هل المجتمع المسلم بحاجة إلى هيئةٍ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

إشكالية تطبيق الشريعة في ظل الدولة القومية الحديثة

سأتجاوز مسألة التأكيد على “فريضة” الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الشريعة الإسلامية، فالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية صريحة ومستفيضة في تأكيد أهمية هذه الشعيرة وفضلها ومنزلتها، بل نستطيع أن نؤكد بأن سلوك “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” هو سلوك أخلاقي عقلاني قبل أن يكون دينيًا وقبل ورود الشرائع، وكان موجودًا وممارسًا لدى الأمم السابقة قبل الإسلام، وقد تحدث القرآن عن ذلك، عن أهل الكتاب، منهم من  كان يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ومنهم من تقاعس عنه وتركه (المائدة: 78 – 79، والأعراف: 164) ربما سنستنتج أن القرآن كان يتحدث عنه كسلوك فردي واجتماعي، يقتصر على الكلمة أو الاعتزال والهجران، أكثر من كونه فعلاً سلطويًا إجباريًا!

المقصود أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مبدأ عقلاني أخلاقي، قبل أن يكون دينيًا، تمارسه كل المجتمعات الإنسانية وفق منظوماتها القيمية، التي تمثل معيارًا لها في تعريف معنى المعروف والمنكر، حتى تلك المجتمعات التي توصف بالمنفتحة والليبرالية، هي أيضًا -عبر قوانينها وأنظمتها وخطابها الثقافي- تأمر بما تعتقد بأنه في إطار الحق والخير، وتنهى عما تعتقد بأنه مناقض لذلك، بغض النظر عن الأسس الفلسفية التي ينطلقون منها في تحديد تلك المعاني، أكانت نظرية اللذة الأبيقورية، أم نظرية السعادة الرواقية، أم نظرية الواجب الكانطية، يبقى أنهم يمارسون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب معروفهم ومنكرهم!

لهذا سأتجاوز مسألة التأكيد على أهمية هذا المبدأ، ومنزلته الدينية في الإسلام، وسأفترض بأنه مسلّمة، أخلاقية عقلانية قبل أن تكون دينية.

تحت سقف هذه المسلمة، أطرح السؤال التالي: هل المجتمع المسلم عندما يؤسس ويطور دولته الحديثة، بحاجة إلى جهاز يملك سلطة الضبط والمراقبة والتفتيش بهدف حماية الفضيلة والأخلاق في الفضاء العام؟

ويندرج تحت هذا السؤال سؤال آخر: هل شرط إقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجود جهاز سلطوي يمارس عملية الضبط الأخلاقي في المجتمع أو إعادة صياغة المجتمع عبر المراقبة والتفتيش وبأدوات الدولة الإكراهية والعقابية؟

قد يقول البعض بأن صيغة السؤال موجهة ومنحازة، لكني لا أعتقد ذلك، فالصياغة هنا كاشفة لحقيقة الموضوع وطبيعته السياسية أكثر من كونها منحازة، فأدوات الدولة الضبطية، أي دولة حتى ولو كانت ديمقراطية وقانونية، هي بطبيعتها (إكراهية وعقابية)، هذه طبيعة الدولة حين تمارس التحكم والسيطرة، وهي مفهومة في سياق حماية الأفراد والمجتمعات من الجرائم والمخاطر، ولكن هل هي كذلك مفهومة ومقبولة عندما تُستخدم في فرض معنى معينٍ للخير والفضيلة على جميع الأفراد؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، لابد أن نقرر الحقيقة التاريخية التالية، وهي أن وظيفة السلطة في تاريخ المجتمعات الإسلامية، منذ عهد الخلافة الراشدة، ومرورا بالإمبراطوريات والإمارات الحاكمة، وانتهاء بسقوط الدولة العثمانية، لم تكن بهذا التغول والتوسع في عملية الضبط والتنظيم والتحكم، والقدرة على اختراق المجتمع والسيطرة على الأفراد والهيمنة على كافة جزئيات الحياة، كما هو الحال الآن في الدولة القانونية البيروقراطية الحديثة.

تاريخ السلطة في المجتمعات الإسلامية الكلاسيكية يكشف لنا عن صورتها البسيطة والمحدودة وذات التأثير الهامشي على حياة الناس(1). فعلى مستوى الفضاء العام، كان التدبير والتنظيم عبر جمعيات ومؤسسات أهلية ووقفية ومبادرات تطوعية، بعيدة عن هيمنة السلطة المركزية للإمبراطورية. حتى بالرغم من أن الولايات المحلية تصدر أحيانا قرارات تشريعية أو “فرمانات” ومراسيم تنظيمية بين فينة وأخرى، ولكنها لم تكن بذلك التأثير الكبير والمباشر على حياة الناس، طالما أن دور الدولة ظل محدوداً وقدرة أدواتها وآلياتها على تشكيل هذه الحياة ظلت هامشية. هذا على مستوى الفضاء العام، فكيف بالفضاءات الخاصة، والتي تتميز بطبيعتها بالاستقلال التام عن السلطة والمجتمع بوصفها (حُرُمات)؟ بل يمكننا القول أن التمييز بين الفضاء العام والفضاء الخاص في مجتمعات ما قبل الحداثة كان أوضح وأكثر تجليًّا منه كما هو الآن في عصور ما بعد الحداثة، عصر الدولة القانونية الحديثة، حيث تداخلت فيه دائرة العام والخاص، ولم يعد من الممكن التمييز بين حدودهما، خصوصًا مع ثورة تقنية الاتصالات والمعلومات.

هذه العلاقة التاريخية بين (السلطة والمجتمع)، هي التي تفسر كيف كانت أسوأ المراحل السياسية في عصور المسلمين من جهة الاضطرابات والانقلابات والانشقاقات (القرن الرابع والخامس الهجريين تحديدًا)، هي العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، والأكثر ازدهارًا في الإنتاج المعرفي والأدبي والتفوق العلمي والمادي والاقتصادي(2)، ذلك لأن تأثير تلك الاضطرابات السياسية لم يكن في الغالب ليخرج عن دائرة القصر تقريبًا، في حين أن المجتمع كان مستقلاً ومنظمًا ومدبِّرًا نفسه بنفسه، سواء من حيث نظام الحِرف مثلاً والتجارة والمدارس والمستشفيات والجوامع وغيرها من المؤسسات الأهلية، حتى الطرقات وإنارتها وتنظيفها، حتى صناعة الورق والمحابر… وغيرها من الأنشطة والمؤسسات المدنية التي كان يتم تدبيرها بصورة مستقلة عن السلطة المركزية، عبر ثقافة وظاهرة “الأوقاف” التاريخية.

وللأوقاف في الحضارة الإسلامية قصة مذهلة، خصوصًا في أثرها البالغ في تحديد مساحة حدود المجتمع والسلطة، ولا يتسع المجال هنا لاستعراضها(3)، ولكن يكفي أن نشير إلى أن المجتمع الإسلامي لم يرتهن للدولة الحديثة إلا بعد إنهاء أو تحجيم دور الأوقاف في الاجتماع الإسلامي القديم، أو بعد السيطرة عليها من قبل جهاز الدولة. عندها فقد المجتمع استقلاليته. الدولة الحديثة ابتلعت المجتمع واستحال بداخلها ولم يعد له وجود مستقل أو متمايز عنها. في البداية كانت الدولة والمجتمع، والآن باتت الدولة لوحدها، والمجتمع أحد عناصرها. لم يعد ثمة هامش في الحياة الإنسانية خارج إطار الدولة، كل شيء بات خاضعًا للتسجيل والإحصاء والسيطرة والمراقبة والتحكم!

وبهذا المعنى أيضاً، لا يمكن اعتبار الدولة الإسلامية الكلاسيكية، مستبدة بنفس المعنى والأثر لدى نظيرتها الأوروبية، أو لم يكن بمستوى الاستبداد في الدولة الحديثة، ذات الطبيعة المركزية المتغولة، فالدولة الإسلامية القديمة لم تتغلغل في قلب الجماعات المختلفة، ولم يكن التعليم والاقتصاد والتجارة والحركة والتنقل خاضعًا للسلطة المركزية، وبالتالي لم يشعر الناس قديمًا بثقل الاستبداد على كاهلهم، أو بانفراد فئة من الناس بالسيطرة على الحكم، لأن المجال الاجتماعي الحرَّ كان أوسع بكثير من مجال الدولة (4).

– 2 –

 

في مثل هذا الشكل من (الدولة) ذات الطبيعة الشمولية سواء أكانت استبدادية أم ديمقراطية -والذي أوجزت وصفه بشكل مخل لضيق المساحة- عندما نتحدث عن تطبيق الشريعة كما هو حال الكثير من الأدبيات الإسلامية المعاصرة، فإننا سنخلق واقعًا سياسيًا واجتماعيًا مختلفًا تمامًا عن واقع المجتمعات الإسلامية ما قبل الحداثة، واقعًا قد لا نبالغ إذا قلنا بأنه لم يكن معروفًا لدى المسلمين في العصور الكلاسيكية وربما لم يتخيلوه. أن تسعى لتطبيق الشريعة في ظل كيانٍ يحق وصفه بـ (التنين) بحسب هوبْز، متضخم ومتغول ومهيمن على كل جزئيات الحياة (العامة والخاصة) فأنت لا محالة ستنتج “شريعةً” هي في غاية الآصار والأغلال. ليس لأن الشريعة هكذا، ولكن لأن طبيعة الدولة الحديثة هكذا.. كون الشريعة شاملة لحياة الإنسان وأفعاله كما يتحدث بعض الإسلاميين، فهذا لا يعني أن تكون قوانين الدولة شاملة لحياة الإنسان وأفعاله.. كون الشيء تشريعًا من الله لا يلزم بالضرورة أن يتحول إلى قانون سياسي تحتكر الدولة تشريعه.. إذا كانت صلاتك ونسكك وحياتك ومماتك لله رب العالمين، كما في القرآن، فليس من الممكن أن تتحول كل حياتك ومماتك للدولة، فضلا عن صلاتك ونسكك، إلا إذا تحولت العبادات أو الأخلاق الدينية إلى قوانين تحتكر الدولة تشريعها، فهي مصدر التحليل والتحريم بصفتها (تطبق الشريعة).

يمكن الاستطراد هنا، كي أشير إلى أن علاقة الإنسان مع الله، قد تطورت مع حركة التاريخ والاجتماع وفق التراتبيات التالية:

ففي المجتمعات التي لم تعرف النبوة كانت العلاقة:

الله –> الإنسان

وفي مجتمعات ما بعد النبوة تطورت العلاقة إلى:

الله –>  الوحي –> الإنسان

وبعد التمدن والتحضر وتشكل المؤسسات والطبقات الاجتماعية، صارت العلاقة التراتبية:

الله –> الوحي –> الفقهاء –> الإنسان

والآن في ظل مفهوم (الحاكمية) الذي سبق أن طرحه المفكر الإسلامي أبو الأعلى المودودي، وتأسست عليه معظم أدبيات ما بات يعرف بـ (الإسلام السياسي) صارت العلاقة وفق التراتبية التالية:

الله –> الوحي –> الفقهاء –> الدولة –> الإنسان

لاشك أن المسافة باتت طويلة ومعقدة بين الإنسان والله.

هذا لا يعني نفي العلاقة بين الدين والدولة، بل إن الفصل بينهما من الناحية النظرية والواقعية غير ممكن من الأساس، ما دامت الدولة الحديثة تُقدّم نفسها ممثلة للأمة، مما يعني أن روح الدولة وقوانينها انعكاسٌ لثقافة وهوية هذه الأمة، ولكن (العلاقة) بين الدين والدولة، ليست كما يتخيله الكثير من الإسلاميين المعاصرين، فضلا عن السلفيين، إنما هي علاقة محدودة بمحدودية وظيفة الدولة في المجتمع، ومساحة سلطة الدولة لا تتحدد بمساحة سلطة الشريعة في حياة الإنسان، وإلا لأصبح كل أمر أو نهي شرعي وجب أن يصدر فيه قانون سياسي من قبل الدولة، وبالتالي تتسع دائرة الدولة في المجتمع باتساع الشريعة، وهذا لا يمكن تصوره فضلاً عن القول به، لا يمكن تشريع قانون يلزم المسلم بأداء فريضة الحج مثلاً، رغم أنها أحد أركان الإسلام، أو بصلة الرحم، أو بغض البصر بين الجنسين، أو بتجريم الغيبة، أو لباس العُجب والخيلاء… ونحو ذلك من أخلاقيات الشريعة. كثير من الإسلاميين يعتقد بأنه يمكن تشريع قوانين سياسية تترتب عليها عقوبات جزائية وفق لوائح تنفيذية معنية. وهذا باعتقادي -وفق السجل التاريخي للمجتمعات الإسلامية- وضْعٌ لم يعرفه المسلمون من قبل.. لسبب بسيط، أنهم لم يعرفوا الدولة القانونية الحديثة.

وظيفة الدولة تتحدد من خلال طبيعتها وحاجة الناس إليها. الدولة أو السلطة عبر التاريخ لم يبتكرها الإنسان إلا لغاية الأمن والتدبير، التدبير في الدنيا، وليس تدبير سبيل النجاة في الآخرة، من الصعب جدًا أن تكون وظيفة السلطة السياسية (والتي يحتكرها في العادة نفر من الناس دون غيرهم) تحديد معنى الخير وتحقيق الخلاص الأخروي لرعاياها، هذا انحراف حصل مع ابتكار (الدولة الدينية) أو (مدينة الله) خصوصًا مع أطروحة الفيلسوف المسيحي أوغسطين في القرن الرابع الميلادي، والتي وإن كانت موجودة قبل هذا التاريخ وقبل المسيحية، ولكنها نضجت واكتملت مع أطروحته، وهي أطروحة يمكن بسهولة اعتبارها منافية لمقاصد الرسالات الإلهية، المبنية على مسؤولية التكليف الفردي والامتحان وفق الاختيار الحرِّ، ويبقى الناس في (حكم الله) متفاوتين دوماً، في ارتباطهم بهذه الرسالة الأخلاقية: {… فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} (5). الدولة القانونية الحديثة لا يمكن أن تستوعب هذا التفاوت بين مواطنيها إذا حولت كل حكم شرعي أخلاقي إلى مادة قانونية، لأن طبيعة القانون: الاضطراد والشمول لجميع الأفراد، وبالتالي إلغاء هذا التفاوت البشري: الظالم لنفسه، والمقتصد، والمسابق.

– 3 –

بعد هذا التمهيد، أعود إلى سؤال الورقة: هل المجتمعات الإسلامية المعاصرة، بحاجة إلى هيئةٍ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

من حيث المبدأ لستُ من أولئك الذين يتبنون الرأي القائل بضرورة وجود “جهاز ديني” حكومي لضبط أخلاقيات الناس في الفضاء العام، وإذا حدث إلغاء هذا الجهاز كليًّا، فلا أعتقد أن ذلك سيشكّل خطرًا على المجتمع المسلم، بل قد يكون ذلك في صالح الدين والتدين، وقد لا يكون، المهم أنه لا يمكن أن نجزم بخطورة إلغائها، ولا أن نعتبر إسلامية المجتمع مرهونة بوجود هذا الجهاز، ولا حتى شرطًا في كمال إسلاميته!

