الأبعاد الداخلية للهجوم على السلك الدبلوماسي السعودي في إيران

كاتب المقالة

حمد البلوشي

حمد البلوشي

مرت العلاقات السعوديةالإيرانية بأزمات عديدة خلال العقود الماضية والاقتحام – غير المبرر – للسفارة والقنصلية السعوديتين في طهران ومشهد هو فصل جديد من فصول هذه العلاقة المتأزمة. المتابع للأوضاع الداخلية الإيرانية على علم بأن الرئيس الإيراني الحالي، حسن روحاني، ووزير خارجيته، جواد ظريف، يرغبان في تطوير العلاقات الإيرانية بالمجتمع الدولي. إلا أن الاقتحام الأخير للسفارة والدخول في دوامة تأزيم العلاقات مع دول المنطقة يأتيان على عكس تلك الرغبات. ومن الممكن فهم هذا التناقض من خلال تسليط الضوء على الوضع الداخلي في إيران وعلاقة التيارات السياسية فيما بينها.

شهدت إيران العديد من حوادث اقتحام السفارات منذ اندلاع الثورة سنة ١٩٧٩. فقد اقتحمت مجموعة عرفت بأتباع خط الإمام واحتلت السفارة الأمريكية لأكثر من عام، كما اقتحمت مجموعة من البسيج السفارة البريطانية سنة ٢٠١١ وعبثت بمحتوياتها. وبالتالي فالهجوم على السلك الدبلوماسي السعودي في إيران ليس بالأمر الجديد. لا يمكن الجزم بأن الاقتحامات تلك كانت بالتنسيق مع الدوائر العليا في الدولة، أو أنها تمثل سياسة متبناة من قبل الحكومة الإيرانية، بل يمكن القول أنها ارتكبت من مجموعات ثورية متطرفة داخل النظام.

كما يمكن القول أن حادثة الاقتحام الأخيرة قد ارتكبت أيضا دون التنسيق مع الشخصيات الرئيسية والفاعلة في النظام الإيراني والدليل حجم التنديد بالاقتحام من قبل مسؤوليه وعلى رأسهم الرئيس روحاني. علاوة على قيام السلطات الإيرانية باعتقال مجموعة من المقتحمين وإقالة مسؤول أمني في طهران، صفر علي براتلو، بسبب الأحداث. قد يرى البعض أن المسألة لا تعدو عن كونها توزيع أدوار بين أتباع النظام، أو أن استنكار الحكومة الإيرانية لحادثة الإقتحام يدخل من باب “التقية السياسية”. قد تكون تلك الادعاءات صحيحة، إلا أن مطلقيها يحتاجون إلى تقديم أدلة مادية دامغة لدعمها. ولكن إلقاء نظرة سريعة على علاقة التيارات السياسية ببعضها البعض في إيران قد يعطي صورة مغايرة لتلك التصورات.

رغم عدم ديمقراطية النظام الإيراني إلا أنه قائم على العديد من المؤسسات المهمة والمؤثرة والمتداخلة. فهناك منصب المرشد الأعلى للجمهورية ومنصب رئيس الدولة ومؤسسة برلمانية ومجلس للخبراء ومجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام. هذا علاوة على المؤسسات العسكرية المختلفة. بعض هذه المؤسسات يتم انتخابها بشكل مباشر من قبل الشعب. ورغم شوائب العملية الانتخابية، إلا أن الانتخابات بحد ذاتها تخلق جوا تنافسيا بين أبناء النظام وتياراتهم المختلفة. فروحاني محسوب على التيار المعتدل وقريب أيضا من التيار الاصلاحي. والتياران على علاقة سيئة بالمحافظين المتشددين الذين يتكونون من جماعات مختلفة تعمل بعضها ضمن مؤسسات النظام كالبسيج والحرس الثوري. ينتمي لهذا التيار مجموعة من رجال الدين أيضا، وبعض الجماعات الحزبية كأنصار حزب الله على سبيل المثال وجماعات متشددة غير منظمة تنتشر في الجامعات وبعض المدن.

