سيادتنا أم سيادتكم؟ في قصور مفاهيم السيادة في مصر وتونس

هبة خليل

كاتب المقالة

هبة خليل

هبة خليل

احتفلت دولتا مصر وتونس في الأيام الماضية بالذكرى الخامسة لثورتيهما اللتان ألهمتا العالم دون مبالغة، وأشعلتا فتيل انتفاضاتٍ عالمية وصلت إلى دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وإفريقيا وآسيا، بل وأمريكا اللاتينية. ولعل توصيف الاحتفال فيه مغالطة، فبينما احتفلت الحكومات وقطاعات من المواطنين، لم تخلُ الذكرى الخامسة للثورة في تونس من احتجاجات واسعة النطاق تطرح تساؤلات حول إمكانية اندلاع ثورة جديدة في تونس، بينما جاءت ذكرى ثورة مصر في ظل حملةٍ شرسة شنتها الدولة المصرية على الناشطين والعمّال والشباب من كافّة الخلفيات السياسية، مشيرةً إلى شبح ما يطارد نظام السيسي الذي بلغ القمع فيه درجات وصفها عدد من العاملين في مجال حقوق الإنسان بغير المسبوقة.

مع أن السنوات الماضية تضمنت العديد من النقاشات حول سيادة الشعوب العربية في تحديد مصائرها (كمقالتي فهمي هويدي عن مصر وعن تونس)، خصوصاً مع اندلاع الثورات بدءاً من تونس في عام ٢٠١٠م، إلّا أن النقاش تحول لحظة هروب بن علي وخلع مبارك إلى توكيد وتصريح مطلق أن السيادة قد عادت إلى الحكام الذين جاءوا إلى مواقع الحكم بسُبلٍ مختلفة، خصوصاً في مصر وتونس.

مؤكد أن أي نقاش حول السيادة سيتخذ منعطفا آخر لو نوقش على خلفية الوضع في اليمن أو سوريا أو ليبيا أو العراق؛ أو حتى في فلسطين المحتلة، إلّا أن الربيع العربي، في ذكراه الخامسة، ذكّرنا أن السيادة التي طالتها يد الشعوب العربية لأيام بل لأسابيع في ٢٠١٠-٢٠١١م قد انتهت.

قد يعتقد البعض أنه من الطبيعي في النظام الديموقراطي أن تمثل السلطة المنتخبة سيادة الشعوب؛ ولكن حتى هذه الفرضية لم تتحقق، حيث تطل علينا ذكرى ثورتي مصر وتونس الخامسة، في أجواء تؤكد فيها سلطات البلدين على حربها للدفاع عن سيادة الأوطان ضد الإرهاب والتدخلات الأجنبية -بينما ينتفض الشعب التونسي- ويطالع الشعب المصري صور ميدان التحرير على التلفاز-رمز امتلاك المواطن للشارع المصري، وبرأيي رمز استرداد الشعب المصري لسيادته على أرضه- فيرى الميدان مكتظٌ بسيارات الأمن المركزي ودبابات الجيش؛ وآلاف الجنود، وبعضهم -على الأقل- مدركٌ أنه لا سيادة لهم على ميدانهم.

في عشيّة الذكرى الخامسة لانفجار الثورات العربية، جاءت خطابات السبسي في تونس والسيسي في مصر مؤكدةً على سيادة الدولتين واستقلاليتهما، خصوصاً من خلال التأكيد على أنه ثَمّ تدخلات أجنبية تهدد أمن بلادهما، حيث أكدا على أن دولتيّ مصر وتونس ستحافظان على سيادتهما في محاربة الإرهاب، الذي يشكّل –كما جاء في الخطابين- أهم العوائق لنجاح الثورتين.

فيما يتحدث السبسي عن نجاح الثورة في تونس، والتقدم الذي أحرزته تونس كدولة “حُرة مستقلة ذات سيادة” جاء رد عشرات الآلاف من المواطنين التونسيين باحتجاجات واسعة النطاق، معبرين عن فشل حكومات ما بعد الثورة في تحقيق آمالهم ومعترضين على استمرار سياسة الإفقار التي انتهجها بن علي، وفي حوار له مع قناة الحرة، أجاب الرئيس السبسي عن سؤالٍ حول احتجاجات الشباب المستمرة في تونس، مؤكداً أن ثورة تونس بالأساس هي ثورة الشباب “الشباب غير المؤطر والذي لا زعامة له، والذي لا مرجعية دينية ولا أيديولوجية له، ولا ارتباط له مع الخارج”.

مع أن تصريح السبسي يمثل هجوماً غير مبرر على كل من يعمل من خلال إطار سياسي أو خلفية أيديولوجية أو دينية، إلّا أن الأهم من ذلك أن احتجاجات تونس (التي لم تقتصر على الشباب فحسب بل شملت كافة الفئات العمرية) عوملت من قبل الحكومة التونسية كتهديد لسيادة الوطن، واعتقل أكثر من ألف ومائة متظاهر ممن شاركوا في الاحتجاجات في يناير ٢٠١٦م.

وقد يلحُ علينا سؤال حول دور الانتخابات في نقل سيادة الشعوب الثائرة إلى حكومتي السبسي في تونس والسيسي في مصر، وكيف تبعها هذا الكم من عدم الرضا من جانب فئات عريضة من الشعبين المصري والتونسي عشيّة الذكرى الخامسة للثورتين؛ ولعل أحد أسباب عدم تفاهم السلطتين في مصر وتونس وشعبيهما هو اختلاف المفاهيم حول السيادة وما تشمله.

فالسيادة لها مفاهيم عدة ولا تنحصر في مفهوم الاستقلال الوطني؛ بل تمتد لتشمل سيادة الدولة في إدارة اقتصادها وسياساتها الداخلية، والالتفات لتفضيل مصلحة مواطنيها على مصالح أيّ أشخاص أو دول أو قوى اقتصادية أخرى، ولعل السيادة كما تمارسها الحكومات العربية لا تمتثل لمطالب الشعوب العربية المحتجة.

نظرة سريعة على نظريات السيادة:

تبقى سيادة الدولة الواجهة الأهم التي تسعى الحكومات حول العالم للحفاظ عليها، تعبيراً عن الاستقلال من أيّ تدخلاتٍ أجنبية تارة، وإشارة إلى قوة وعنفوان الجيوش وقوى الأمن -خاصةً في مواجهة المخاطر الخارجية والداخلية وعلى رأسها الإرهاب- تارة أخرى؛ ولكن السيادة مصطلحٌ سياسي متعدد المفاهيم، وبالتأكيد أشمل من مجرد مفهوم الاستقلال والحق الحصري لممارسة السلطة بل والقوة في منطقةٍ جغرافيةٍ ما.

تعود المفاهيم النظرية للسيادة للعهد الروماني، الذي أعطى للإمبراطور سيادة طبيعية؛ مصدرها الإلهام الإلهي، قد لا تختلف كثيراً عن سيادة الفرعون الذي لا تقيّدهُ قوانين ولا مؤسسات، ثم تطوّر المفهوم على مدار القرون وصولاً إلى الفيلسوف الفرنسي جين بودين (١٥٣٠-١٥٩٦م) الذي رسم شروط السيادة المرتبطة بالدول القومية، خصوصاً في فرنسا، حيث رأى أن الدول يجب أن تكون لها سلطةٌ دائمة -خصوصاً من جانب الكنيسة آنذاك- وغير مقيدة، مؤكداً على أن الشعب ليس مصدر السلطة؛ إنما الحاكم هو من يمارس السلطة المطلقة، سواءً قرر تعيين مستشارين لمساندته أم لا.

