 بتغيير 70% من أعضاء المجلس.

تأسس المجلس البلدي عام 1928، ومع أنه أول مؤسسة ديمقراطية في البلاد، إلا أننا نستطيع رؤية انحسار أهميته وضعف الاهتمام به. بدأ هذا الضعف بعد إقرار الدستور وتشكّل مجلس الأمة باعتباره برلماناً تشريعيا ورقابيا في البلاد عام 1961. ترافق مع هذا ؛ تفاقم مشاكل البلدية وإضعاف المشاركة الديمقراطية بشكل عام.

إن البلدية ليست مؤسسة هامشية، فعلاقة المواطن بها يومية وتمسّ جوانب متعددة من حياته، فصلاحيات البلدية تشمل نظافة الحي الذي يسكن فيه، وتنظيم الأسواق والمحلات التجارية التي يملكها ويتسوق منها، وإدارة المقابر التي يدفن فيها، وفي كل جانب من هذه العلاقة يعاني كثير من المواطنين مشاكل تشمل بطء الخدمات وسوء جودتها في الأسواق والأحياء السكنية والتخطيط العمراني والتلوث البصري الممتد في كل مناطق الكويت.

مع شمول هذه العلاقة لكثير من جوانب الحياة اليومية للمواطن الكويتي، واحتوائها على مشاكل جمة، إلا أن سهام النقد السائدة غالبا ما تخطئ الهدف، فكثيرون يحمّلون المجلس التشريعي أو السلطة التنفيذية مسؤولية هذه المشاكل، أما الذين يحملون البلدية المسؤولية فهم غالبا ما يعزونها إلى الفساد المنتشر فيها.

وهذه الآراء خاطئة، فلا تقصير مجلس الأمة أو السلطة التنفيذية ولا فساد البلدية يفسران تفشي المشاكل فيها، بل التفسير مرتبط ببنية البلدية نفسها، وهو متعلق بشكل رئيس بمركزيتها وانعدام الرقابة الديمقراطية عليها. يمكننا تجاوز مشكلة المركزية باستبدال البلدية الوحيدة لكل الكويت بإنشاء بلديات خاصة لكل منطقة لها ميزانيتها واستقلالها الخاصين، أما مشكلة انعدام الرقابة الديمقراطية، فيكون حلّها من خلال إنشاء مجالس بلدية منتخبة لكل بلدية من هذه البلديات الجديدة في كل منطقة تراقب أعمال البلدية وتشرف على تنظيمها.

المرحلة التأسيسية (1928-1938)

يرجع تاريخ البلدية في الكويت إلى شهر يوليو من عام 1928 ( محرم ١٣٤٧ هـ ) عندما زار البحرين الشيخ يوسف بن عيسى القناعي أحد رواد النهضة التعليمية والاجتماعية في الكويت. هناك، شاهد البلدية التي تأسست قبل عشر سنوات باعتبارها أولى البلديات في العالم العربي، وبعد عودته كتب مقالاً عنوانه “الحكم الشرعي في تاريخ البلديات” يدعو فيها إلى تأسيس بلدية لتنظيم مدينة الكويت القديمة المكونة من ثلاث أحياء: شرق وقبلة والمرقاب، ثم كتب مقالاً آخر يعرض فيه أعمال البلدية عنونه بـ “أعمال البلدية في صدر الإسلام (الحسبة)” وذكر فيه أن الأعمال المناطة بالحسبة أو البلدية هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنظر في المباني المتداعية، ومنع الحمالين من الإكثار من الحمل مما يسبب الغرق والضرر، ومنع المعلمين من ضرب الصبيان في الكتاتيب، ومنع الغش في الأوزان، ومنع بيع المأكولات الفاسدة، واشترط أن لا يتولّى أعمال البلدية إلا رجل يتوافر فيه شرطين: الأول الإسلام والآخر أن يكون أحد وجهاء المجتمع والبلدة.

أدت هذه الأفكار التي روجها القناعي إلى أن يطرح مجموعة من الوجهاء فكرة تأسيس بلدية على أمير الكويت آنذاك أحمد الجابر فوافق عليها، وفي تاريخ 9 أبريل 1930 عقد أول اجتماع في تاريخ البلدية في مدرسة المباركية، واجتمع خمسون من الوجهاء وقاموا باختيار أول مجلس بلدي في تاريخ الكويت. كانت مدة المجلس عامين ١٣٤٩هـ و١٣٥٠هـ (1930-1931)، وعين الشيخ عبدالله الجابر بأمر من الأمير رئيساً للبلدية.

