هل لعبت السعودية دوراً في إنهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي؟

سلطان العامر

كاتب المقالة

سلطان العامر

كاتب وطالب دكتوراة في العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن.

العلاقات السعودية-الأمريكية محفوفة بالكثير من الأساطير، فالساسة الأمريكيون عندما يبررون هذه العلاقة – مع حكومة غير ديمقراطية أمام قواعدهم الاجتماعية – يصفونها بطرق ليست بالضرورة مطابقة لحقيقة هذه العلاقة، ولعلّ أسطورة أن العلاقة مبنية على معادلة “النفط مقابل الحماية” هي الصيغة الأشهر التي تتداولها النخب الأمريكية لمناقشة وتبرير ومهاجمة هذه العلاقة. في الجهة المقابلة، ولتبرير العلاقة مع دولة مهيمنة على المنطقة، نجد أشكالاً مختلفة من الأساطير لمناقشة هذه العلاقة وتبريرها، وعندما زار الرئيس بايدن المملكة في 15 يوليو 2022، نشرت سفيرة المملكة في واشنطن الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان مقالا بعنوان “شكل جديد للعلاقات السعودية الأمريكية” ذكرت فيه سلسلة من الأساطير والتي تبدأ بأسطورة مؤسسة مفادها أن لقاء روزفلت بالملك عبد العزيز في عام 1945م كان من أجل “بناء أسس الشرق الأوسط لفترة ما بعد الحرب”. ورغم أنه لا يوجد أي دليل يدعم أن القائدين تناولا شكل الشرق الأوسط بعد الحرب أو أسس العلاقة بين بلديهما، إلا أن السفيرة انطلقت من هذه الأسطورة لبناء عدد من الأساطير الأخرى، أهمها والتي تعنينا هنا هو أن السعودية وأمريكا “عملتا معا على هزيمة الشيوعية السوفيتية”.

كان بإمكاني تجاهل هذه القصة باعتبارها جزءاً من حملة علاقات عامة تقوم بها السفيرة لولا أني وجدت أكاديميين ومحللين يكررونها بشكل مستمر، ففي اللقاء الذي أجراه مذيع بودكاست فنجان عبد الرحمن أبو مالح مع أستاذ جامعة برينستون برنارد هيكل، ذكر الضيف في الدقيقة 11 أن “السعودية كان لها دور محوري في محاربة الاتحاد السوفييتي و(هناك) مقولة إن الاتحاد السوفييتي انهار …فيه ناس كثر يقولوا ان الاتحاد السوفيتي انهار بسبب الهزيمة في أفغانستان…. ولكن في مقولة ثانية بتقول ان الاتحاد السوفييتي هو بلد.. يصدر النفط وفي الثمانينات سعر النفط انخفض بشكل مهول وإنه الدولة السوفييتية أفلست بسبب انخفاض سعر البترول. من اللي نزل سعر البترول في الثمانينات؟ المملكة السعودية لأنها ضخت بوقتها كميات هائلة من البترول…ونزلت السعر ولذلك أفلس الاتحاد السوفييتي. ولذلك فيه مقولة إن تحطيم وتدمير الاتحاد السوفييتي بسبب المملكة العربية السعودية… بسبب دور المملكة العربية السعودية بسبب سياساتها النفطية… والروس يقولون ذلك”. وفي مقالة نشرها الباحث في معهد هدسون في واشنطن ورئيس تحرير موقع قناة العربية الإنجليزي سابقا محمد اليحيى في مجلة “ذا ناشونال انترست” بعنوان “ماذا تريد السعودية من أمريكا؟“، ذكر فيها أن السعودية والولايات المتحدة الأمريكية “ساعدتا على هزيمة الاتحاد السوفييتي وإنهاء الحرب الباردة”.

إن هذه القصّة ليست سوى أسطورة، ومعنى كونها أسطورة أنه لا يراد منها تحري دقّة ما حدث في الماضي بقدر ما يراد منها تسخير وإعادة قولبة هذا الماضي للتأثير على الحاضر والمستقبل، ذلك أننا عندما نتحرى الدقّة فيما حصل في الماضي سنجد أن هذه القصّة مركبة من زعمين خاطئين: أما الزعم الأول فهو أن الحرب الباردة انتهت بانتصار أمريكي، وهذا خطأ، فحالة الحرب الباردة بين الإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة أُنهيت بشكل رئيس من قبل الجانب السوفييتي وخاصة بجهود ميخائيل غورباتشوف. هذا بحد ذاته كاف لهدم هذه الأسطورة، ذلك أنه إذا لم يكن هناك انتصار أمريكي فلا يوجد إسهام سعودي في هذا الانتصار.