ثم جاء “صلح وستفاليا (١٦٤٨م)”مؤسساً لشكل الدول القومية الحديثة، في منتصف القرن السابع عشر، وهو معاهدة الصلح الأوروبية التي أسّست لسيادة الدول في القانون الدولي العام، وسيادة الدولة حسب المعاهدة تتضمن سيادة شاملة على أراضيها، وعدم أحقية أيّ دولة أخرى التدخل في شؤونها أو نطاقها الجغرافي؛ ولعل معاهدة وستفاليا ومفهومها الذي تبنّاه القانون الدولي هو السائد على المستوى الدولي، مع أنه قد انتقد من قبل العديد من المؤرخين وعلماء الاجتماع والعلوم الاجتماعية، مؤكدين على أن مفهوم السيادة ذاك قد حوصر مع العولمة والتدخلات العسكرية والهيمنة الاقتصادية لبعض الدول، والمؤسسات الاقتصادية الدولية؛ فبين مؤيد لسيادة الدول الكاملة، ومعارض لها، خصوصاً بحجة أن التدخل العسكري واجبٌ في بعض الحالات للدفاع عن حقوق الإنسان ومنع الجرائم ضد الإنسانية، وهو النهج الذي انتهجته الولايات المتحدة الأمريكية والمنطق الذي حشدت له المنظمات الدولية التنموية ومنظمات الإغاثة وبعض المثقفين في العقدين الماضيين؛ لتبرير تدخلاتها العسكرية في الشرق الأوسط.

ومن أهم النقاشات النظرية التي تدور حول السيادة هو نقاش العقد الاجتماعي، الذي اعتبره توماس هوبز (١٥٨٨-١٦٧٩) أساس سيادة الدول الحديثة، التي تستمد شرعيتها وسيادتها من مواطنيها، في مقابل العمل للصالح العام، وهو الإطار الذي عمل من خلاله كل من الفيلسوف الانجليزي جون لوك (١٦٣٢-١٧٠٤م) والفيلسوف الفرنسي جان-جاك روسو(١٧١٢- ١٧٧٨م) لتطوير مفهوم السيادة إلى “سيادة العامّة” أو السيادة الشعبية، مؤسسان لمبادئ المساواة بين المواطنين وحقوق وحريات الأفراد، كأساس لممارسة الدولة للسيادة، كما يؤسس روسو لسيادة القانون كمبدأ لتحقيق المساواة، مؤكداً أن سيادة القانون هي تفعيلٌ لإرادة الشعوب المسؤولة عن صياغة القوانين الحاكمة للحياة الجماعية في بلد ما.

إثراً للصراعات والحروب في القرنين العشرين والواحد والعشرين، ظهرت نقاشاتٌ أحدث حول السيادة، فنجد باحثاً كدونالد روتشيلد -أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا- يعيد تعريف السيادة كـ “مسؤولية”، مسؤولية الدول تجاه مواطنيها ورفاهيتهم وكرامتهم وحقهم في الحياة. ومن الجدير بالذكر أن مفهوم السيادة بوصفها مسؤولية له دورٌ هامٌ في تفعيل مبادئ المحاسبة والمسائلة، فالدولة المسؤولة، الممثلة لمصالح مواطنيها، يمكن مسائلتها من قبل الشعب، وهو ما يجعل الشعب فعلياً مصدر السيادة.

من العرض السابق؛ أرى موضوعين في غاية الأهمية لفهم الاختلافات الجوهرية في مفهوم السيادة في العالم العربي، فسيادة الدولة في العصر الحديث تستمد شرعيتها من المواطن؛ وهكذا، فسيادة الدولة تصبح صورية ومنقوصة إن لم تُعبّر عن سيادة الشعوب، بكل ما تعنيه تلك السيادة من سيادة لتقرير المصير واتخاذ القرارات وصناعة السياسات، كما أن ممارسة الحكومات للسيادة يجب أن تكون جزءاً من العقد الاجتماعي، فإن أخلّت الحكومات بهذا العقد، صارت ممارستها لما تسميه بالسيادة ممارسةٌ لقمع المواطنين.

مما لا شك فيه أن الحكومات المنتخبة في مصر وتونس تستمد شرعيتها وسيادتها من الانتخابات الرئاسية والبرلمانات المنتخبة، إلّا أن الدولتين قد فشلتا في ممارسة السيادة الفعلية، التي تحافظ على مصالح وحقوق المواطنين، واكتفت بسيادة قانونية، اتخذت في السنوات الماضية شكلا قمعيّا في مصر وتونس، استخدمتها الحكومات باسم حماية الوطن من الفرقة والإرهاب، فما كان من الحكومات إلّا أن تخلّت عن السيادة الجغرافية في أمور هامّة تمُسُّ المواطن، كالسياسات الاقتصادية والعقد الاجتماعي، واكتفت بفصاحة خطابات الاستقلالية والوحدة والسيادة الفارغة من المضمون.

السيادة القانونية مقابل السيادة الفعلية:

إن السيادة بالنسبة للعديد من الحركات الاجتماعية والعُمّالية والمواطنين في مصر وتونس تعني سيادة الدول في صناعة السياسات التي تتخلى عن مسار بن علي ومبارك، وتنتهج نهجاً يخدم مصالح المواطنين؛ ويتعامل بمسؤولية تجاه الشعوب التي انتفضت من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية. فنرى سنة ٢٠١١م تشهد مولد حملات ضد المديونية في تونس ثم مصر (حملة “ما جالولناش” في تونس، و”الحملة الشعبية لإسقاط ديون مصر” في مصر، تطالب حكومات ما بعد الثورة بمواجهة المانحين الأجانب، خصوصاً من خلال عدم سداد الديون الكريهة التي طالما قدمتها جهات أجنبية باسم التنمية، مدركةً أن الديون المعروفة بالكريهة ليست إلّا منحة للحكام العرب وهبة لحساباتهم الشخصية، لا ينبغي للشعوب تحمل مسؤولية ردها.

ونرى الحركات العمالية، خصوصاً عمال القطاع العام وقطاع الأعمال العام في مصر، والاتحاد العام التونسي للشغل، يطالبون بإنهاء عهد الخصخصة ومراجعة صفقات بيع المنشئات الصناعية والخدمية، وهي الصفقات التي شابها الفساد وإهدار الموارد العامة، وتكسّب منها العديد من رجال الدولة ممن اختلطت مسؤولياتهم كسياسيين ومسئولين بمصالحهم كرجال أعمال؛ فارتفعت الأصوات في مصر مطالبة بمحاكمة عائلة مبارك ورجاله من الفاسدين وعلى رأسهم أحمد عز وحسين سالم، كذلك ارتفعت المطالبات في تونس باسترداد الأموال المنهوبة، ومحاكمة الفاسدين، خصوصاً من أسرة ليلى الطرابلسي، زوجة الرئيس المخلوع بن علي.

من ناحية أخرى، ارتفع دويّ الاحتجاجات في كُلّ من مصر وتونس مطالبة بتوفير فرص العمل والمعاشات، وزيادة الرواتب، وتقديم الخدمات العامة كالصحة والتعليم والإسكان الاجتماعي وخدمات البنية التحتية، كمحطات مياه الشرب والصرف الصحي والطرق والمواصلات العامة؛ فمصر شهدت حوالي خمسة آلاف احتجاج ذا مطالب اقتصادية واجتماعية (غير سياسية) منذ يوليو ٢٠١٣م (ومع بدء عهد الرئيس المؤقت عدلي منصور، والرئيس الحالي ووزير الدفاع السابق عبد الفتاح السيسي) حسب إحصاءات المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

أمّا تونس، فقد فاجأت العالم بموجة احتجاج، ارتفع صداها في سبتمبر ٢٠١٥م مع الانتهاء من مسوّدة قانون المصالحة الاقتصادية التونسي، الذي تخلّت فيه دولة تونس عن سيادتها وسيادة مواطنيها بمعاقبة المفسدين ومحاسبة من أجرم بحق الشعب التونسي، وبلغت الاحتجاجات أعلى درجاتها في يناير ٢٠١٦م مع الذكرى الخامسة للثورة التونسية.

والسؤال هنا، أين كانت سيادة دولة تونس حين سمحت لصندوق النقد الدولي بإملاء شروطه باستمرار تونس في خصخصة المنشآت العامة وخفض المصروفات الاجتماعية ومصروفات الدعم؛ وزيادة الإيرادات الضريبية من خلال ضريبة المبيعات التي لا تُحقق إلّا أعباءً على المواطن التونسي؟ والسؤال الأهم يكمن بمدى ارتباط هذه السيادة بمسؤولية الدولة تجاه مواطنيها، فالسيادة في العصر الحديث لابد وأن تنبع من مسؤولية لا من سلطة مطلقة فقط، وإلّا كانت السلطة استبدادية.

فمن ناحية، نرى الدولة تتخلى عن جزء من سيادتها حين تخضع لشروط المؤسسات المالية الدولية، دون مراعاة مطالب المواطنين؛ ومن ناحية أخرى تتخلى الدولة ذات السيادة عن ركن من أركان سيادتها، أي مسؤوليتها تجاه مواطنيها، فتُخل دولة تونس بمسؤوليتها إزاء المواطن التونسي الذي تضعف قوته الشرائية جرّاء غلاء الأسعار الناتج عن تطبيق ضريبة القيمة المضافة، وخفض مصروفات الدعم والنفقات الاجتماعية، وهي من أهم شروط صندوق النقد الدولي.

يطرح ذات التساؤل الذي يربط بين مفهوم الدول للسيادة ومفهومها للمسؤولية علامات استفهام حول تمرير الدولة التونسية لقانون المصالحة الاقتصادية، الذي ينُص حرفياً على وقف محاكمة رجال الأعمال وكبار رجال الدولة المتورطين بجرائم الفساد المالي، وذلك من أجل العمل على إنعاش الاقتصاد التونسي. فأي مفهوم للسيادة يقبل تكبيل النظام القضائي ويتنازل عن حق الدولة -ذات السيادة- ومواطنيها في معاقبة من استباح الأموال العامة لمكاسب شخصية؟

إن مفهوم السيادة في تونس ومصر، والعديد من الدول العربية قد يرتبط بقوة الدولة في الحفاظ على حدودها وأمنها ضد الارهاب، وقد يتضمن الحفاظ على “كرامة الوطن” التي قد تُختزل في كرامة أشخاص (كرئيس جمهورية أو رئيس وزراء) وقد تمتد لتشمل “كرامة” مؤسسات الدولة؛ إنما ليس على كرامة المواطن، وطالما لم ترتبط تلك المفاهيم بمسؤولية الدول تجاه المواطنين، قد ينتهي الحال بالدول لأن تنتهك حقوق وكرامة مواطنيها باسم السيادة.

ولذلك؛ لا يكون مفهوم السيادة محدود النطاق فحسب، بل يكون منفصلٌ تماماً عن المواطنين، المصدر الأصل للسيادة ، بحيث تُستغل سيادة الدولة -وكأنها أتت من فراغ- لانتهاك حقوق المواطنين (كالمعارضين السياسيين أو المتظاهرين أو حتى الفقراء).

فمفهوم السيادة في مصر وتونس لم يتعارض والتوقيع على شراكة دوفيل المؤسسة لعهد اقتصادي ليس إلّا استكمالاً لعهد قديم بدأهُ بن علي ومبارك في (مايو ٢٠١١م) أي بعد بضعة شهور من اندلاع الثورات العربية. فهي سيادةٌ تقبل بتكبيل حريتها ومساحتها وحقها بصناعة السياسات في نطاقها الجغرافي من خلال القبول بشروط معاهدة دوفيل، متجاهلة التزاماتها تجاه شعوب لم يمض على انتفاضاتها غير أشهر قليلة.

في مصر، رحبنا بالذكرى الخامسة للثورة في ظل عودة لبرنامج الخصخصة (الذي كان قد توقف بضع سنوات بعد مظاهرات واسعة من قطاعات العمّال واعتراضاتٍ شعبية على الفساد المسيطر على صفقات الخصخصة) فما كان من رئاسة الجمهورية في مصر إلّا الإعلان عن طرح حِصص شركات وبنوك مصرية “ناجحة” في البورصة في الفترة القادمة، وهو إنعاشٌ لبرنامج الخصخصة الذي انتهجته حكومات مبارك، خصوصاً حكومة رئيس الوزراء الأخير لمبارك أحمد نظيف، ولعل العودة للخصخصة يبدو لنا كخيار اقتصادي لا يتعلق بالسيادة المصرية؛ ولكنه يصبح قراراً سيادياً عندما  يأتي في إطار قوانين التصالح مع المستثمرين في مصر (التي سبقت مثيلاتها في تونس)، وقانون الاستثمار الأحدث الذي يعامل الفساد كخطأ إداري يتم التصالح عليه بعيداً عن سلطة المحكمة الجنائية، في ظل تعديلات قانون ضمانات وحوافز الاستثمار بمنع أي طرف ثالث من الطعن في العقود التي تبرمها الدولة مع المستثمرين؛ ما تسبب في وقف سيل من الدعاوي التي شكت الفساد في تعاقدات الدولة ببيع وتأجير وتخصيص الممتلكات العامة، والتي كانت المحاكم الإدارية والجنائية في مصر قد حكمت بسببها بفساد تعاقدات الدولة وإهدارها للأموال العامة، فأيّ سيادة تلك التي أخرست مواطنيها وأسكتت قضائها؛ إرضاءً لمستثمرين أجانب ومؤسسات مالية دولية أبت أن ترى مصر تنهي عهد الفساد؛ والعمل لصالح البعض على حساب جموع الشعب المصري؟

وبذات المفهوم المحدود للسيادة؛ سمحت الحكومة المصرية للبنك الدولي، في ظل الذكرى الخامسة لثورة يناير، أن يشترط على مصر بفجاجة خفض ميزانية أجور الموظفين وزيادة الضرائب وخصخصة بعض الخدمات والقطاعات الحكومية وزيادة فاتورة الكهرباء على المواطنين وغيرها من التدخلات السافرة في السياسة الاقتصادية. أيّ سيادة تلك التي تقبل هذه الشروط، متعللة بأن البنك الدولي وخبراءه “الأجانب” هم الأكثر معرفة بصالح المواطن المصري، كما تعلل مبارك الذي لم يستمع لغيرهم؟

هي السيادة المحدودة التي لا تعترف بمسؤولية الدولة تجاه مواطنيها، ولا بأحقية المواطنين بممارسة تلك السيادة، هي السيادة السلطوية التي تحافظ على الحدود وكرامة “البعض” وتحارب الإرهاب بالطبع لما يمثله من خطر على سيادة الدولة بحق، متناسية بذلك المفهوم الأشمل للسيادة، المفهوم الذي يضع المواطن ومصالحه كهدف للدولة التي استمدت سيادتها من المواطن ذاته.

وهكذا فسيادة الدولة المصرية قد تخلت عن سلطة صناعة القرار، وسمحت لرأس المال الأجنبي (الذي سيشتري أصولاً مصرية ثم يستثمر أرباحه في الخارج) أن يتحكم بمصائر المواطنين تاركةً المواطن للفقر والجوع، هي ذات السيادة التي تقمع المواطن وتصادر حتى حقه في الاعتراض، مشرّعة قوانين تجرم الإضرابات والتظاهرات والتجمّعات، مبررة تلك التشريعات بحجج مكافحة الإرهاب أو الحفاظ على الاستقرار والسيادة الوطنية.