والسبب في عدم قناعتي بوجود هذا الجهاز الحكومي يعود لثلاثة أمور:

الأول، كما أسلفت في الحديث عن إشكالية طبيعة الدولة القانونية الحديثة والتي باتت وعاءً مغلقا للمجتمعات المعاصرة، تلك الطبيعة التي عبّر عنها أرنست بلوخ بقوله: “الإكراه الوثني الشيطاني”. وليست المشكلة في مبدأ الإكراه، فكل اجتماع بشري هو بحاجة إلى وجود سلطة تمارس الإكراه، لتنظيم شؤونه وصيانة حقوق أفراده، ولكن هذا الإكراه يجب أن يبقى في حدود الضروري، والضروري جدًّا، وكلما كان المجتمع قادرًا على أن يُدبّر نفسه بنفسه بعيدًا عن هذه السلطة المركزية الإكراهية فلا ينبغي اللجوء إليها وتوسيع نطاقها وحدودها عبر تشريع المزيد من القوانين والأنظمة واللوائح. فالدولة كـ (التنين)، أو “إله وثني شيطاني”، ومن المجازفة الشديدة اعتبار (تطبيق الشريعة) مرهونا بوجودها، حيث يجتمع احتكار (حق ممارسة العنف والإكراه) مع (حق تفسير الشريعة وتطبيقها)، فتصبح الدولة مصدر التحريم والتحليل، أو تحديد ما هو أخلاقي وما ليس بأخلاقي، وبالتالي نكون أمام فعل لاهوتٍ سياسي مكتمل المعنى، وليس مجرّد (لاهوتٍ مُعلْمن) على حدّ تعبير كارل شميت.

والسبب الثاني في عدم القناعة بأهمية هذا الجهاز: أن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي أكبر من أن تُختزل في وجود جهاز حكومي، بل إن ممارستها لا يتوقف على وجود الدولة أساسًا، فالمجتمعات المسلمة في الدول الديمقراطية الغربية على سبيل المثال، يمكنها أن تمارس هذا المبدأ الأخلاقي ضمن مجتمعاتها، فحرية الكلمة والرأي والمشاركة في التأثير وصناعة الرأي والاحتجاجات السلمية والتعاون مع شركائهم المواطنين في إطار أخلاقيات البرِّ والتقوى، كلها تتيح للمسلم ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمفهومه الواسع بدون الحاجة إلى قيام دولة (الخلافة) أو (إمارة المؤمنين) أو (الدولة الإسلامية)(6).

كما أن معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أوسع وأعمق من سطحية وهامشية مسائل “اللمم” و “الصغائر” المرتبطة بالسلوكيات الشخصية للأفراد، والتي يتمحور حولها معظم ما يفعله جهاز الحسبة. وقد كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفترة الأولى من تاريخ المسلمين (مع حلول منتصف القرن الأول إلى منتصف القرن الثاني) ينصرف عادةً ضد الدولة والسلاطين، فإذا قيل في السير والتراجم بأن (فلانًا) يقول بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمقصود أنه يرى بالثورة على أئمة الجور أو بالاحتجاج العلني ضد قراراتهم السياسية، ثم تطور ذلك المفهوم وأصبح أصلاً عقائديًّا لدى المعتزلة وفرق الخوارج. بخلاف مصطلح (الحسبة) الذي كان ينصرف في الغالب إلى وظائف مراقبة الأسواق والطرقات ونحوها. فشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوسع من (ولاية الحسبة)، وبالتالي فعدم وجودها لا يعني بالضرورة إلغاء الشعيرة!

والسبب الثالث في عدم ضرورة وجود هذا الجهاز: هو أن كثيرًا من الوظائف الأساسية التي كانت تقوم بها (الحسبة) في حياة المسلمين، قد صارت من وظائف الحكومة البيروقراطية الحديثة، التي استوعبتها وزادت عليها. فالدولة الحديثة -كما ذكرت- قد تغولت في مهماتها وصلاحياتها، وقلَّ أن يفلت منها مساحة من المجال العام لم تخضع لهيمنتها ورقابتها وتنظيمها، فالشرطة مثلاً تحارب وتكافح جميع أنواع الجرائم، ومنها الاغتصاب وبيوت الدعارة، والتجارة تراقب الأسعار وتلاحق الغش في البضائع، والجمارك تضبط الممنوعات، والبلديات تنظّم المدن والطرقات، وديوان المظالم أو المحكمة الإدارية تستقبل دعاوى الناس ضد الحكومة وأجهزتها وقراراتها، إضافة إلى لجنة مكافحة الفساد، ولجنة مكافحة المخدرات، ولجنة العنف الأسري، ولجنة مكافحة الفقر، ونحو ذلك من اللجان والمؤسسات الحكومية، التي لا يمكن فصل عملها عن وظيفة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). كما يمكن استحداث لجنة متخصصة في مكافحة ظاهرة الابتزاز والتحرش الجنسيين، ولجنة متخصصة في مكافحة الشعوذة والسحر و (بائعي الوهم) من الرقاة.

إضافة إلى ذلك؛ لو كان ضمن مؤسسات الدولة برلمان منتخب ومستقل يملك الصلاحيات ويمثل الشعب، ويراقب ويحاسب الحكومة، فإن وظيفته حينئذ تُعد من أجلّ وظائف (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، فضلاً عن مؤسسات حقوق الإنسان الأهلية، والنقابات العمالية والطلابية، والمؤسسات الإعلامية، والمناشط التربوية، والجمعيات التطوعية، ومؤسسات الإغاثة، كل هذه المؤسسات لا يمكن فصلها عن  إطار (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

وبناءً عليه، فما الذي سيبقى لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الوظائف الاحتسابية؟ ما المبرر لوجود هذا الجهاز (الديني) وقد صارت وظائفه الأساسية مناطة بولاية المؤسسات الحكومية المختلفة؟ الدولة الحديثة (المتغوّلة) لم تبق شيئا من الوظائف لولاية الحسبة التاريخية. إلا إذا كان أنصار هذا الجهاز، ينظرون إليه من زاوية أخرى، تلك الزاوية “الثيوقراطية” التي تشعرهم وكأنهم أوصياء منتدبون من الله لمراقبة أفعال الناس ومحاسبتهم عليها في الدنيا!

– 4 –

 

لكن، وبالرغم من هذه الأسباب، لنفترض أن المجتمع المسلم “باختياره الحر” قد أصرَّ على وجود جهاز ديني يملك سلطة ضبط الأخلاق ومراقبة ومتابعة وملاحقة السلوكيات الشخصية للأفراد في المجتمع، فعلى الأقل أن يكون ذلك منظَّمّا ومنضبطًا وفق القواعد المرعية في مدونة التراث الفقهي، لا أن يتماهى مع خصائص الدولة الحديثة، دولة “السيادة” و”القانون” و”الإقليم”، والتي تنزع بطبيعتها نحو الشمول والتحكم والسيطرة على كافة أفراد المجتمع ولا تسمح بأي هامش يخلو من التقنين والهيمنة، الأمر الذي سيؤول بنا إلى نموذج (حداثي) للاحتساب(7)، يخترق الجماعات باختلاف ثقافاتهم وتقاليدهم وطوائفهم ومذاهبهم الفقهية، ويسعى لتنميط السلوك العام وفق أيديولوجيته الدينية. هذا النموذج (الحداثي) للاحتساب نعتقد بأنه مختلفٌ تمامًا -وربما يكون نشازًا- عما كانت عليه محدودية (ولاية الحسبة) في العصور الكلاسيكية لتاريخ المسلمين، ليس لأن المسلمين في الماضي كانوا أكثر تحررًّا واحترامًا للخصوصيات، وإنما لاختلاف طبيعة السلطة والاجتماع السياسي، بين الماضي والحاضر!

هذه الإشكالية المرتبطة بالسلطة من جهة، والمجتمع من جهة أخرى، وجدناها حاضرة عند بعض الفقهاء قديمًا، حينما اقترحوا وجود حدٍّ يميز الحكم القضائي عن حكم الفتوى(8)، فالأول -بنظرهم- إلزامي لأنه مرتبط بالحقوق والدعاوى والخصومات بين الأفراد، بخلاف النوع الثاني، فلا يصح أن يكون إلزاميًا من جهة السلطة، وإنما الالتزام فيه متعلق بالإرادة الحرة المرتبطة بالمسؤولية الفردية في الآخرة.

يقول القرافي: “اعلم أن العبادات كلها على الإطلاق لا يدخلها الحكم البتة [أي القانون] بل الفتيا فقط، فكل ما وُجِد فيها من الاختيارات فهي فتيا فقط، فليس لحاكم أن يحكم بأن هذه الصلاة صحيحة أو باطلة، ولا أن هذا الماء دون القلتين فيكون نجسًا (…)، بل يُقال في ذلك إنما هو فتيا: إن كانت مذهب السامع عمل بها، وإلا فله تركها والعمل بمذهبه” (9).

ويقول ابن تيمية: “إنما ينفُذُ حكم الحاكم في الأمور المعيِّنة التي يختص بها من الحدود والحقوق، مثل قتلٍ أو قذف أو مال ونحوه، دون مسائل العلم الكلية، مثل التفسير والحديث، والفقه، وغير ذلك، وهذا فيه ما اتفقت عليه الأمة، وفيه ما تنازعت فيه. والأمة إذا تنازعت في معنى آية أو حديث أو حكم خبري أو طلبي= لم يكن صحة أحد القولين وفساد الآخر ثابتا بمجرّد حكم الحاكم، فإنه إنما ينفُذُ حكمه في الأمور المعيِّنة دون العامة”(10).

هذا بالنسبة للتمييز في أحكام الشريعة بين ما هو (حقوقي) وبالتالي مناطٌ بالسلطة، وبين ما هو (تعبدي) مناطٌ بالفرد في علاقته مع الله دون أن تتدخل الدولة في تحديد ورسم هذه العلاقة. نعم كل أحكام الشريعة تأسست على المنطق (الأخلاقي) سواء أكانت حقوقية أم تعبدية، ولكن ليس كل أخلاق الشريعة مناطة بوظيفة الدولة.

كذلك ميّز الفقهاء بين الإنكار في أصول الشرائع، والإنكار في المسائل الاختلافية، والتي في الواقع تشمل معظم أحكام الشريعة، بصرف النظر هل كان خلافًا معتبرًا أم لا، فالاعتبار هنا مسألة نسبية تختلف بحسب الناظر، وكذلك القول بأن هذا قطعي وهذا ظني هو أيضًا نسبي. وابن تيمية -الذي يستشهد به الكثير ممن لا يعترف بنسبية الحقيقة- يقول: “كون المسألة قطعية أو ظنية هو من الأمور الإضافية [أي بحسب نسبتها] وقد تكون المسألة عند رجل قطعية لظهور الدليل القاطع له، كمن سمع النص من الرسول صلى الله عليه وسلم وتيقن مراده منه، وعند رجل لا تكون ظنية [أي مجهولة أساسًا] فضلا عن أن تكون قطعية”(11). ويقول أيضاً: “كون العلم بديهيًا أو نظريًا هو من الأمور النسبية الإضافية (…) إذْ قد يتيقن زيدٌ ما قد يظنه عمرو”(12).

وإذا استثنينا المحرمات الكبرى المذكورة في سورة الأنعام (آية: 153-151)، فإنه قلَّ أن تجد حكمًا شرعيًا لم يحصل فيه الخلاف بين المدارس الفقهية الإسلامية الثمانية، والتي باتت تشمل معظم المسلمين في العالم، وهي: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، والجعفرية، والزيدية، والإباضية، والظاهرية، إضافة إلى المذاهب التي اندثرت مدارسها وبقيت أقوالها محفوظة في مدونات التراث: كمذهب الليث بن سعد، والأوزاعي، والنخعي، والثوري، وابن عيينة، وابن راهويه، والطبري، وغيرهم، فضلاً عن اجتهادات الفقهاء المعاصرين من لحظة محمد عبده، ومرورًا بـرشيد رضا، والمراغي، وخلاَّف، ثم شلتوت، وابن عاشور، وأبو زهرة، ونحوهم من الفقهاء المعاصرين الذين انفردوا بآراءٍ تجديدية ليس لها سابقة في التراث الفقهي.

فإذا كان رفع الخلاف واختيار قول معين في الأحكام القضائية، أمرًا مفهومًا وعقلانيًا إلى حدٍّ ما، لأجل حسم الحقوق في الخصومات بين المتنازعين وتحقيق مبدأ (التنبؤ) القانوني، فإنه لا يمكن أن يكون كذلك، عندما تُفرض فتوى لأحدهم أو قول معين فيما يتعلق بالسلوكيات الشخصية للأفراد (كما يحاصل في واقعنا) والتي قد تكون مستندة إلى أحد المذاهب الفقهية أو اختيارًا لفتوى معينة أو قناعة شخصية.

القاعدة الفقهية الشهيرة: (لا إنكار في مسائل الخلاف)، قد لا تكون دقيقة ولا واقعية إذا كان الإنكار مقتصرًا على الكلمة والرأي فحسب، فما زال الناس يختلفون وينكرون على بعضهم البعض في الأفكار والممارسات، ولا يمثل ذلك إشكالاً أخلاقيًا، ولا يؤثر على مساحة الحريات، لكن حينما يكون (الإنكار) بقوة السلطة وعبر تشريع القوانين فهنا بالفعل: (لا إنكار في مسائل الخلاف) وبصورة حاسمة لا تقبل التردد، وإلا أصبحت الشريعة مصدراً للتسلط والإكراه.

يقول الجويني في كتابه (الغياثي): “لا ينبغي أن يتعرض الإمام لفقهاء الإسلام، فيما يتنازعون فيه من تفاصيل الأحكام، بل يُقرُّ كل إمام ومتبعيه على مذهبهم، ولا يصدّهم عن مسلكهم ومطلبهم”(13).

ويقول ابن تيمية: “ولهذا قال العلماء المصنّفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره: إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تُنكر باليد، وليس لأحد أن يُلزم الناسَ باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبيِّن له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلَّد أهل القول الآخر، فلا إنكار عليه”(14). و“ليس للحاكم وغيره أن يبدأ الناس بقهرهم على ترك ما يسوغ وإلزامهم برأيه واعتقاده، اتِّفاقا، فلو جاز هذا؛ لجاز لغيره مثله، وأفضى إلى التفرَّق والاختلاف”(15).

وحين أراد أبو جعفر المنصور أن يحمل الأقاليم والأمصار على مذهب معين، وقال لمالك بن أنس: والله لئن بقيت لأكتبن قولك كما تُكتب المصاحف، ولأبعثن به إلى الآفاق والأمصار فلأحملنهم عليه؛ ردَّ عليه مالك: “لا تفعل! فإن الناس سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملوا به ودانوا به من اختلاف الناس وغيرهم، وإنَّ ردَّهم عما قد اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار كل أهل بلد منهم لأنفسهم(16).

ولما صنّف إسحاق الأنباري (كتاب الاختلاف)، وعرضه على أحمد بن حنبل، فقال له أحمد: سَمِّه (كتاب السعة)(17).

ولاحظ هنا حين يُنظَر إلى (الاختلاف) على أنه (سعة) وليس (فتنة)؛ فإن نوعية العلاقة بين (الشريعة) و(الحريات) في واقعنا المحلي تحديدًا، ستصبح مختلفة بصورة عميقة عما هي عليه في مخيال الإسلاميين الذين يطمحون إلى أن تكون وظيفة الدولة حَمْلُ الناس على رأيهم أو نظرتهم لمعنى الخير والفضيلة؟! (18).

– 5 –

 

كذلك من أهم ما يذكر في مسألة (الاحتساب)، التمييز بين المجال العام والمجال والخاص، وقد كان الفقهاء قديما يقسّمون المنكر إلى: منكرٍ خفيّ، ومنكرٍ علنيّ، فيمنعون التعرّض للمنكر الخفيّ، بخلاف المنكر العلني الذي يوجبون إنكاره.

يقول ابن مفلح الحنبلي: “قال في الرعاية: ويُحْرَم التعرض لمنكر فعلٍ خفي، على الأشهر، أو مستور، أو ماض، أو بعيد”.

وقال القاضي أبو يعلى في المعتمد: “ولا يجب على العالم والعاميّ أن يكشف منكرًا قد سُتِر، بل محظور عليه كشفه، لقوله تعالى: {ولا تجسٍّسوا}”.

وقال عبدالكريم العاقولي: سمعت أبا عبدالله (ابن حنبل)، يُسأل عن الرجل، يسمع صوتَ الطبل والمزمار لا يعرف مكانه، فقال: “وما عليك وما غاب عنك؟ فلا تفتش! ونقل يوسف: وما عليك إذا لم تعرف مكانه”.

قال الخلال: “وأما من سَكِر أو شرب، أو فعل فعلاً من هذه الأشياء المحظورة، ثم لم يكاشف بها، ولم يلق فيها جلباب الحياء، فالكفّ عن أعراضهم وعن المسلمين والإمساك عن أعراضهم وعن المسلمين أسلم”.

وذكر ابن مفلح عن المهدوي في تفسيره: “إنه لا ينبغي لأحد التجسس على أحد من المسلمين. قال: فإن اطلع منه على ريبة، وجب أن يسترها، ويعظه مع ذلك ويخوفه بالله تعالى”.

والأصل في هذا الباب، الآية القرآنية: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا} (الحجرات: 12)، قال القرطبي: “ومعنى الآية: خذوا ما ظهر ولا تتبعوا عورات المسلمين، أي لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه حتى يطلع عليه بعد أن ستره الله”.

وفي مسند أحمد، قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوارتهم، تتبع الله عز وجل عورته، ومن تتبع الله عز وجل عورته، يفضحه في بيته”.

وفي سنن أبي داود: “إنك إن اتبعت عورات الناس، أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم”، وروي عنه صلى الله عليه وسلم: “إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم”.

ومما يؤكد على أن ولاية “الإنكار السلطوي” هي في حدود الفضاء العام فحسب، ولا يصح أن يتعدى إلى الفضاء الخاص، الذي لا يمكن اختراقه وكشفه إلا عبر الملاحقة والتجسس والمراقبة= حديث ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: “اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله تعالى عنها، فمن ألمَّ بها فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله، فإنه من يُبدِ لنا صفحته نُقم عليه كتاب الله تعالى”. فجعل تدخل السلطة مناطٌا بإبداء الرجل صفحته، أي إقراره واعترافه، أو المجاهرة به أمام الناس، هذا في الحدود والتي تُصّنف على أنها أعظم المناهي، فكيف بما دونها من الصغائر أو اللمم فضلا عن الخلافيات من المسائل!

قال زيد بن وهب: أتي ابنُ مسعود رضي الله عنه، فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا، فقال: “إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به”.

وفي مصنف عبدالرزاق: “أن عبد الرحمن بن عوف قال” خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة من الليالي نحرس المدينة، حتى كنا بالمصلى فشب لنا سراج، فقال عمر: هل تدري أين هذا السراج؟ قال: هذا في دار ربيعة بن أمية بن خلف وهم شرب الآن. قال: فتيممنا داره حتى سمعنا اللغط والأصوات. فقال عمر: ما أظننا إلا قد جئنا ما لا يحل لنا. فقلت: أجل. فانصرفنا”.

وفي رواية: “قال عبد الرحمٰن ابن عوف: حرست ليلةً مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالمدينة. إذ تبيّن لنا سراج في بيت بابه مُجافٍ على قوم لهم أصوات مرتفعة ولغط؛ فقال عمر: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف، وهم الآن شُرّب فما ترىٰ؟ قلت: أرى أنا قد أتينا ما نهى الله عنه، قال الله تعالى: {ولا تجسَّسوا} وقد تجسسنا. فانصرف عمر وتركهم”.

وفي تفسير القرطبي، “قال أبو قلابة: قد حُدِّث عمر بن الخطاب أن أبا مِحْجن الثقفي يشرب الخمر مع أصحاب له في بيته؛ فانطلق عمر حتى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلا رجل؛ فقال أبو محجن: إن هذا لا يحلّ لك قد نهاك الله عن التجسس. فخرج عمر وتركه”.

قال المرّوذي: قرأت على أبي عبدالله، أن أبا الربيع الصوفي قال: دخلت على سفيان الثوري بالبصرة، قلت: يا أبا عبدالله، إني مع هؤلاء المحتسبة، فندخل على هؤلاء (المخنثين)، ونتسلق على الحيطان، فقال: أليس لهم أبواب؟ فقلت: بلى، ولكن ندخل عليهم لئلا يفرّوا، فأنكره إنكارًا شديدًا وعاب فعلنا”.

المقصود من إيراد هذه النصوص -والتي هي مجرد اقتباس محدود من المدونة التراثية الفقهية- هو التأكيد على وجود التمييز بين المنكر الخفي، والمنكر العلني لدى الفقهاء قديمًا، أو بتعبيراتنا المعاصرة إن جاز لنا ذلك: بين المجال العامّ، والمجال الخاصّ، وكما ذكرنا في بداية هذه الورقة، أن التمييز بين المجال العامّ والمجال الخاصّ في مجتمعات ما قبل الحداثة، أظهر وأكثر تجليًا من مجتمعات ما بعد الحداثة، والتي باتت مخترقة بفضل ثورة التقنية والاتصالات وأجهزة المراقبة والضبط، وصار من الصعب معها التمييز بين المجالين.

وعليه، ندرك الاختلاف الكبير بين طبيعة الاحتساب قديمًا في المجتمعات الإسلامية، وبين ممارسة الاحتساب في أزمتنا المعاصرة، وعلة الفرق ليست في عدم وجود “التنظيم” و”التقنين” فحسب كما قد يتصور البعض، وإنما في اختلاف طبيعة السلطة والاجتماع السياسي، قديمًا وحديثًا، خصوصًا بعد أن تطورت آليات التحكم والمراقبة والسيطرة، حتى باتت الدولة الحديثة تنزع بطبيعتها نحو الشمولية، سواء كانت استبدادية أم ديمقراطية!

– 6 –

 

ليس المقصود هنا إنتاج إسلامٍ يتوافق مع النموذج الليبرالي الغربي الرأسمالي (إسلام السوق) وهي المنهجية (السطحية الشكلية) التي تمثلها من يُسمّون باسم (الإسلاميون الجدد)، فالفلسفة الليبرالية بنموذجها الغربي برغم النقاشات المهمة التي دشنتها في عدة قضايا خصوصًا حول إشكالية السياسي/ والقانوني، و الحق/ والخير، أو العام/ والخاص، لكنها لا ترتقي إلى أن تكون مرجعية معيارية في التحديد التاريخي لقيمة الحرية، فلكل حرِّية تاريخيِّتها، ولكل تاريخ اشتراطاته وإمكاناته!

إن من أكثر الإشكاليات التي تورط فيها بعض التنويريين أو الإصلاحيين، أو من يعرفون بـ (الإسلاميون الجدد)، هو (أسلمة الليبرالية) أو محاولة إعادة تأويل الشريعة، ولو بالتعسّف، وتقديمها في ثوب يتلاءم مع مبدأ الحرية الفردية الليبرالية. وليس من خلال النظر في الشريعة في نفسها، عبر المنهجية الموضوعية الملتزمة بالنظر في الأدلة ومناهج الترجيح. والسبب باعتقادي، هو لأن التنويري أو الليبرالي حين يقوم بهذه المهمة ، فلأنه يفكّر في أحكام الشريعة وينظر في الخلاف بين الأقوال والتفسيرات، وهو خاضعٌ تحت ضغط هيمنة الدولة وتغوّلها في المجال العام. فيشعر بأنه مضطر دائما لاختيار الأقوال والتفسيرات التي تنزع للإباحة وعدم التحريم، خوفا من الاعتداء على الحريات الفردية في المجتمع، لأن التحريم بنظره  يلزم منه تشريعُ قانونٍ من قبل الدولة يُلزم جميع أفراد المجتمع.

فعلي سبيل المثال، يختار الكثير من الإصلاحيين، القول بجواز سفر المرأة بدون محرم في هذه الأزمنة المعاصرة التي توفرت فيها وسائل النقل الآمنة. ولا إشكال في ترجيح هذا الحكم الشرعي، خصوصا أن ثمة خلاف مشهور في هذه المسألة، إنما الإشكال حين يكون الترجيح ليس نتيجة للنظر في المسألة وفق مناهج الاستدلال، وإنما لأنه الملائم لحرية الفرد في اختيار تصرفاته المناسبة له، فالقول بالتحريم، سيقتضي -في نظر الإصلاحي- تشريعُ نظامٍ يمنع كل أفراد النساء من السفر بدون محرم، تطبيقا للشريعة، ودرءً لذلك كان القول بالإباحة هو الراجح. وهذا يعني أن المعنى الليبرالي للحرية هو المعيار والعامل المؤثر في الترجيح بين الأقوال الفقهية.

وأسُّ الإشكال في هذا النوع من التفسير للشريعة، أنه يضع (الشريعة) في مقابل (الحرية)، ثم يجتهد في نفي التعارض بينهما، وأن التعارض لا يكون إلا مع التفسير المتشدد للشريعة: الذي يتوسّع في التحريم على حساب مساحة المباح.

والحقيقة أن (الحرية) -عند التحليل- ليست هي المقابل لـ(الشريعة) حتى نضطر إلى التوفيق بينهما، بل لا يُتصور أن تكون الحرية في موضع التعارض مع أي منظومة قيمية، أكانت دينية أو فلسفية، إلا إذا تحولت إلى (سلطة).. فالسلطة التي تحتكر القوة والإكراه، هي المقابل لمطلب الحرية، وهي التي في حالة اشتباك وتأزم دائمٍ معها. وأما الشريعة فالأصل فيها أنها تكليف وتقييد ذاتي مرتبط بالإرادة الحرة للمؤمن. سواء أكانت -في نظرنا- متشددة أو معتدلة أو متساهلة، فلو قلنا بأنه لا يجوز للمرأة السفر بدون محرم، فإن ذلك لا يؤثر على مسألة الحريات بالسلب، ولا يتعارض معها، طالما أن الدولة الحديثة لم (تحشْر أنفها) في تشريع نظام يُلزم كلّ أفراد النساء بهذا القول.

بعبارة أخرى، تطبيق الشريعة، حتى ولو كان بأوسع معانيها تحريما وتضييقا وتشددا، لا يتعارض مع مبدأ الحرية، طالما بقي ذلك التطبيق على مستوى الاختيار الحر للفرد. لا تبرز إشكالية تطبيق الشريعة إلا حين يرتبط بالتشريع القانوني للدولة الحديثة، والذي يقتضي بطبيعته: الشمول والاضطراد، ويلغي كل أشكال التعدد والتنوع.

– 7 –

 

لقد كانت السلفية بنموذجها الوهابي، تطمح إلى فرض مبادئها المعرفية والمعيارية والرمزية في المجال العام السعودي منذ نشأة الدولة السعودية. وزاد هذا الطموح وأصبح مُلحًّا بصورة أكبر مع الدولة السعودية الثالثة. ولإضفاء الشرعية السياسية على هذه الطموح، نجحت الوهابية في مأسسة مبدأ الأمر المعروف والنهي عن المنكر، من أجل هدف أساسي، هو إظهار المجتمع بمظهر المحافظ على العقيدة الصحيحة، الملتزم بالسلوك القويم في العلن.

ولكن في المقابل، كانت هناك سياسات تطبيعية قسرية، ومؤلمة أحيانًا، تُمارس على علماء الوهابية كضغوطات ملحّة من قبل شريكهم السياسي، كي تتكيّف الحركة وينسجم خطابها الفقهي مع سياسات تطور النمط الحداثي (الشكلاني) للدولة. فالوهابية في نسختها الجديدة، برغم بعض مظاهر الاعتدال والمرونة التي اتسم بها خطابها مقارنة بمواقف الفئات الأكثر تشددًا وتصلّبًا كـ (إخوان من طاع الله)، إلا أن تلك المرونة كانت مرتبطة بالحاجة إلى التضامن مع الملك في بناء الدولة الحديثة واستمرار الشراكة في الحكم، في مقابل افتقاد هذه المرونة وغيابها على المستوى الاجتماعي فيما يتعلق بهامش الحريات العامة.. بعبارة أخرى: كانت الوهابية الجديدة (معتدلةً سياسيا) و(متشددةً اجتماعيا)، كانت تحاول أن تعوّض تقليص نفوذها في المجال السياسي بتوسيع هيمنتها على المجال الاجتماعي، عبر تغوّل سلطاتها الدينية إلى أقصى حدٍّ ممكن، كي لا يكون هناك أي فراغ أو هامش في المجال العمومي لا يخضع لأيديولوجيتها الفقهية!

نعم، لم تستسلم النخبة البيروقراطية الجديدة -التي بدأت تتشكل وتتقلّد زمام الأمور مع تأسيس إدارات الدولة الحديثة- أمام محاولات “المؤسسة الوهابية”(19) في فرض الهيمنة.. كان يحدث بينهما حالة من المدّ والجزر، وشيء من المداراة، وبعض التوافقات، وأحيانًا تصل الأمور إلى المواجهة والتصادم، تنتهي مرة لصالح النخبة التحديثية البيروقراطية، وأحيانًا كثيرة لصالح المؤسسة الوهابية. والذي كان يحكم نتائج هذا الصراع بين المؤسستين (الوهابية) و(البيروقراطية التحديثية)، هو تقديرات الملك ورغبته في المحافظة على التوازن بين مسار التطوير والتحديث من جهة، والبقاء على المؤسسة الوهابية كحليف وكأحد مصادر الشرعية المهمة، من جهة أخرى.

ولعل الرسالة التي كتبها الشيخ عبدالله بن حميد (ت1402هـ)(20)، إلى الملك فيصل، تكشف لنا بعض ملامح هذا الصراع بين التيارين، وهي رسالة أنموذجية تصلح كمثال على وقائع كثيرة مماثلة. يقول الشيخ في رسالته: “لا يخفى على سموكم الكريم(21)، ما قد حصل في هذه الأوقات الأخيرة، من النقص الكبير في الدين، وعدم الاكتراث بأوامره، ونواهيه، من كثير من المسؤولين في الدولة… ولا يخفى أن مثل أولئك، لا تبرأ الذمة بتوليتهم أعمال المسلمين”(22)، لأنهم -بحسب رأي الشيخ- يعملون ضد الملك، فـ“الدين والملك أخوان، فمن كان ضد الدين، فهو ضد ملوك الإسلام وأهله، ومن كان ضد ولاة الأمور، فهو ضد الدين، وإن تظاهر بالنصرة للإسلام”.

يضيف الشيخ: ولأن “الإسلام يقول: من أهان إمام المسلمين، أهانه الله، والإسلام يقول: السلطان ظل الله في أرضه… ولِمَا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه سيكون عليكم ولاة تعرفون منهم وتنكرون، قال رجل: أفلا ننابذهم يا رسول الله؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة). فهذه سياسة الإسلام للشعوب مع ولاة أمورها، لما يترتب على منازعة الوالي، من ذهاب الإسلام، وتسلّط الأعداء، وإراقة الدماء، والفوضى، وانتهاك الأعراض، وسلب الأموال، كما هو مشاهد الأن في كثير من البلاد العربية وغيرها، كل انقلاب يحدث، يذهب فيه عشرات الألوف من الناس، كما هو مشاهد الآن في مصر، والعراق، وسوريا، واليمن، والجزائر، وغيرها نسأل الله السلامة”. الشيخ هنا، يكشف عن أهمية (الدين) للحاكم السياسي، كعامل حاسم في تحقيق استقرار المُلْك وإخضاع الناس له.

يتابع الشيخ بيانه: “وبما أنه قد عُلِمَ، أن الدين والمُلْك أخوان، يَقْوَى هذا بقوة صاحبه، ويَضْعُف بضعفه، كان من المتعيّن على ملوك الإسلام، التمسّك بالدين، وحمايته، وصيانته عن كلّ ما يناقضه، أو ينقضه، لا سيما مثلكم… فلذا يجب عليكم امتثال أوامر الدين، وإقامة الحدود الشرعية، والاتباع للسياسة الإسلامية”.

ولا يتوقف الأمر عند حماية الدين وصيانته، بل أيضاً كما يضيف الشيخ: “وتوقير العلماء، وإظهار المنزلة العالية لهم بين الناس، وإزالة المنكرات، وقمع المفسدين، لأنكم متى عملتم بهذا، صار العلماء ورجال الدين، ألسنة لكم، ودعاة على رؤوس المنابر في تأييدكم. وعامة الناس يحترمون العلماء، وينظرون ماذا يقولون في كل وقت، خصوصًا في هذه البلاد”.

بخلاف أولئك المسؤولين في أجهزة الدولة، الذين لا يلتزمون بالشرع ويمارسون (التغريب) و(الفساد الأخلاقي) في سياساتهم التنفيذية، وتتبعهم شريحة جديدة من المجتمع ممن تأثر بمغريات المدنية الحديثة، فهؤلاء “ثّلة من المنحرفين، سفهاء الأحلام، طيّاشة العقول، يجنحون للحريات، ويميلون للفوضى، ويشعلون نار الفتنة، ويسمّمون أفكار النشء الصغير بنواديهم الخليعة، وتمثيلياتهم الماجنة، فهؤلاء هم الآن أقلية مستضعفون، إلا أنهم إنْ تُرِكوا استفحل شرّهم، وعظم خطرهم على الدين والسياسة، فالواجب قمعهم، وإيقافهم على حدّهم، والأخذ على أيديهم، في تطبيق الحدود الشرعية عليهم، وإلزامهم أوامرها، فإنهم متى كان لهم من الأمر شيء، لم يرعووا إلى سنة أو كتاب، ولم يروا حقًّا لوالٍ من ولاة الأمور، ولم يحترموا عالمًا بعلمه”.

نحن هنا أمام سياسة معهودة لعلماء الدين في مواجهة ما يرونه (تغريبًا) أو (انحرافات) في السياسات التحديثية التي تنتهجها بعض مؤسسات الحكومة، ينصحون ويعظون الملك أو رئيس الحكومة في كل مناسبة مذكرين بالتحالف التاريخي بين (الأمير والشيخ) في لقاء الدرعية، حيث إن بقاء شرعية الملك مرتبط ببقاء هيبة هذا الدين، أو بالأصح هيبة المعنى الذي يفهمونه من الدين، وأن تعظيم علماء الدين والإنصات لعظاتهم والالتزام بتوجيهاتهم هي امتداد لتعظيم هذا الدين، وأن معظم الشعب يتبعون أهل الدين ويتأثرون بهم في مواقفهم، فإبعاد أهل الدين -وهم بهذه المكانة الاجتماعية وبهذا التأثير- وإقصاؤهم وتهميشهم، سيُفقِد الملك جزءاً واسعاً من شعبيته بين الناس، في حين أن إكرامهم والاستماع لنصائحهم وتوجيهاتهم وتنفيذها، سيمنح الملك فائدة تضامن أولئك العلماء ودعمهم له، مما يحقق له القبول الشعبي لدى الناس. أما الاستماع والإنصات لتوجيهات وإرشادات النخبة البيروقراطية التحديثية فلا يفيد الملك إن لم يضرّه، فهم أولاً أقلية، وليس لهم قاعدة شعبية واسعة بين الناس، وثانياً لا يراعون مبدأ السمع والطاعة للملك بدافع ديني وإنما بدافع سياسي مصلحي، لأنهم أساسًا ليسوا متدينين، والدين (وفق الرؤية السلفية)، يأمر الناس بالسمع والطاعة للملك، ويحرّم منازعته ومعارضته، حتى ولو كان جائرًا، وبالتالي فليس من مصلحة الملك، أن يخسر هذا النوع من الدين، أو يتجاوزه أو يُهمّشه، لأن ذلك سيجعل شرعيته معرَّضة للتهديد.

هذه الفكرة الدينية/السياسية، هي الخلفية المتحكمة في العقل السياسي الوهابي، والتي من خلالها يتم تبرير وجوب إنصات الملك لتوجيهاتهم ونصائحهم، بناء على التحالف التاريخي القائم بين (الأمير والشيخ) منذ لحظة الدرعية.

وكانت السلطة بطبيعتها، تتماهى مع هذا الطموح الأخلاقي وهذه الرغبة الرسالية لدى رجال الدين، فوهبتهم النفوذ و”سلطة الضبط” للسيطرة على المجال العام عبر مؤسسة الحسبة، شريطة أن يتمتع السياسي بالاستقلالية التامة، وعدم التدخل في سياساته، بل وينتزع منهم الشرعية الدينية وتعبئة الناس على الطاعة والخضوع له.

ولكن لم يتفطن هؤلاء العلماء، أن مأسسة مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ظل هيمنة الدولة الحديثة ستجعله مرتَهنا لإرادتها ورغباتها، بل وسيتحول إلى ورقة للمساومات الدائمة بين الدولة ورجال الدين، فتارة يقوم السياسي بإطلاق يد شركائه الدينيين على المجال العام كي يفرضوا أيديولوجيتهم الفقهية بالقوة، وتارة يحاصرهم ويقيد أياديهم، ويكفها جزئيًا عن المجال العام، وذلك لتحقيق أكبر قدر من التوازن في علاقته مع شركائه الدينيين!

والضحية في نهاية المطاف.. هو مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقيمته الأخلاقية ودوره الحضاري في المجتمعات من جهة. وحريات الناس وخياراتهم الشخصية المشروعة في مجالهم العام من جهة أخرى، والتي أصبحت كذلك ورقة للمساومات السياسية!

لن يتحرر مبدأ (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) بمجرد انتزاعه من وظيفة الدولة فقط، بل لابد أن يتحرر قبل ذلك، من الخيال الإسلامي الذي ما زل يُصرّ على ارتهانه لآليات الضبط والتحكّم والتفتيش والملاحقة، لأجل السيطرة على المجتمع والمجال العام من خلاله! عندها ستكون معركة المجتمع سياسية بالدرجة الأولى، حول إشكالية السلطة والسيطرة، لا على الفكرة الأخلاقية المتضمنة في ذات المبدأ!

(1) ينظر: نزيه الأيوبي، تضخيم الدولة العربية: السياسية والمجتمع في الشرق الأوسط، ترجمة امجد حسين، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة)، ووائل حلاق، الدولة المستحيلة، ترجمة عثمان حسين، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات).

(2) ينظر: آدم متز، تاريخ الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ترجمة محمد عبدالهادي أبو ريدة، (القاهرة: المركز القومي للترجمة).

(3) انظر: راغب السرجاني، روائع الأوقاف في الحضارة الإسلامية، (القاهرة: دارة نهضة مصر، الطبعة الأولى، 2010).

(4) يمكن الاطلاع على: وائل حلاق، الدولة المستحيلة، ص 135، وكذلك: عبدالله العروي في “مفهوم الدولة”.

(5) من المثير للسخرية، حين تجد بعض المسلمين في الدولة الغربية يحارب وينتقد قيمة الحرية، والتي لولاها لما استطاع دخولها والعيش فيها بكرامة والتمتع بحقوقه التي سلبت منه في دولته التي هرب منها، ولكن من زاوية أخرى هذا لا يعني بأن تلك الحقوق هي منحة تمتن بها الحكومات الغربية على هؤلاء اللاجئين، بل هي من واجباتها ومسؤولياتها، خصوصًا لأولئك الذين كانت الحكومات الغربية طرفًا مباشرًا في معاناتهم عبر الاستعمار وسرقة الثروات واستنزافها، أو غير مباشر بالتعاون مع حكوماتهم القمعية الفاسدة.

(7) قد يعتقد البعض أن وصف الاحتساب، بالحداثة والمعاصرة، مدحٌ له، والحقيقة بعكس ذلك، فمنهجية وسياسات التحكم والضبط في الأزمنة الحديثة صارت عنوانًا ودلالة على التسلط والشمولية!

(8) يمكن مراجعة كتاب: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، لشهاب الدين القرافي (ت 684هـ).

(9) الفروق: 4/38.

(10) مجموع الفتاوى: 3/238 – 240. هذا النص نقله عبدالفتاح أبو غدة بحرفه بين مزدوجين في حاشيته على كتاب “الإحكام” للقرافي، ص 36، ولكن النصَّ في الأصل، في مجموع الفتاوى، مختلف قليلاً، ومضطرب كذلك، فلعل الخلل في مخطوطة الفتاوى، والشيخ أبو غدة اعتمد على نسخة متقنة!

(11) مجموع الفتاوى: 23/347.

(12) الرد على المنطقيين: 13 – 14.

(13) غياث الأمم في التياث الظُلَم: ص 189.

(14) مجموع الفتاوى: 30/80.

(15) نقله ابن مفلح في الفرع: 11/110.

(16) الطبقات لابن سعد: 1/441.

(17) طبقات الحنابلة، لأبي يعلى: 1/110.

(18) أودّ التنبيه هنا على أن إيراد هذه الأقوال ليس بالضرورة استدلالا بها على قيمة الحرية كما هي في الأزمنة الحديثة وبنفس المستوى، بقدر ما هو تأكيدٌ على أن التراث الفقهي ليس نمطًا واحدًا مغلقًا، بل له إمكانات متعددة ومفتوحة استجابت وقتئذٍ للتحديات في أزمنتها، فلماذا لا يطرح المسلمون المعاصرون إمكاناتهم الجديدة المنفتحة لأزمنتهم الراهنة؟ بعبارة أخرى: لا أودّ التورط في توظيف أقوال التراث وإسقاطها على مفاهيم وقيم حديثة، فتلك الأقوال لها سياقات تاريخية قد لا تتطابق تماما مع سياقاتنا المعاصرة، إنما المقصود هو التأكيد على أن منطق (الإمكانات المتعددة والمفتوحة= الاجتهاد المطلق) كان حاضرًا في الماضي، فلماذا يتم تغييبه في الحاضر؟

(19) نستعمل كلمة (المؤسسة) بالمعنى الاجتماعي، لا بالمعنى الإداري الإجرائي البيروقراطي، فمأسسة الوهابية بالمعنى الإداري البيروقراطي المتمثل في هيئة كبار العلماء، تأخرت ولادته إلى عهد الملك فيصل. وأما المؤسسة الوهابية بالمعنى الاجتماعي، فقد كانت موجودة منذ نشأتها، وهي تلك الأنساق والمعايير التي تتشكل غالبًا تلبية لفكرة أو حاجة اجتماعية، فتخلق لدى أفرادها شعورًا بالتميز تجاه الآخرين، وتضطرهم إلى الدفاع عنها، حيث تصبح تعبيرًا عن وجودهم ودورهم الاجتماعي. انظر: علم الاجتماع المعاصر، أ.د. محمد نبيل جامع: ص (53).

(20) كان قاضيًا في عهد الملك عبدالعزيز، ثم صار أحد أبرز الأعضاء في هيئة كبار العلماء، في عهد الملك خالد، ورئيسًا للمجلس الأعلى للقضاء، ورئيسًا للمجمع الفقهي، وعضوًا في المجلس التأسيسي لربطة العالم الإسلامي.

(21) كان وليّا للعهد حينها، ورئيسا لمجلس الوزراء.

(22) الدرر السنية: (15/27).

‏19 تعليقات

  1. رأي فاسد .

    يلزم من رأي الكاتب أن يتم إلغاء الشرطة بحجة عدم توغل الدولة في المجتمع ، و توكل مهمة الشرطة لمؤسسات المجتمع المدني . ( !!!!!!!!!! ) .

    الحساسية من الهيئة عند كثير من الناس ، هي تعامل عينات من أفردها { و هذا يمكن إصلاحه من خلال تطويرهم أو إبعاد بعضهم عن التعامل مع الجمهور } .

    فالكاتب يقول نوكل مهمتها لجهات أخرى أو لجان تنشأ لهذا الغرض ، عندنا جهاز كامل فيه آلاف الموظفين ، و متميز حسب التقارير السنوية ، مع وجود أخطاء يسيرة جدا ، فهل نلغيها لأجل هوى فلان أو سربته من علان أو جهل من ( فلتان ) –> هذا جبته من مخي

    لعلك تأمل في النصوص التي تدل وجوب الأمر بالمعروف و النهي المنكر | بالمفهوم الشامل | ، و تأمل حجم التأويل و التهرب من التعامل معها .
    يقول الله – سبحانه و تعالى – ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) .
    – يقول النبي – صلى الله عليه و سلم – ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذالك أضعف ألإيمان ) ، و هنا التغيير باليد للمستطيع .

    1. ههههههههه عجيب امرك!!!
      الكاتب يقول سنتجاوز التنديد الصريح على اهمية الشعيرة في الاسلام مصرحاً بذلك عن وعية الكامل بالنصوص وتخطيها ليوضح المفهوم من منظور دولة حديثة وكيف ان الاسلاميية اساءوا تسخير في هذي الحقبة بالذات، وإذا بك كالأحمق مدتني الفهم والادراك تذكر النصوص وكأنك لم تقرأ شيء!!

  2. كانت الوهابية الجديدة (معتدلةً سياسيا) و(متشددةً اجتماعيا)، كانت تحاول أن تعوّض تقليص نفوذها في المجال السياسي بتوسيع هيمنتها على المجال الاجتماعي… نعم هو احساس بالنقص يكمل على حساب افراد المجتمع المغلوب على امره للاسف. شكرا

  3. مادام في الوطن اقلام امينه وصريحه وبهذا المنطق فلا خوف على هذه الشعيره.. لدينا من العلماء والمخلصين الخريصين على سلامة المجتمع دون تأجيج ودون مبالغه ودون تأليب. وحكومتنا الرشيده قادرةً على قطع كل من يخاول ان يمركت marketing الدين او exploit it.. اويحاول استغلال الدين لااغراض واهواءفي نوس الاخرين.. اللله اعلم بها..
    محمد علي الخلفان تارهوت،، انديانا

  4. الرابط للهامش للرقم 6 يؤدي إلى الفقرة 5 في الهامش وهذا مفهوم حسب الموضوع . . إذاً ربما سقطت 5 . . أرجو التعديل . .
    أما التعليق موضوع البحث فيحتاج إلى تحبير ولكن أحببت التنويه ليم التعديل والله المستعان . .

  5. الحمدلله ان الازمان الخوالي كان فيها مثل الشيخ عبدالله بن حميد فيه من الورع والتقوى بما يؤهله للمناصحه لكن على النقيض لو كنا بين شعوب “حسب الله” كان تجد العلماء ممن يطق الطبل ويردد “وسّع ودقي يامزيكه”

  6. اخي الكريم
    الله اسأل لي ولَك والقراء الكرام الهداية و التوفيق.
    أولاً:اذا تم تطبيق كلامك على جميع مؤسسات الدولة فكثير منها سوف يلغى.
    ثانياً:تلك الشعيرة هي خصيصة لهذة الامة قال الله تعالى :
    { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ{110}.
    ثالثاً:شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سمها ما شئت(حسبة،شرطة اداب…الخ) هي دور امرنا الله بتكليف طائفة للقيام بذلك الدور وليس ان يوكل هذا الدور للمجتمع بنص القرآن قال الله تَعَالَى { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ }.
    رابعاً:هذه الشعيرة منوطة بقال الله وقال رَسُولَه صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم وليست خاضعة للمعايير الاجتماعية.
    خامساً:كون هذا الجهاز يفتقد للتنظيم وخروج بعض أعضاءه عن النص هذا لا يعني إلغاءه ولكن هنا دور الدولة في تنظيمه.

    هذا ما يسره الله لي فإن كان صواباً فمن الله وأن يكن خطأً فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان.

    كتبة الفقير إلى عفو ربه
    محمد الزكري

  7. مقال رائع وملهم،
    الفكرة الموجودة في المقال مخيفة حين نتفكر في هذا المجتمع الموأدلج، خلال قراءتي قلت لنفسي كيف سنكون لو تحول المجتمع الى هذا النحو كيف نجعل من هذا المجتمع يتقبل هذه الأفكار هل هي مجرد أحلام ما هي الطريقة الفاعلة للتحول؟
    او متى سيعي السياسي ان عليه المُضي قدما وترك الرُهبان والكهنة (مشايخ) وراءه واعلامهم مهمتهم الحقيقة في ظِل هذا الزمن المختلف، فليلزموا مساجدهم ومن يحبهم سيأتيهم والمؤمن يدل طريقهم ولتفرض الدولة قانون لا يخرقه رجل الدين ولا مناصريهم ولا ازدواجيي الشخصية الذين يسودون المجتمع اليوم والجميع
    أن خيارات الناس واسعة وحريتهم أولوية إلا ما أُستثنِي للمصلحة العامة.

    مقال رائع حقاً.

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.