بعد ثلاث أيام من هذا التاريخ بدأ المجلس البلدي بالعمل وإصدار القرارات، وينقل بدر ناصر الحتيتة في كتابه “الحلم بكويت حديثة” عن المدير العام السابق للبلدية في السبعينات محمد صقر المعوشرجي قوله عن المجلس : إن الناس تقبلته بصدر رحب ولم تعترض عليه وبدأوا على الفور بتنفيذ قراراته لحاجتهم الماسة إليها. كانت القرارات العشرون الأولى (تسمى آنذاك بالإعلانات) تحوي مواضيع كثيرة مثل النظافة والبناء والأسواق ومراقبة البيع والحرص على الرفق بالحيوان ومنع إثقال كاهلها بالحمل الزائد، وأجبر المجلس النواخذة (النوخذة هو قبطان سفينة الصيد في الخليج) على دفع إيجار الغواصين الذين يخرجون للغوص مدة أربعة أشهر وحصر أسمائهم وتقديمها للبلدية.

في الدورة الثانية (1932-1934) بدأت تتضح ملامح هذا المجلس وصلاحيات البلدية، فقد وضع المجلس شروط الترشيح مثل أن لا يكون تابعاً لجهة أجنبية أو أن يحمل تابعية دولة أخرى، والتابعية هي الجنسية أو الهوية الرسمية، واتسعت صلاحيات البلدية لتشمل أموراً أكثر من الدورة السابقة فقد دخلت في تنظيم العملة الرسمية المقبولة في الأسواق وكذلك كانت مكاناً للتعبير عن رفض بعض القرارات سواء من البلدية أو من الشيخ، مثل رفض بعض السكان لقرار نزع البشت، وقد تواصلت البلدية مع الشيخ وطلبت منه أن يترك للناس حرية الاختيار في لبس البشت أو نزعه وهذا ما حدث.

شهدت دورة المجلس الثالثة (1934-1936) صراعاً بين سلطة الشيخ والمجلس البلدي. ومن المهم قبل الدخول في قصة المجلس الثالث أن نعرّج على شخصية مهمة في تاريخ الكويت وهو الملا صالح الملا الذي ولد في فريج (حي) السبعان عند أخواله السميط وأكمل دراسته في الهند ومن ثم حصل على وظيفة في إمارة المحمرة في مكتب تجاري خاص بآل الصباح، وبعد أن أغلق مبارك الكبير شيخ الكويت (1896-1915) المكتب وعاد الموظفين إلى البلاد ذاع اسم الملا صالح بسبب نباهته وحسن أداءه لعمله في مكتب المحمرة، فقام مبارك الكبير بتعيينه سكرتيراً خاصاً له ومن ثم مبعوثاً له إلى الدول المجاورة واستمر على هذه الوظيفة طوال حكم مبارك وابنه سالم وفي عهد أحمد الجابر (1921-1950) ترقى إلى أن تولّى منصباً هو أشبه بمنصب رئيس الوزراء، فقد كان يملك أمر التعيين والعزل والمفاوضات وعقد الصفقات التجارية وغيرها.

بدأت الدورة الثالثة بتدخل صارخ في الانتخابات ذكرها خالد سليمان العدساني في مذكراته، وكانت طريقة التصويت آنذاك أن ترسل البيوت التي يحق لها الانتخاب أوراقاً بأسماء المرشحين الذين اختاروهم، ومشهد التدخل يشرحه لنا العدساني في مذكراته ” فكان يرسل -أي الملا صالح- على بعض الناخبين الذين يظن بهم الطاعة له والخوف منه فيستكتبهم ورقة الانتخابات الخاصة بهم كناخبين في محل إدارته الرسمية ثم يرسلها مع خادمه على المكشوف ليضعها في صندوق الانتخابات الموضوع خارج مقر المجلس البلدي” وقد كان يريد من هذا التدخل إيصال نصف يوسف النصف إلى إدارة البلدية ويذكر العدساني أن التحالف بين الملا والنصف ولد بعد خسارة النصف لإدارة البلدية في المجلس السابق.

لم تكن الانتخابات بصالحهم فلم يحصلوا على أغلبية داخل المجلس، وأدت هذه النتيجة بالأمير لإقالة عضوين من أعضاء المجلس البلدي، الأول هو السيد زيد السيد محمد لأنه يحمل الجنسية العراقية، والثاني مشعان الخضير لأنه يسافر إلى البحرين في موسم اللؤلؤ دون أن يرسل تعهداً خطياً للشيخ. وبهذا يصعد الأعضاء الاحتياط الذين حصلوا على المراكز ١٣ و١٤ مكانهم وهم محمد الشايع خال نصف اليوسف ومحمد العسعوسي صديق نصف اليوسف، وبهذا خسر السيد سليمان العدساني منصب مدير البلدية لصالح السيد نصف اليوسف.

أغضب هذا الأمر أعضاء المجلس البلدي والوجهاء وأرسل الشيخ يوسف بن عيسى القناعي كتاباً إلى رئيس المجلس البلدي عبدالله الجابر يعتذر عن حضور الجلسة ويقول ” أنا لا أحضر هذه الجلسة لكونها غير شريفة”. إلا أن المجلس استمر في تسيير أعمال البلدية وأنشأ لجنة المعارف المعنية بتطوير التعليم وتولى مساعدة البيوت المتضررة من جراء الأمطار الغزيرة في السنة المعروفة بالكويت بسنة الهدامة وكذلك تنظيم عمل الحمالين (الحمّالي هو الذي يحمل الأغراض من الميناء إلى المحلات التجارية)، وكذلك ضيّق المجلس أكثر على هجرة الفرس إلى الكويت بمنعهم من العمل وإدخال العرب بدلاً منهم ومراقبة الساحل وإعادة المهاجرين منهم إلى بلدهم.

ازدادت حدّة الصراع بين سلطة المشيخة والمجالس المنتخبة في دورة المجلس الرابعة (1936-1938)، فقد شهد هذا المجلس تطوراً سريعاً ونوعياً في طبيعته، فبعد انتخابات وصلت فيها بأغلبية كبيرة “الكتلة المتفاهمة” ( وهي تسمية خالد سليمان العدساني ويقصد بها تلك الكتلة التي تريد إصلاحاً سياسياً وقانونياً وديمقراطياً في الكويت) ، بدأ تنظيم عملية انتخابية تشبه العملية التي نقوم بها اليوم وهي الاقتراع الحضوري السري للجنة المعارف، يختلف عن اقتراع انتخابات البلدية الذي ترسله البيوت التي يحق لها التصويت وخلال سبع أيام يبدأ الفرز والاعلان عن الفائزين، ووصل إلى عضوية لجنة المعارف عدد كبير من أعضاء الكتلة المتفاهمة.

بدأت أول المشاكل مع المشيخة بعد سجال حدث حول جنسية المعلمين الذين تنوي اللجنة استقدامهم للتدريس. كانت الكتلة المتفاهمة تريد مدرسين من العراق والشيخ يريد مدرسين من مصر، وتوصلوا إلى حلٍ بأن يأتوا بمدرسين من فلسطين الذين ما لبثوا أن قاموا بالتظاهر أمام لجنة المعارف لزيادة الرواتب، ويرى العدساني أن الملا صالح الملا هو من حرضهم وحرض غيرهم على كتابة عريضة يطلبون فيها من الأمير حلَّ هذه اللجنة، ولكن أعمالها استمرت بل صارت مستقلةً أكثر عن المجلس البلدي وبدأت بتنظيم نفسها وكتابة لائحة داخلية تنظم عمل الأعضاء وشكل القرارات التي تتخذ ومتى يُعترض عليها بعد التصويت وقد كتبها خالد سليمان العدساني والمدرس الفلسطيني أحمد شهاب الدين، ولكنهم ما إن انتهوا منها حتى صدر أمر أميري بحل لجنة المعارف وتوالت بعدها استقالات الأعضاء من المجلس.