وقد يزعم بعضهم زعماً آخراً وهو أنه حتى لو لم يكن هناك انتصار أمريكي فزيادة انتاج النفط السعودي في منتصف الثمانينات لعبت دوراً حاسماً في دفع الإتحاد السوفييتي لإنهاء الحرب، وهذا الزعم خطأ أيضاً، ويمكن تبيان خطئه من جهتين: فمن جهة لا يوجد أي دليل على أن قرار زيادة الإنتاج كان قراراً سياسياً موجهاً ضد الاتحاد السوفييتي. بل كان في الغالب قراراً اقتصادياً لتفادي الأزمة التي واجهتها المملكة بسبب تهاوي الأسعار وانخفاض الإنتاج وعدم التزام بقية أعضاء أوبك بالحصص المخصصة لهم. وإن كان في القرار أي بعد سياسي، فهو كان موجها ضد إيران ما بعد الثورة والتي مثلت تهديداً كبيراً للسعودية وكانت آنذاك منخرطة بحرب طاحنة مع العراق. ومن جهة أخرى، فإن تهاوي أسعار النفط نفسه، بغض النظر عن المقصد من ورائه، لم يلعب دوراً حاسماً في توجيه قرار غورباتشوف بإنهاء الحرب الباردة.

الإتحاد السوفيتي والسردية الانتصارية الأمريكية

قبل أن أبدأ بتفصيل الرد أعلاه، أود أولاً أن أوضح بشكل مختصر ما هو الاتحاد السوفييتي، ذلك أن تذكر الحجم الهائل والمعقد لهذه التجربة البشرية مهمّ لتقييم الزعم بتأثير انخفاض أسعار النفط على انتهاء الحرب الباردة أو على انهياره. فهذا الإتحاد تشكّل في عام 1922، وذلك بعد انهيار الإمبراطورية الروسية نتيجة ثورة فبراير عام 1917 والحرب الأهلية التي أعقبتها وانتصر فيها البلاشفة الشيوعيون. ففي نهاية سنة 1922، اجتمع ممثلو ست جمهوريات تشكلت على الأراضي التي كانت تهيمن عليها الإمبراطورية الروسية، وهي جمهورية روسيا السوفيتية، وأوكرانيا السوفيتية، وأرمينيا السوفيتية، وآذربيجان السوفيتية، وبلاروسيا السوفيتية، وجورجيا السوفيتية، واتفقوا على تأسيس اتحادٍ بينهم سمي الإتحاد السوفيتي. كان هذا الاتحاد، على الورق، فدراليا وتضمنت نصوص تأسيسه حق أيٍّ من هذه الجمهوريات المكونة له على الانفصال الطوعي عن الإتحاد. وبعد تأسيس الإتحاد بعدة عقود، زادت عدد جمهورياته إلى خمس عشرة جمهورية واستمر على هذا العدد حتى لحظة تفككه.

مات مؤسس ومهندس هذا الإتحاد فلاديمير لينين في عام 1924 ليخلفه جوزيف ستالين الذي حكم البلاد بقبضة حديدية راح ضحيتها الملايين من الناس. وإبّان الفترة الستالينية، استطاع الاتحاد السوفيتي ردّ هجوم ألمانيا النازية والقضاء عليها والخروج من الحرب العالمية الثانية قوة عظمى ثانية منخرطة في حرب باردة ضد الولايات المتحدة الأمريكية. توفي ستالين عام 1953، واستمر الاتحاد السوفيتي – بعد أن خفف من غلواء نزعات الفترة الستالينية الشمولية – قوة عظمى مدججة بالأسلحة النووية، خاضعاً لهيمنة الحزب الشيوعي، حاملاً للواء الشيوعية، رافعاً دعاية نصرة شعوب العالم الثالث التي بدأت تتحرر للتوّ من الاستعمار، ومنافساً شرساً للولايات المتحدة استطاع تسجيل عددا من النقاط ضدها مثل إطلاقه أول رحلة فضائية في تاريخ البشرية وكذلك في دعم الجبهة الوطنية لتحرير فيتنام الجنوبية، و فيتنام الشمالية في انتصارها ضد حكومة فيتنام الجنوبية والولايات المتحدة.

بعد ستة عقود من تأسيسه، ومع بداية التسعينات، بدأت الجمهوريات المكونة له بإعلان الاستقلال واحدة تلو الأخرى. كانت دول البلطيق الثلاثة (ليثوانيا، لاتفيا، وإستونيا) هي أول من استقلت وذلك في الفترة من مارس-مايو 1990. حاولت الحكومة المركزية في الاتحاد السوفيتي بقيادة غورباتشوف منع انتشار الاستقلالات عبر تصميم صيغة جديدة للإتحاد تقلل من الصلاحيات والسلطات التي تمتع بها الحكومة المركزية لصالح الجمهوريات المكونة لها. إلا أن مجموعة من القيادات العسكرية والمدنية لم يكونوا راضين عن سياسات غورباتشوف فحاولوا الانقلاب عليه في أغسطس 1991، لم تستمر المحاولة لأكثر من يومين، لكنها، رغم فشلها، أضعفت كثيراً من نفوذ غورباتشوف والحكومة المركزية للإتحاد. بعد فشل محاولة الانقلاب بيومين، أعلن غورباتشوف حلّ الحزب الشيوعي السوفيتي وكافة أفرعه، وفي نفس اليوم طالبت جمهورية أوكرانيا باجراء استفتاء حول استقلالها من الاتحاد السوفيتي. ومع إنهاء حكم الحزب الشيوعي وإعلان أوكرانيا استقلالها، بدأت سلسلة إعلانات الجمهوريات لاستقلالها، وهكذا استقلت مولدوفا، ثم أذربيجان، ثم أوزباكستان، ثم كريجستان. وفي شهر سبتمبر، استقلت طاجيكستان وأرمينيا. وفي شهر أكتوبر تركمانستان. وفي شهر ديسمبر استقلت بيلاروسيا ثم روسيا ثم استقلت كازخستان. وفي ليلة عيد الميلاد، 25 ديسمبر 1991، خرج الزعيم السوفييتي ميخائيل غورباتشوف على شاشات التلفاز معلنا استقالته عن منصب رئاسة الاتحاد السوفيتي وحلّ الإتحاد السوفيتي.

بهذه الطريقة السلمية التي لم تطلق فيها طلقة رصاص واحدة تفكك وتبخّر هذا الكيان السياسي الضخم الذي كان أكبر دولة في العالم من حيث المساحة (كان يسيطر على سُبع الأرض)، والثالث من حيث عدد السكان (قرابة الثلاثمائة مليون نسمة). وأدى سقوطه إلى تغيرات سياسية كبرى لا زلنا نعيش آثارها حتى اليوم، كالغزو الروسي لأوكرانيا. فبعد انهياره، اتحدت ألمانيا الغربية والشرقية في دولة واحدة، وتمدد الإتحاد الأوروبي شرقاً ليضم كثيراَ من الدول التي كانت حليفة للاتحاد السوفيتي أو جزءاً منه. وبسقوطه، أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية القوّة العظمى الوحيدة طيلة العقدين التاليين، حيث استطاعت تمديد حلف الناتو ليشمل عددا من الجمهوريات السوفيتية السابقة أو تلك التي كانت متحالفة معه.

إن حدثاً ضخماَ بهذه الآثار المزلزلة في كافة أرجاء العالم لأمر نادر في التاريخ، وطبيعي أن يتسابق الجميع، من محللين وصحفيين وساسة ومنظري المؤامرات إلى التعاطي معه سواء عبر تغطيته أو تحليله أو استغلاله. وكان الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب أول من قدّم سردية انتصارية لما عناه هذا الحدث الضخم. ففي ليلة الكريسمس نفسها التي أعلن فيها غورباتشوف استقالته، خرج بوش على التلفاز معلناً انتصار الولايات المتحدة، حيث قال إن “الاتحاد السوفيتي انتهى. إنه انتصار للديمقراطية والحرية، إنه انتصار للقوة الأخلاقية لقيمنا، وعلى كل أمريكي أن يشعر بالفخر بهذا الانتصار”. وبعد عدة أسابيع، وفي خطابه عن حالة الإتحاد الأمريكي، قال “الشيوعية ماتت هذه السنة… بفضل من الله، انتصرت أمريكا في الحرب الباردة… إن الحرب الباردة لم تنته من تلقاء نفسها بل انتهت بانتصارنا”.

وهذه السردية الانتصارية التي قدمها بوش الأب ستصبح القصة السائدة والمهيمنة في الخطاب السياسي الأمريكي. وفي عام ٢٠٠٤، حررت المؤرخة الأمريكية إلين شريكر، المشهورة بكتاباتها عن تاريخ المكارثية، كتاباً بعنوان انتصارية الحرب الباردة لنقد هذا الخطاب شارك فيه نخبة من المؤرخين المتخصصين بالتاريخ الأمريكي. كان المفهوم الجامع لأوراقهم وفصولهم هو مفهوم “الانتصارية”. والمقصود به هو الإصرار على قراءة نهاية الحرب الباردة وتفكك وسقوط الإتحاد السوفيتي على أنه انتصار أمريكي، وتحميل هذا الانتصار بمعان وأبعاد متعددة: باعتباره انتصارا للحق على الباطل، للرأسمالية على الشيوعية، للديمقراطية على الدكتاتورية…إلخ. إلا أن مثل هذه النقودات لم تجد طريقها إلى واشنطن الذي ظلت تسيطر عليها السردية الانتصارية الأمريكية السائدة والمهيمنة.

ثلاثة أشياء مختلفة: “نهاية الحرب الباردة” و”دحر الشيوعية” و”تفكك الاتحاد السوفيتي”

تكمن المشكلة الرئيسية بالسردية الانتصارية الأمريكية في الخلط بين ثلاثة أمور معاً، فهي تعتبر نهاية الحرب الباردة حدثاً مساوياً لدحر الشيوعية من جهة وتفكك الاتحاد السوفيتي من جهة أخرى، وهذا الخلط غير صحيح، ولنبدأ بالشيوعية. فاليوم، وبعد مرور أكثر من ثلاثين سنة على تفكك الاتحاد السوفييتي لا تزال الأحزاب الشيوعية تحكم دولاً متعددة تبدأ من الصين أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، مروراً بكوريا الشمالية النووية، ثم فيتنام التي هزم حزبها الشيوعي الولايات المتحدة وصولا لكوبا القريبة من حدود أمريكا نفسها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى – وقد بيّناه فيما مضى- فإن الحزب الشيوعي السوفيتي حُلّ وتفكك على يد غورباتشوف وبوريس يلتسين بعد محاولة الانقلاب قبل تفكك الاتحاد السوفيتي بعدة أشهر.

أما بالنسبة للحرب الباردة بين الإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة فهي قد انتهت قبل تفكك الاتحاد السوفيتي بخمس سنوات. والحدث الرئيس الذي معه انتهت هذه الحرب هو عندما وقّع غورباتشوف والرئيس الأمريكي دونالد ريجان معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى في 8 ديسمبر 1987م.

ماذا يعني كل هذا؟ إنه يعني أن الحرب الباردة انتهت دون تفكك الاتحاد السوفيتي، وأن الشيوعية لم تنته مع هذا التفكك. بل إن الولايات المتحدة كانت تسعى لمنع تفكك الاتحاد السوفيتي في الفترة بين انتهاء الحرب الباردة وحتى تفكك الاتحاد السوفيتي وقد بين ذلك أستاذ التاريخ في جامعة هارفرد سيرهي بلوخي في كتابه الإمبراطورية الأخيرة. إن مجرد تذكر هذه الفروقات بهذه الطريقة تتيح لنا رؤية الشقوق الكبيرة التي تحاول هذه السردية الانتصارية رقعها.

لكن يوجد هناك من يميز بين هذه الفروقات ويقول إن معنى “الانتصار” الأمريكي في الحرب الباردة يتلخص في نجاح ريجان بإخضاع غورباشتوف على توقيع معاهدة الصواريخ النووية في 1987م بعد إعلانه عن مبادرة حرب النجوم. فقبل ريجان، كانت الطريقة التي اتبعتها كل من أمريكا والاتحاد السوفيتي لمنع قيام حرب نووية هو بضمان وجود حالة ردع متماثلة، وطالما أن كل طرف يعرف أنه سيباد عند محاولته إبادة الطرف الآخر فسيكون هذا رادعاً عن استخدام السلاح النووي من كل طرف. لكن عندما وصل ريجان رفض هذه الحالة وقرر بناء قدرات ردعية متقدمة تقنيا ذات أبعاد فضائية لشل قدرة السوفييت من إبادة الأمريكيين، عرفت بمبادرة الدفاع الاستراتيجية أو برنامج حرب النجوم. تمضي القصة لتقول إنه بعد اعلان ريجان لحرب النجوم في مطلع عام 1983 أدى هذا لإجهاد الاتحاد السوفيتي اقتصادياً وإعجازه عن مجاراة الولايات المتحدة في سباق التسلح فأرغم غورباتشوف إرغاما على توقيع المعاهدة وإنهاء الحرب. أي أن العلاقة السببية التي تطرحها هذه النظرية هي كما يلي:

مبادرة حرب النجوم -> إجهاد الاتحاد السوفيتي اقتصاديا وعسكريا -> اضطرار غورباتشوف لتوقيع المعاهدة.

إن أفضل من تفحص هذه العلاقة السببية بشكل مفصّل هو لويجي لازاري في أطروحته للماجستير في كلية الدراسات العليا للقوات البحرية التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، حيث قام بفحص هذه المقولة اعتماداً على جميع الأدلة المتاحة وتوصل إلى أن النظرية ليست صحيحة وأن استراتيجية حرب النجوم كانت في أفضل حالاتها عاملاً ثانوياً في قرار غورباتشوف توقيع الاتفاقية. إن هذه الدراسة، وغيرها الكثير، كافية لدحض السردية الانتصارية الأمريكية.

لكن ماذا عن السردية الانتصارية السعودية؟ هذه السردية يمكن أن تأخذ شكلين، الشكل الأول أن القرار النفطي السعودي أدى لتفكك الاتحاد السوفيتي. وبعد أن بيّنا أن الفرق بين سقوط الاتحاد السوفييتي وبين نهاية الحرب الباردة هو خمسة سنوات، فإن العلاقة السببية بين رفع انتاج النفط السعودي في 1985 وتفكك الإتحاد السوفيتي بعد ذلك بستة أعوام ستكون بعيدة وصعبة الإثبات لوجود كثير من الأحداث والتقلبات والمنعطفات بين هذين الحدثين. أهم هذه الأحداث هو أن وزير الخارجية السعودية آنذاك سعود الفيصل ذهب في 17 سبتمبر 1990 إلى موسكو للقاء غورباتشوف لإعادة العلاقات بين المملكة العربية السعودية والاتحاد السوفيتي المقطوعة منذ أكثر من خمسين سنة وذلك قبل سنة من بدء تفكك الاتحاد السوفيتي، وأثناء لقاءه مع غورباتشوف، ذكر سعود الفيصل أنه يأمل بأن “الخطوة التي اتخذناها اليوم، إعادة العلاقات الدبلوماسية، ستفتح الباب لتطور علاقات قويّة ومتقاربة بين البلدين في كافة المجالات”. فلو كانت المملكة تريد من قرار زيادة انتاج النفط تفكيك الإتحاد السوفيتي، فلماذا تعيد علاقاتها المقطوعة معه لأكثر من خمسين سنة قبل تفككه بعام؟ بل حتى لو كانت لم ترد من زيادة قرار انتاج النفط تفكيك الإتحاد السوفيتي، وأنه صار معروفاً أن هذا القرار أدى لتفكيك الإتحاد السوفيتي بدون قصد، فلماذا تعيد علاقاتها معه قبل تفككه الفعلي بسنة؟ كل هذا يدل على أن هذه العلاقة بين قرار السعودية النفطي وتفكك الاتحاد السوفيتي ضعيفة جدا ولا تستحق مزيد مناقشة.

لكن السردية الانتصارية السعودية يمكن أن تصاغ بشكل مختلف أكثر قوة من الشكل السابق، وذلك باعتبار أن القرار النفطي السعودي أدى لإجبار غورباتشوف على توقيع المعاهدة النووية التي أدت لنهاية الحرب الباردة. أي أن سياسات السعودية النفطية فاقمت من الصعوبات الاقتصادية لغورباتشوف فكانت عاملاً إضافياً ومهماً لحرب النجوم في دفعه بقوة لتوقيع المعاهدة. أي أن شكل العلاقة السببية سيكون كالتالي:

مبادرة حرب النجوم + القرار النفطي السعودي -> إجهاد الاتحاد السوفيتي اقتصاديا وعسكريا -> اضطرار غورباتشوف لتوقيع المعاهدة.

وهذه العلاقة السببية التي سنقوم بتفحصها في الفقرة القادمة.

هل أجبرت سياسة النفط السعودية غورباتشوف ليوقع معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى؟

حتى نجيب على هذا السؤال، علينا رسم الخط الزمني للأحداث من جديد:

1983، أعلن ريجان عن حرب النجوم.

15 مارس 1985، تم اختيار ميخائيل غورباتشوف ليصبح أمينا عاما للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي.

سبتمبر 1985 قررت السعودية زيادة إنتاجها للنفط من قرابة 2.5 مليون برميل في اليوم إلى 6 مليون برميل في اليوم.

يوليو 1986 تهاوى سعر النفط من 27 دولار للبرميل قبل الإعلان السعودي إلى 8.5 دولار.

ديسمبر 1987، وقع غورباتشوف وريجان معاهدة الصواريخ.

وبسبب هذا التسلسل الزمني للأحداث، يمكن فهم لماذا يرى البعض أن القرار السعودي كان له تأثيراً حاسماً على إجبار غورباتشوف على توقيع المعاهدة. لكن أول درس يتعلمه الباحث في هذه المجالات هو أن الإقتران الزمني لا يقتضي السببية. فكون (س) جاءت بعد (ص) مباشرة فهذا لا يكفي لأن تكون (س) سبباً لـ(ص).

وبشكل عام، هناك ثلاثة أسباب رئيسية تفقد هذا الاقتران الزمني أي قوّة سببية:

أما السبب الأول فهو أنه بعد القرار السعودي اجتمع غورباتشوف وريجان ثلاث مرات، وفي المرتين الأوليين كان غورباتشوف هو من يرفض توقيع المعاهدة. فبعد وصوله للسلطة في ١٥ مارس ١٩٨٥، كان غورباتشوف مهموماً بإصلاح النظام السياسي والاقتصادي السوفييتي ليكمل الطريق الذي بدأه يوري آندروبوف في فترة حكمه القصيرة (1982-1984). كان غورباتشوف على قناعة أنه حتى يتمكن من إصلاح الإتحاد السوفيتي، فإن عليه أن ينهي الحرب الباردة ويصل لتسوية مع الولايات المتحدة. وفعلاً، التقى بريجان أول مرة في جنيف في نوفمبر عام 1985، لكن مبادرة حرب النجوم كانت عائقاً أمام الوصول لتسوية، اذ رفض ريجان التخلي عنها. وبعد قرابة السنة، أي في أكتوبر من عام 1986، في ريكيفيك في آيسلندا التقى الزعيمان مرة أخرى بمبادرة من غورباتشوف. كاد هذا اللقاء أن ينتهي للتوصل لاتفاق ينهي الحرب الباردة، لكن الخلاف على حرب النجوم ظل عائقاً مجدداً.

وهذا التسلسل الزمني يخبرنا أن مبادرة غورباتشوف جاءت مباشرة بعد وصوله للسلطة بخمسة أشهر وقبل أن تبدأ آثار القرار السعودي. والأهم من ذلك أنه يخبرنا أنه لو كانت حرب النجوم أو هبوط أسعار النفط مسألة ضاغطة وملحّة لما كان لدى غورباتشوف الوقت أو القدرة على المناورة أو الرفض. بل إن هذين اللقائين يثبتان أن حرب النجوم كانت – عكس ما يقوله الانتصاريون الأمريكيون – سبباً في إفشال الوصول لتوقيع سريع للمعاهدة وتأجيل هذا القرار لأكثر من سنتين.

أما السبب الثاني فهو أن غورباتشوف قرّر في فبراير 1987 فصل مسألة الاتفاق على الأسلحة النووية عن مسألة المطالبة بانهاء مبادرة حرب النجوم. وبسبب فصله بين المسألتين، أصبح الطريق ممهدا للتوصل للمعاهدة، والتي وقعت فعلاً في ديسمبر من هذا العام. إن هذا القرار يعود في جزء منه لما ذكرناه أعلاه من قناعة غورباتشوف بأن مشروع الإصلاحات الداخلية يتطلب انهاء الحرب الباردة، ولكنه أيضا يعود لقناعة حقيقية لدى غورباتشوف بضرورة إنهاء الحرب الباردة. هذه القناعة تدخل ضمن ما كان يسمى آنذاك “التفكير السياسي الجديد” الذي كان غورباتشوف وجيله من صناع القرار السوفييت يتبنونه، والذي وصف تشكله ونشوءه وتطوره بشيء من التفصيل المؤرخ روبرت إنجليش في كتابه روسيا وفكرة الغرب: غورباتشوف، والمثقفون، ونهاية الحرب الباردة. فمنذ توليه السلطة ركّز غورباتشوف جهوده لإنهاء الحرب الباردة وخصوصاً جانبها النووي، وقد صاغ الخطوط العريضة لهذه الرؤية في مايو 1985م. جاءت المحاولة الأولى لإنهاء الحرب في جنيف في نوفمبر 1985 لكن دون جدوى. ازدادت قناعة غورباتشوف بضرورة انهاء الحرب بعد كارثة مفاعل شيرنوبيل في أبريل 1986، فدعى ريجان للقائهما الثاني في آيسلندا وعرض عليه تفكيك نصف ترسانة الاتحاد السوفيتي من السلاح النووي مقابل أن تقوم الولايات المتحدة بالمثل وتوقف برنامج حرب النجوم، لكن الاجتماع لم يكلل بالنجاح أيضا بسبب الخلاف على برنامج حرب النجوم. وهكذا، ضمن هذا التفسير، لم تكن حرب النجوم، أو أسعار النفط، هي التي دفعت غورباتشوف لإنهاء الحرب الباردة، بل قناعاته الفكرية التي اشترك فيها مع جيل جديد من القيادات السوفييتية والتي سعت لتخيل عالم جديد مختلف بعيد عن الحرب الباردة.

يدعم وجهة النظر هذه الخطاب الذي ألقاه غورباتشوف أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة في ديسمبر 1988 بعد سنة من توقيعه المعاهدة مع ريجان. ففي هذا الخطاب، أعلن تخفيض عدد القوات المسلحة السوفيتية للنصف من طرف واحد وبدون اتفاقية مع الولايات المتحدة، وأعلن سحب القوات السوفيتية من أوروبا الشرقية مفسحاً المجال لعملية التحول الديمقراطي هناك لأن تكتمل. هذا جاء بعد سياسات جادة لإنهاء حالة القمع السياسية في الاتحاد السوفيتي، حيث أطُلق سراح جميع المعتقلين السياسيين، وفتح مجال حرية التعبير السياسي ونقد الشيوعية في كافة أرجاء البلاد، قبل انسحابه من أفغانستان. وإذا أضفنا لهذا سياساته الإصلاحية الداخلية التي سعت بشكل جديد لإنعاش وإصلاح الاتحاد السوفيتي، فإن الحجة التي تشدد على أن الحرب الباردة انتهت بسبب الدور الاستثنائي الذي لعبه غورباتشوف المدفوع بقناعاته وأحلامه تكون أكثر إقناعاً خصوصاً أن إنهاء الحرب الباردة لا يتطلب كل هذه الخطوات.   

وحتى لو قلنا إن ما دفعه لفصل الحرب الباردة عن حرب النجوم ليس “التفكير السياسي الجديد” الداعي لضرورة تجاوز الحرب الباردة، بل الأزمات التي تعصف بها البلاد، فإن أزمة أسعار النفط لن تكون الأشد ضغطاً بين هذه الأزمات التي أحاطت بغورباتشوف. ولعل أهم عامل فاقم من حدّة الوضع الاقتصادي السوفيتي هو المشاريع الإصلاحية التي تبناها غورباتشوف وفشلت، وأهم هذه المشاريع هو مشروع مكافحة شرب الكحول. فثلث الناتج المحلي السوفيتي كان يعتمد على الضرائب المتأتية من استهلاك السكان للكحول التي كان غورباتشوف ومن معه يرى أنها تساهم في ضعف الإنتاجية وزيادة الوفيات والجرائم. بدأ تطبيق سياسة مكافحة الكحول في 1985 واستمرت لسنتين، ورغم أنها قللت من مستوى الجريمة والوفيات وتحسن المستوى الصحي، إلا أنها أيضا تسببت في تدهور شعبية غورباتشوف وانخفاض حاد في مداخيل الدولة من ضرائب الكحول (من 54 مليار روبل إلى 11 مليار روبل).

أما البرنامج الإصلاحي الثاني الذي فشل فهو مشروع تحسين جودة المنتجات المحلية، وفي هذا المجال قرر غورباتشوف تعيين جيش من المراقبين على جودة هذه المنتجات قبل طرحها للمستهلكين وذلك بديلاً عن تحرير السوق وجعل محفزاته هي المحرك الرئيسي للتنافس وتحسين الجودة. نتج عن ذلك أن ما قيمته 69 مليار روبل من المنتجات لم تجتز اختبارات هؤلاء المراقبين واعتبرت غير صالحة. بالإضافة لتبذير الانفاق الحكومي وتقليل الريع، ساهمت هذه السياسة بتعطيل قطاعات اقتصادية وخطوط امداد وشبكات توزيع بأكملها.

وترافق مع فشل هذه المشاريع الإصلاحية كارثة انفجار مفاعل شيرنوبل في أبريل 1986. فخلال الشهر الأول من الحادثة، وكما يذكر زوبوك في كتابه الإنهيار، “خاطر العديد من أفراد الجيش والمهندسين والعلماء والحفارون والأطباء لردم مصدر الإشعاع النووي، ونقل 100 ألف انسان من المدن المحيطة، وخلق حاجز من 30 كلم حول المفاعل، وإزالة التربة الملوثة، وحماية الأنهار من الإشعاع، ورعاية مئات الآلاف من الأطفال…”. كلفت عملية شيرنوبل في الشهر الأول 3 مليارات روبل، وقدر إجمالي التكلفة ب8 مليارات روبل.

هذه الأزمات الاقتصادية تفوق أو تساوي تأثير انخفاض أسعار النفط على الاقتصاد السوفيتي. ففي 1984، كان معدل سعر برميل النفط 28.78 دولار وكانت إيرادات السوفييت من العملة الصعبة الناجم عن تصدير النفط يعادل 15 مليار دولار، وفي عام 1985، كان معدل سعر البرميل 27.56، وكانت الإيرادات تعادل 11.5 مليار دولار، وفي عام 1986، وصلت الإيرادات لأدنى مستوى حيث قدرت 6.9 مليار دولار، ثم بدأت ترتفع بعد ذلك، فوصلت في 1987 لما يقارب 10.3 مليار دولار، وفي 1988 إلى 9.8 مليار دولار. وهذا الانخفاض في الإيرادات لم يكن كله بسبب انخفاض الأسعار بل كذلك بسبب انخفاض الإنتاج. كما أن هذا الانخفاض في الإيرادات رافقه ارتفاع في قيمة الدولار مقابل العملات الأوروبية، وهذا الارتفاع ساهم في تقليل خسائر الاتحاد السوفيتي الذي كان يصدّر نفطه بالدولار ويستورد بالعملات الأوروبية. والتأثير الرئيسي لهذا الانخفاض في الإيرادات هو في تقليل الخيارات المتاحة لغورباتشوف فيما يتعلق بمشاريع الإصلاح الاقتصادي. فعوضاً عن الاعتماد على إيرادات النفط لتحسين القطاعات الأخرى وتقليل اعتمادها على النفط من أجل تصديره، اتجه جزء من الانفاق إلى تحسين وزيادة القدرة الإنتاجية لتعويض النقص في الأسعار. إلا أن هذا العنصر وحده لا يقضي على دول ولا يجبرها لاتخاذ قرارات كبرى مثل انهاء الحرب الباردة. فالسعودية في هذه الفترة تضررت كثيراً من انخفاض إيراداتها النفطية حيث تعطلت مشاريعها التنموية وقلّ انفاقها العام وقدرتها على الحفاظ على مستويات الحياة المرتفعة، إلا أنها لم تغير من دعمها للعراق في حربه ضد إيران ودعمها للمقاتلين الأفغان في حربهم ضد الاتحاد السوفيتي.

بل يمكن المجادلة بأن تأثير القرار السعودي أطال من عمر الاتحاد السوفيتي. وذلك أنه إذا كان التأثير الرئيسي لهذا القرار هو تقييد قدرة غورباتشوف من الاستمرار في مشاريعه الإصلاحية، فإن مشاريعه الإصلاحية نفسها فشلت، وبالتالي فإن انخفاض أسعار النفط قلل من وتيرة الفشل الغورباتشوفي وبالتالي بطأ عملية تفكك الاتحاد السوفيتي.

بالإضافة لهذين السببين، يأتي السبب الثالث الذي يضعف من القوة السببية للاقتران الزمني بين القرار السعودي وانتهاء الحرب الباردة هو في أن السعودية عندما اتخذت هذا القرار لم تكن تستهدف الاتحاد السوفيتي أصلا، بل كان قراراً اتخذته القيادة السعودية لتفادي أزمتها الاقتصادية الخاصة وكذلك لمعاقبة بقية أعضاء أوبك وإن كان له بعد سياسي فهو موجه بشكل رئيسي ضد إيران.

وحتى نشرح ذلك لنرسم طبيعة الأزمة الاقتصادية التي كانت تعاني منها السعودية في ذلك الوقت. ففي عام 1981، وصل متوسط سعر برميل النفط 36.7 دولار، ثم أخذ بالهبوط حتى وصل إلى 28.8 دولار في 1984، وفي 1985 وصل إلى 27.3 دولار. كانت الطريقة المعتمدة من قبل أوبك للتعامل مع هذا الانخفاض في الأسعار هو بخفض الإنتاج أملاً في ضبط أو رفع الأسعار. ففي 1980، كانت أوبك تنتج 26 مليون برميلا في اليوم، لكنها خفضت انتاجها إلى 15 مليون برميلا في اليوم في عام 1985، أي انخفاض بنسبة 42٪. وكانت السعودية هي الدولة التي تحملت أكثر أعباء هذا الخفض في الإنتاج من بين أعضاء أوبك، حيث خفضت انتاجها من 10 ملايين برميل في اليوم في 1980 إلى 2.8 مليون برميل في اليوم في أغسطس 1985م. هذا الخفض المستمر في الإنتاج أدى إلى انخفاض في مداخيل الدولة النفطية من 88 مليار دولار في 1981 إلى 23.5 مليار دولار في 1985، أي أن قرابة ثلاث أرباع مواردها في عام 1981 اختفى. وهذا الانخفاض أثر بشكل كبير على قدراتها الانفاقية ومشاريعها السياسية والتنموية. وهذه التكاليف الهائلة كانت ستكون معقولة لو أن الخفض كان يؤدي لنتيجة، لكنه على مدى خمس سنوات لم يؤد لارتفاع في أسعار النفط، وهناك أعضاء من أوبك لم يلتزموا بالحصّة المخصصة لهم.

ولهذا، في أغسطس 1985، قررت السعودية تغيير استراتيجيتها حيث قررت زيادة انتاجها وبيعه بطريقة جديدة لاستعادة حصتها من السوق. وتتلخص هذه الطريقة في أنه عوضاً عن بيع النفط بسعر ثابت للمستهلكين، قررت السعودية أن تحصل على نسبة من ريع المنتج النهائي الذي سيستخدم فيها نفطها مع حفظ هامش ربح ثابت للعميل. أي أن أي تغيّر في سعر المنتج النهائي ستتحمله السعودية ولن يتحمله المستهلك الذي ضمن هامش ربحه الثابت. بهذه الطريقة وابتداء من سبتمبر 1985، بدأت السعودية برفع انتاجها من 2.8 مليون برميل إلى فوق 4 مليون برميل في بداية 1986 لتصل به إلى 6 مليون برميل في منتصف عام 1986م. وبسبب هذه الزيادة في الإنتاج وباستخدام الطريقة الجديدة بالتسعير تولدت حرب أسعار بين أعضاء أوبك أنفسهم، فبدأ سعر النفط بالتهاوي من 27 دولار إلى 23 دولار في يناير 1986، ثم استمر في الهبوط حتى وصل إلى 8.5 دولار في شهر يوليو من عام 1986. بعد ذلك بدأت الأسعار بالارتفاع تدريجيا وبشكل متباطئ حيث وصلت إلى 13 دولار للبرميل في منتصف عام 1987، ثم هبطت لتصل 10 دولار أواخر عام 1988.

لذا فإن القرار السعودي جاء استجابة لأزمة خانقة وبعد الاقتناع بأن حلّ تخفيض الإنتاج لن يؤدي لوقف هبوط السعر، وهو الأمر الذي دفع السعودية لتغيير سياستها النفطية وعلاقتها بأوبك بل أدت لإقالة وزير النفط السعودي أحمد زكي يماني الذي أدار ملف النفط منذ إقالة مؤسس أوبك وأول وزير نفط سعودي عبدالله الطريقي في 1962.

حاول البعض المجادلة أن القرار السعودي كان نتيجة اقتراح أمريكي أو تواطؤ مع الولايات المتحدة للضغط على الاتحاد السوفيتي، لكن لا يوجد أي دليل يدعم هذا القول. فوزير الدفاع الأمريكي آنذاك كاسبر وينبرجر ذكر لمؤلف كتاب الإنتصار، وهو أكثر الكتب ترويجا للدعاية الانتصارية، أن القرار السعودي “كان قراراً داخلياً”، ويؤيد هذا تقرير السي آي إيه المعنون الهجوم النفطي السعودي المكتوب في 31 مارس 1986م والذي ذكروا فيه أن دوافع السعودية من قرار زيادة الإنتاج تتمحور في أربعة جوانب: “زيادة الإيرادات على المدى القصير لتفادي سياسات التقشف واستنزاف الأصول الخارجية”، “الاستيلاء على حصة سوقية أكبر..”، “زيادة اعتماد الدول المستهلكة على النفط…”، و”إجهاد إيران اقتصاديا وانهاء الحرب العراقية الإيرانية”.

فإذا كان لا يوجد دليل أن قرار زيادة الانتاج كان موجهاً للاتحاد السوفيتي، فلا يمكن الادعاء أن السعودية ساهمت في إنهاء الحرب الباردة. وإذا أخذنا بالاعتبار أن القرار لم يكن ضاغطاً بشكل كافي ليمنع غورباتشوف من رفض التوقيع مرتين على اتفاق إنهاء الحرب الباردة، وأن تأثيره على الاقتصاد السوفييتي حدث بالتزامن مع أزمات ومشاكل أخرى، فإن القوّة السببية للاقتران الزمني بين القرار السعودي ونهاية الحرب الباردة ستكون ضعيفة جداً.

ذكرت في بداية المقال أن العلاقات السعودية-الأمريكية محاطة بكثير من الأساطير، وهذه الأسطورة ليست دعاية كاذبة، فالكاذب أفضل حالاً؛ ذلك أنه حتى يخفي الحقيقة ويستبدلها عليه أن يعرفها أولاً. أما مروج الأسطورة فهو أكثر مصدقيها والمؤمنين بها، وإذا انطلت هذه الأساطير على صناع القرار فإنها تجعلهم يسيرون في الواقع معصوبي الأعين لا يعلمون أن ما يرونه بعيد عن ما حولهم، وهو الأمر الذي يجعلهم يتفاجئون كل مرة يتعثرون بها أو يرتطمون بالأرض. ومع الوقت تلتصق العصابة بالوجه لتصبح عيناً جديدة، ولهذا السبب يكون مثل هذا النقد ضروري، لأنه بدخوله في كل هذه التفاصيل يلعب الدور المضجر والعنيف في تمزيق هذه العصابة حتى يتبدى الواقع أملاً أن تكون رؤيته بأعين حقيقية دافعا لاتخاذ سياسات أفضل اتجاهه.

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.