المفهوم الضيق للسيادة في ظل التدخلات الأجنبية وداعش:

لعل أزمة السيادة تلك ليست حصراً على مصر وتونس، فالعديد من الدول في المنطقة العربية، وخارجها، مصابة بداء الحرص المستمر على التأكيد على سيادة الدولة وتحررها من أي تدخلات أو ضغوطات أجنبية؛ فقصور مفهوم السيادة له مبررات، من أهمها أن الدول العربية كانت ولا تزال تعاني من التدخلات العسكرية الأجنبية، خصوصاً في السنوات الأخيرة، فالتدخل الأجنبي قد استمر على مدار القرن الماضي، منذ الاحتلال البريطاني والفرنسي للعديد من دول المنطقة، بعد انهيار الدولة العثمانية، والاحتلال الصهيوني الذي يسّره الاحتلال البريطاني في بداية القرن العشرين، واعتداءاته وحروبه التي لم تنته، والتدخلات الأمريكية في المنطقة إبان حرب أكتوبر، وحرب الخليج، ثم دفعة التدخلات التي تبعت غزو واحتلال العراق، وخصوصاً في ضوء النزاعات الناتجة عن انتفاضات الشعوب العربية، وكان على رأسها التدخل في ليبيا، حتى جاء أخيراً اشتراك القوات الأمريكية وغيرها من القوى الأوروبية والعربية في الحرب على داعش في السنتين الماضيتين.

مع أن حرب الجيوش مستمرة على الأراضي العربية، إلّا أن هذا لا ينبغي أن يلهينا عن الحرب الناعمة التي تقودها المؤسسات المالية الدولية والتكتلات الاقتصادية الأكثر تأثيراً؛ كمجموعة دول الثمانية ومجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والتي كانت من أهم مظاهرها أن صممت تلك الدول على توقيع مصر وتونس (والمغرب والأردن) على اتفاقية دوفيل التي أسست للتعاون الدولي، واحترام النظام الاقتصادي الدولي وشروطه وتحكماته، وذلك بعد ٣ شهور فقط من اندلاع الثورات العربية، كما جاء أول رد فعل للاتحاد الأوروبي لنجاح ثورتي مصر وتونس بأن دعى الدولتين للتفاوض حول “اتفاقيات تجارة حرة شاملة وعميقة” من شأنها الإسراع في تحويل قوانين الاستثمار والمشتريات الحكومية والضرائب العامة إلى نظم تضمن استمرار دولتي مصر وتونس في انتهاج نفس السياسات الاقتصادية النيوليبرالية والتخلي عن قدرتيهما على تنظيم الاقتصاد.

إنه من المفجع أن محاولة تنظيم الاقتصاد في مصر أو تونس والعديد من الدول العربية اليوم، قد تؤدي إلى تقاضي دولي ضد الحكومات؛ فلا نتعجب حينما تقوم شركة فيوليا الفرنسية، صاحبة عقود جمع القمامة وإعادة تدوير المخلفات في محافظة الإسكندرية بمصر بإقامة دعواها ضد مصر في يونيو ٢٠١٢م اعتراضاً على قرار الحد الأدنى للأجور الذي أصدرته الحكومة المصرية في ديسمبر ٢٠١١م بعد اندلاع الثورة، معللة ذلك بأن قرار الحكومة من شأنه التأثير على أرباحها.

وهكذا، فالسيادة العربية قطعاً مهددة بالتدخلات العسكرية الأجنبية؛ ولكن هذا المقال حاول توسيع نطاق الحديث عن السيادة ليشمل مفهوم أوسع لسيادةٍ لا تقل أهمية ولا خطورة عن المفهوم الأول: ألًا وهي سيادة الدول في صناعة السياسات العامة داخل حدودها، وهي السياسات التي عندما تنتهجها الدول استجابةً لمصالح أجنبية، بدلاً من مصالح شعوبها، تجعل الشعوب العربية تنتفض.

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.