ولد المجلس الخامس في ظل المجلس التشريعي الأول في الكويت الذي تأسس عام 1938 ويعتبر أول مجلس نيابي منتخب في الكويت يشرع القوانين ويتولى الأمور التشريعية والقضائية في البلاد، وكانت أولى قراراته اخضاع المجلس البلدي للعمل تحت إشرافه، واستمر المجلس البلدي بتنفيذ المهام التي كانت موكلة إليه على أكمل وجه، ولكن الاختلاف الوحيد هو أن مدير البلدية الذي يختاره المجلس البلدي لا يستطيع مباشرة أعماله دون موافقة المجلس التشريعي. إلا أنه بعد ستة اشهر فقط من عمل المجلس التشريعي حلّه الشيخ أحمد الجابر ومعه المجلس البلدي الذي قامت محله مجالس حكومية يعين رئيسها وأعضاءها من قبل الأمير، وانقطعت الحياة الديمقراطية عن الكويت مدة ٢٣ سنة إلى حين وصول عبدالله السالم إلى الحكم وكتابة الدستور عام 1961.

المجلس البلدي بعد الاستقلال (1964 – 2005): نمو المركزية وتقلّص الديمقراطية

شهدت فترة ما بعد الاستقلال في الكويت عودة الديمقراطية وعودة المجالس المنتخبة بما فيها المجلس البلدي مع استمرار المركزية، ومع توسع صلاحيات البلدية في هذه الفترة واهتمامها بالمناطق البعيدة مثل الفنطاس والفحيحيل وأبو حليفة في جنوب الكويت بعكس حال مجالس الثلاثينات التي ذكرناها سابقاً، الا أنه لم تُطور البلدية أكثر بحيث تُعمم هذه الطريقة  -طريقة المجالس المنتخبة – على كل المناطق، وإنما تصرفت بلدية الكويت القديمة بكل مهام البلدية في أنحاء البلاد الجديدة، وباتت تعوض البعد الجغرافي بتعيين موظفين يشرفون على البناء والتخطيط والنظافة في تلك المناطق البعيدة.

كان مستوى الديمقراطية في هذه المجالس البلدية بعد الاستقلال عالياً جداً، فقد كانت مدد المجالس سنتين وبعد تعديل قانون البلدية في ١٩٧٢ مددت إلى أربع سنوات، يُنتخب أعضاء المجلس بالاقتراع السري والمباشر، ويختار الأعضاء رئيس المجلس والذي يعين مديراً للبلدية يشرف على تنفيذ قرارات المجلس البلدي.

كانت علاقة المجلس البلدي ورئيسه بالوزارة المختصة بشئون البلدية علاقة إشرافية فقط، بينما يملك مجلس الوزراء حق نقض قرارات المجلس البلدي مرة واحدة فقط، وإن عاود المجلس الموافقة على نفس القرار يكون نافذاً بعد أسبوعين من تاريخ إعادة إقراره.

صاحب هذا الجو الديمقراطي في المجلس البلدي زيادة ملحوظة بنسب المشاركة في انتخابات المجلس وحصلت انتخابات 1984 على أعلى نسبة مشاركة في تاريخ انتخابات المجلس البلدي 67.7 ٪ .

لم تكن العلاقة وردية في هذه السنوات الديمقراطية بين السلطة التنفيذية والمجلس البلدي فقد حُلَّ المجلس عدة مرات، جاء الحل الأول عام 1964 على أول مجلس بلدي بعد الاستقلال واستمر تعليق عمل المجلس ست سنوات وعاد مرة اخرى في عام 1972 مع القانون الجديد، وفي عام 1983 حُلّ المجلس وأعيد انتخابه بعد شهر من الحل، وفي عام 1986 حُلّ المجلس بعدما أعلن امير البلاد في ذلك الوقت جابر الأحمد الصباح تعليق العمل بالدستور، وعاد المجلس البلدي في عام 1993 بعد سنة واحدة من عودة العمل بالدستور وعودة المجلس النيابي بعد تحرير الكويت من الاحتلال العراقي. علاوةً على العلاقة المتوترة مع السلطة التنفيذية، فقد كان من أبرز عيوب المجالس البلدية السابقة استغلال أعضاء المجلس مناصبهم فيه لتمرير مصالحهم أو توظيفها لخططهم في الترشح لعضوية المجلس النيابي.

هذه الطبيعة الديمقراطية في إدارة البلدية والمجالس البلدية انتهت مع موافقة مجلس الامة على تعديل الحكومة لقانون البلدية 1972 وصدور قانون رقم 5 لسنة 2005 بشأن البلدية بعد موافقة مجلس الامة عليه. وقد نصت المذكرة الايضاحية لقانون 2005 أن هدف القانون هو معالجة حالات “التدخل في صلاحيات البلدية، وتمثل بعضها في قيام المجلس البلدي بالنظر في موضوعات ومعاملات فردية لا تدخل في صلاحياته”. تمثلت هذه المشكلة بتدخلات من أعضاء البلدية في عمل البلدية من خلال تمرير معاملات مخالفة لشروط البلدية وللقرارات التي يصدرها المجلس نفسه، واستغل أعضاء المجلس قدرتهم الرقابية والتنظيمية لتحقيق مكاسب شخصية وسياسية، حتى انتشرت في تلك الفترة من تاريخ المجالس البلدية ألقاب خاصة بأعضاء المجلس البلدي مثل (فلان لا مانع) أي أن هذا العضو يتميز بتوقيعه على المعاملات بـ (لا مانع من تمرير المعاملة) وبمجرد أن يرى موظف البلدية توقيع العضو حتى يقوم بتنفيذها وإن كانت مليئة بالملاحظات والأخطاء.

استهدفت الحكومة بهذا القانون حل هذه المشكلة المعقدة بين مدير البلدية والأعضاء عن طريق تغيير طريقة تعيين مدير البلدية، فالمادة 24 من القانون الجديد تقول إن تعيين المدير ومساعديه يكون بترشيح من الوزير المختص بشئون البلدية، وذلك بعد أن كان رئيس المجلس البلدي الذي اختير من أعضاء المجلس هو من يختار المدير لتنفيذ قرارات المجلس البلدي، وبهذه المادة تحرر مدير البلدية من سلطة أعضاء المجلس البلدي المنتخب.

استحدث القانون مادة جديدة وهي المادة 14 التي اعطت مجلس الوزراء السلطة على قرارات المجلس البلدي. وبهذا عطلت القدرة الرقابية والتنظيمية لأعضاء المجلس وقيدتها بموافقة مجلس الوزراء. رأت الحكومة أنها بهذه الطريقة ستحرر البلدية من سلطة أعضاء المجلس البلدي، وتعطيها الفرصة الأكبر في تقديم خدماتها بعيداً عن المحسوبية والوساطات وضغط الأعضاء.

دعوة لإلغاء مركزية البلديات وزيادة دمقرطتها

بعد أن استعرضنا تاريخ البلدية وكيف اكتسبت صفاتها المركزية وغير الديمقراطية، من المهم أن نفصل أكثر بهاتين السمتين التي غلبت على عمل البلدية وكانت السبب في تأخر خدماتها وضعفها وسوء جودتها.

لنبدأ بالمشكلة الأساسية التي تعاني منها البلدية وهي المركزية. فالبلدية تتعامل اليوم مع مهام واسعة حسب المادة رقم 32 من القانون الجديد -الذي لم يختلف كثيراً عن قانون 2005- من أعمال التنظيف لكل مناطق الكويت والساحات والميادين العام والشوارع والإشراف على المباني التي تجاوزت المليون مبنى وصلاحيتها، وتشرف على إصدار رخص البناء وتشرف على الجهات الهندسية التي تشرف على هذا الموضوع، وهي معنية بإصدار الرخص الزراعة وبناء مظلات السيارات أمام البيوت وتنظيم الجنائز ونقل الموتى، كل هذه المهام والخدمات تُطالب البلدية بتقديمها لأكثر من خمسة مليون نسمة و 100 منطقة، هذه المساحة الديمغرافية الهائلة لا يمكن لبلدية واحدة اليوم بستة أفرع فقط أن تخدمها، هذه المعضلة التي وضعت الحكومةُ البلديةَ فيها، جعلتها عاجزة تماماً عن تقديم خدماتها بالجودة المطلوبة والوقت المناسب.

كان الحل المناسب هو تقسيم بلدية الكويت إلى بلديات في كل منطقة، فهذا التقسيم يعطي بلديات المناطق الفرصة لتقييم الأولويات الخاصة بكل منطقة ويقلل المساحة الديمغرافية التي تغطيها البلدية ويعطيها الفرصة في تقديم خدماتها بجودة عالية ووقت مناسب ويعطيها الوقت والموارد الكافية أيضاً للتطور وتحسين الأداء.