تأتي الأزمة الأخيرة ضمن سياق سياسي محتدم وعلاقات تنافسية بين تلك التيارات. هذا التنافس ليس وليد اللحظة، فهو شائع منذ عهد الخميني وتطور بعد وفاته سنة ١٩٨٩ ليأخذ شكلا جديدا حيث تغيرت مواقف العديد من الجماعات وبرز تيار متشدد تمثل في المحافظين المتشددين الذين يرغبون عمليا في استمرار الثورة في الداخل والخارج ويعارضون تطوير النظام واصلاحه.

دخل هذا التيار في صراع مع رؤساء إيران منذ تبوؤ المرشد الحالي، علي خامنئي، زمام الأمور. فعلاقات هذا التيار لم تكن مستقرة مع هاشمي رفسنجاني، وكانت سيئة جدا بالرئيس الاصلاحي محمد خاتمي الذي شهدت فترته الرئاسية العديد من المشكلات التي دفعته إلى التصريح بأن حكومته تواجه أزمة جديدة كل تسعة أيام. ورغم خروج أحمدي نجاد من رحم هذا التيار، إلا أن علاقته ساءت مع المحافظين المتشددين في السنتين الأخيرتين من فترته الرئاسية بسبب خلافه مع المرشد الأعلى حول بعض الأمور الإجرائية.

هذه العلاقة غير المستقرة برؤساء إيران ظهرت أيضا منذ الأيام الأولى من انتخاب روحاني. فقد بدأت وسائل إعلام التيار المتشدد في انتقاد سلوك أتباعه بعد فوزه بالانتخابات، كما ظلت حكومته لمدة شهرين من غير وزير للتربية والتعليم بسبب رفض البرلمان لمن قام روحاني بترشيحه لتولي المنصب.  كما تم استجواب وزير العلوم في حكومته، رضا فرجي دانا، وسحب البرلمان الثقة منه بسبب ارتباطه بالتيار الاصلاحي. لم تقف المسألة عند هذا الحد بل خرجت مظاهرات عدة ضد حكومة روحاني وأطلق المتشددون حملة عرفت ب”قلقين” أو ”نگرانیم”. هذا القلق منشأه عدم الاتفاق مع روحاني حول سياساته الداخلية المنفتحة نسبيا وحول سياسته الخارجية المعتدلة.

فعلى سبيل المثال، دخل روحاني في سجال مع بعض المتشددين حول الحريات العامة في المجتمع وخصوصا الاجتماعية منها. فروحاني أكد في مناسبة من المناسبات عدم مسؤولية الدولة عن “إدخال الناس عنوة إلى الجنة”. هذه العبارة استفزت عدد من المتشددين كإمام الجمعة في مدينة مشهد، آية الله سيد أحمد علم الهدى، الذي انتقد روحاني بشكل مباشر في إحدى خطبه بسبب تلك العبارة. كما انتقد حسن عباسي، أحد الأكاديميين المتشددين في إيران، روحاني في التلفزيون الإيراني للسبب ذاته.

ولا يخشى هذا التيار قطع علاقات إيران الخارجية وتأزيم علاقتها بخصومها التقليديين على المستووين الدولي والإقليمي. ويؤمن المتشددون بضرورة اتباع سياسة خارجية تصادمية بدلا من السياسات المعتدلة لروحاني والتي يصفونها بالمخجلة. لذلك، كانت المكالمة التاريخية التي أجراها الرئيس روحاني مع الرئيس أوباما سنة ٢٠١٤ محل استهجانهم، فقد استقبلوه بالشعارات المناوئة له وللولايات المتحدة الأمريكية حين عودته إلى إيران بعد مشاركته في جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وانطلقت قبل هذه المكالمة حملة دعائية ضد أي تقارب محتمل مع واشنطن في وسائل الإعلام وفي الساحات العامة والمنصات الإعلانية في مدن مختلفة. كما يرفض المتشددون تحسين العلاقات بالمجتمع الغربي حماية للشعب الإيراني من التأثر بالثقافة الغربية، على حد زعمهم.