إن صغر مساحة البلاد وقلة عدد سكانها لا يمكن أن يكون مبرراً لبقاء الكويت على بلدية واحدة بستة أفرع، في لبنان مثلاً هناك أكثر من 1000 بلدية لكل منطقة على حسب عدد السكان، في مدينة الرياض التي تبلغ مساحتها 1800 كيلو متر مربع هناك ثماني بلديات، وتعدد البلديات يكفل أداء أفضل وجودة أعلى فالجوائز التي تقدمها communities in bloom لأفضل البلديات في العالم حصلت عليها بلدية أنطاليا وهي تغطي مساحة أقل من 1500 كيلو متر وبلدية دبي ضمن أفضل عشر بلديات في العالم وهي تغطي 4000 كيلو متر مربع فقط.

إن حل التقسيم أفضل بكثير مما قدمته الحكومة في قانون 2005، فلم يكن تدخل الأعضاء بعمل مدير البلدية سوى عرض من أعراض هذه المشكلة، أي مشكلة المركزية، فالمواطنون يتحايلون على بطء تقديم الخدمات وسوئها من خلال استخدامهم لأعضاء المجلس الذين يوفرون لهم الطريق السهل في التنصل من بيروقراطية البلدية، لم تقدم الحكومة حلاً لمشكلة في البلدية، بل زادت على مشاكلها في المركزية وتأخر الخدمات مشكلة أخرى وهي تغييب الرقابة الديمقراطية على أعمالها.

وهذا ينقلنا إلى المشكلة الثانية وهي تقلص الصلاحيات الرقابية للمجالس البلدية المنتخبة بعد صدور قانون 2005 ، وقد ذكرنا سابقاً كيف ضعفت قدرة الأعضاء على تعيين المدير وعلى اصدار القرارات وتنفيذها، والقانون وضع مدير البلدية في مكان بعيد عن المحاسبة فلا عضو المجلس البلدي يستطيع محاسبته على أعماله ولا عضو مجلس الامة يستطيع محاسبة الوزير المختص بشئون البلدية لأن تعيين المدير يصدر من مجلس الوزراء، فالنائب بحاجة إلى استجواب رئيس مجلس الوزراء على أخطاء مدير البلدية، وبهذا أصبح مدير البلدية بعيداً عن كل الأدوات الرقابية المنتخبة.

أدى غياب الرقابة الديمقراطية إلى انتشار الفساد بالبلدية، فالدعوى الشائعة التي تقول إن مشكلة البلدية في فسادها هي في الحقيقة دعوى معكوسة، فغياب الديمقراطية هو ما أدى في البلدية إلى أن تكون بهذا الشكل الذي لا يعرف عنه إلا سوء تقديم الخدمات، وانتشار الفساد، والرشاوى، والمحسوبية.

إن الحل لمشكلة فساد البلدية هو في إنشاء مجلس بلدي منتخب لكل بلديات المناطق، يشرف هذا المجلس على أعمال بلدية المنطقة ويضع خطط عملها حسب احتياجات المنطقة، مجلس يحمل الشخصية القانونية الاعتبارية ويتمتع بدرجة استقلال مالي واداري.

تعدد المجالس المنتخبة يكفل تنظيم الأولويات وتحقيق اللامركزية وتخفيف أعباء إدارة خدمات المناطق وسرعة الإنجاز، ولو افترضنا أن المجلس البلدي الحالي كامل الصلاحيات يراقب ويشرع وينظم ويعين مدير البلدية، فإنه لن يستطيع مراعاة المعاملة الخاصة لكل منطقة ولن يستطيع تلافي بطء الإنجاز واختيار القرار المناسب لكل منطقة، ولن يخفف أعباء إدارة المناطق عن كاهل الحكومة.

أهالي المناطق في الكويت اليوم جاهزون لنظام المجالس البلدية المنتخبة أكثر من أي وقت مضى، ففي كل منطقة جمعيات تعاونية، والجمعيات التعاونية هي جمعيات “شبه مستقلة” عن الدولة يديرونها أهالي المنطقة عن طريق انتخاب مجلس إدارة يشرف على بيع المواد الغذائية في السوق المركزي وتوفيرها بأرخص الأسعار والقيام على خدمة المنطقة ومن ثم في نهاية كل سنة مالية يقوم مجلس الإدارة بتوزيع الأرباح من السوق المركزي التابع للمنطقة، هذه الجمعيات تنتخب كل سنتين ، فيذهب أهالي المنطقة إلى المدارس لانتخاب أعضاء مجلس الإدارة بالتصويت السري المباشر ويمكن أيضاً تطبيق هذا النموذج تماماً على المجالس البلدية التي تشرف على صيانة الطرق ونظافة المدينة وتنظيم أسواقها ومبانيها.

الخاتمة:

ولدت فكرة البلدية مع دعوة المرحوم الشيخ يوسف بن عيسى القناعي بصيغة ديمقراطية شعبية ولم تكن البلدية في أي لحظة من تاريخها جهازاً حكومياً تنفيذياً، بل كانت مؤسسة شعبية ديمقراطية، مرتبطة باهتمام الناس بتنظيم مدنهم وتنسيقها والتخطيط لها، وتحويلها إلى جهاز حكومي أفقدها هذا الجوهر الأصلي في طبيعة عملها. لم تكن فكرة الشيخ يوسف دعوة لتأسيس جهاز حكومي، بل دعوة لتنظيم عمل قائمٍ بين الناس رجاءَ تطويره وتحسين طريقة عمله فقط.

هذا التعدي الصارخ على واحدة من المؤسسات الشعبية وسط صمت غريب من الطبقة السياسية يفقدنا مؤسسة مهمة من مؤسسات تعزيز الديمقراطية ويجعل ديمقراطية الكويت العرجاء مشلولة عاجزة منذ ستين عام عن تحقيق أي تقدم.

ما تقوم به الطبقة السياسية هو ببساطة جعل الديمقراطية مهمة خمسين نائب ينتخبون كل أربع سنوات لمجلس الأمة، وتغيب عنها محاولات حكومية حثيثة لتعطيل أدوات تعزيز الديمقراطية. لا يمكن تصور ديمقراطية راسخة اليوم من دون مؤسسة بلدية منتخبة تنمو فيها الحرية والتنظيم، وتعزز فيها الرغبة في الخدمة العامة.

كان الأمر سيختلف كثيراً لو أن الطبقة السياسية في الستينات قررت تكرار نموذج المجلس البلدي في مدينة الكويت القديمة وتعميمه على الجهراء ومناطقها في الشمال وقرى ساحل العدان في الجنوب ولم تفكر في البلدية على أنها جهاز حكومي يوزع موظفيه على طول البلاد وعرضها للرقابة والتفتيش.

إن البلديات في الدول الديمقراطية هي اللاعب الأساس في التحول الديمقراطي والضامن القوي لثباته وتقدمه أكثر، وما زالت الفرصة سانحة للكويت اليوم لتطبيق هذا النموذج وتعزيزه مع مرور الزمن وإعطاءه المساحة والمكانة اللازمة لتطوره وتنميته.

تعليق واحد

  1. أشكرك على هذه المقالة، لكن تمنيت أن تذكر نماذج لبلديات من دول ذات نظام ديموقراطي، حديثك عن نموذج الرياض و دبي متناقض لفكرة مقالك ، كيف تضرب أمثلة بنماذج توصف بالمركزية العالية و معدمة الديموقراطية بل أن في هذه الدول لا يوجد فيها مجالس منتخبة حتى لو صوريه أو تم حل مجالسها المنتخبة(المجلس البلدي).بالنسبة للرياض فزيد أخو عبيد ( لديها مشاكلها الجمه. من مركزيه ، موظفي معاملات ، مباني متهالكة و/أو أيله للسقوط،مناطق صناعية داخل الأحياء سكنية كالشويخ الصناعية ، مصافط عشوائية إلـخ)
    أما دبي فهي مدينة خلقت بنظام ” أجعل العرض يرتفع و العرض سيوفر طلب ، مرهون بزيادة السكان في الإماره. لكن ماذا لو لم يزداد الطلب !؟ ، أي إن نموذج المدينة لا يحتذى به. ولنا في أزمه ديونها عبره.و لمعرفه أكثر عن المدينة يمكنك الحديث مع د. محمد المطر أو مشاهدة حلقة “النموذج الاقتصادي المتفرد لإمارة دبي”. و أيضاً مشاهدة صور لمحيطي سوق الذهب و سوق نايف في دبي و المناطق الأخرى في الإماره المشابهة للجليب و المهبولة. دمت بود

أترك تعليقًا على عادل إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.