ووجه المتشددون نقدا لاذعا للحكومة الإيرانية بسبب الاتفاق النووي مع القوى الدولية. برز هذا النقد في الخطب العامة والمقالات الصحفية والمناظرات التي نُظمت لمناقشة السياسة الخارجية للرئيس الحالي بشكل عام  والاتفاق النووي بشكل خاص. وصل هذا النقد إلى حد التشكيك بالفريق التفاوضي الإيراني. فعضو مجلس الشورى عن التيار المتشدد، حجة الإسلام محمود نبويان، أكد في محاضرة له عدم ثقة المتشددين بالمفاوضين الإيرانيين بسبب التنازلات التي قدموه في المفاوضات مع المجتمع الدولي. كما تم تهديد علي أكبر صالحي رئيس منظمة الطاقة الإيرانية بالقتل خلال جلسة علنية في مجلس الشورى بسبب الاتفاق النووي.

وبعد إعدام نمر النمر في المملكة العربية السعودية، لم يرض التيار المتشدد على طريقة تعامل الحكومة الإيرانية مع الحادثة. فقد انتقد، على سبيل المثال، موقع صحيفة يا لثارات الأسبوعية، والتي تمثل جماعة أنصار الله المتشددة في إيران، موقف الحكومة من إعدام النمر وأيد الإجراءات الشعبية في مواجهة المملكة من خلال الهجموم على مقراتها الدبلوماسية في البلاد.

هذا السياق لا ينفي مسؤولية الحكومة الإيرانية عن حماية سفارات الدول الأخرى، إلا أن تسليط الضوء عليه يساعد على فهم تصرفات التيار المتشدد وبالتالي استيعاب الأبعاد الداخلية لحادثة الاقتحام الأخيرة. لا يمكن أيضا تجاهل أجواء الانتخابات البرلمانية وانتخابات مجلس الخبراء التي ستجرى الشهر المقبل. فالتنافس شديد بين أقطاب النظام والملفات الخارجية مطروحة بقوة كما هي الملفات الداخلية خلال هذه الفترة. فحكومة روحاني توصف من قبل المتشددين بحكومة اللامنهج أو بحكومة التخبط. فما يهم التيار المتشدد هو فشل الحكومة الإيرانية المعتدلة في تحقيق الأهداف التي تشكلت من أجلها سنة ٢٠١٣ والتي كان من ضمنها الانفتاح على المجتمع الدولي وبالتالي تحسين الأوضاع العامة في الدولة، خصوصا الاقتصادية منها. وعليه، فعزل إيران دوليا يعني استمرار الأزمة الاقتصادية وتراجع شعبية روحاني، وإيصال رسالة مفادها أن التيار المعتدل غير قادر على حل مشاكل المواطن اليومية وتحسين وضعه الاقتصادي والمالي، وأن السياسة المثلى هي سياسة التصادم بالقوى الدولية. وبالتالي استغل هذا التيار حادثة إعدام النمر وقام أتباعه بالاعتداء على السلك الدبلوماسي السعودي رغبة منهم في عزل الحكومة دوليا واضعاف موقفها التفاوضي وتعميق المشكلات الداخلية لصالحهم.

مجمل القول، التنافس شديد بين التيارات السياسية في إيران، ولهذا التنافس أبعاد سياسية وأيديولوجية. تتعلق الأبعاد السياسية بطبيعة النظام الإيراني الذي يعطي مساحة للتنافس بين أبنائه من خلال الانتخابات التي تجرى لاختيار رئيس الجمهورية وأعضاء بعض المؤسسات. وتتمثل الأبعاد الأيديولوجية في رؤية كل تيار لمستقبل الثورة ومسارها وعلاقتها بالمجتمع الدولي. و يمكن فهم الأزمة الأخيرة بين الرياض وطهران – على الأقل جزئيا – من خلال فهم أبعاد هذا التنافس بين مكونات النظام الإيراني.

‏2 تعليقات

  1. مقال رائع يسلط الضوء على التوازن السياسي في الجمهورية الايرانية. ولكن اتساءل ما هي الابعاد الانتخابية للاتفاق النووي، وكيف يمكن ان يتعامل المجتمع الدولي مع “دويلات” داخل الدولة؟

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *