ما الذي يطيل أمد النزاع في سوريا؟

كاتب المقالة

حمد الثنيان

حمد الثنيّان

لماذا نرى بعض الحروب الأهلية تستمر لفترة أطول من البعض الآخر؟ شغل هذا السؤال العديد من المتخصصين في العلوم السياسية، حيث أشار الباحثان فيرون وليتن أنه كان هناك 127 حالة حرب أهلية بالمقارنة مع 25 حالة حرب دولية فقط من 1945م إلى 1999م. عدد الحالات المرتفعة للحروب الأهلية يبين أنها تمثل خطراً متزايداً للأمن والاستقرار الدولي. والأحداث التي تكشّفت -ومازالت- في ليبيا وسوريا والعراق واليمن خلال السنوات الخمس الأخيرة مثالٌ حي لقدرة الحروب الأهلية على إضعاف الدولة، وخلق فرصة لظهور الفرق الثورية المسلحة، والتدخل الدولي الأجنبي، وتأثيرها على الدول المحيطة بها بل حتى التأثير غير المباشر على دول العالم من خلال العمليات الإرهابية وتجنيد مواطنيها و الأعداد الكبيرة للاجئين.

هذه المقالة محاولةٌ لفهم العوامل التي تُصعب إنهاء الأزمة السورية منذ نشوؤها كحربٍ أهلية إلى تحولها مسرحاً لحروب بالوكالة. فنحن نشهد اليوم أن هناك عدة أطرافٍ متقاتلة على الأرض وعدة لاعبين رئيسيين من دول المنطقة والعالم يستثمرون في هذا النزاع، فخطورة وحجم وديناميكية النزاع في سوريا قد تكون سبقاً في تاريخ المنطقة؛ ونتج عنه أكثر من 3.4 مليون لاجئ سوري وغيرهم حوالي 7.6 مليون نازح في الداخل.

يشير المتخصصان بولاك وولتر أنه لابد من وجود ثلاث عوامل للوصول إلى إتفاقية سلامٍ في النزاعات الداخلية: (1) كل الأطراف يجب أن تكون مقتنعةً أنه من الصعب تحقيق انتصارٍ عسكري (2) الإتفاقية يجب أن تضمن لجميع الأطراف الرئيسية توزيعا متساويا للسلطة السياسية (3) كل الأطراف يجب أن تقتنع بأنه سيتم تنفيذ هذه الإتفاقية.

سأتناول في الفقرات القادمة أبرز العوامل التي تصعب إنهاء النزاع الدائر في سوريا، الذي يسوده جو من عدم الثقة وقتال مستمر و دعم خارجي للأطراف المتحاربة.

العامل الأول: التدخل الخارجي

أدى دخول أطرافٍ إقليمية ودولية في هذا النزاع لزيادة تعقيده حيث تحولت سوريا لساحة حربٍ بالوكالة عن هذه الأطراف. فالتدخل الأجنبي بشقيّه العسكري والدعم المادي يطيل من أمد الحرب الدائرة. هذه هي النتيجة التي خلص إليها الباحث ريغن الذي حلل 150 حالة حربٍ أهلية، كان من بينها 101 حالة تضمنت تدخلا خارجيا. وهي النتيجة التي أكدتها دراسة أخرى بعد تحليل 152 حربٍ أهلية وقعت ما بين 1820-1992م.

ففي الحالة السورية نجد أن نظام بشار الأسد مدعومٌ من روسيا وإيران وحزب الله، ونجده يحارب بعض الجماعات المعارضة المسلحة، والتي تحظى بدعمٍ من السعودية وتركيا وقطر والولايات المتحدة. ففي الوقت الذي نجد أن أولوية إيران وروسيا هي المحافظة على بقاء النظام السوري، نجد أن السعودية وتركيا تريان أن الحل يكمن في رحيل الأسد. أما الهاجس الأكبر للولايات المتحدة أصبح الآن اللاعبَ الثالث وهو الجماعات الإسلامية المتطرفة كداعش وجبهة النصرة. ولهذا السبب تدعم الإدارة الأميركية الجماعات التي تحارب داعش، كالقوات الكردية في الشمال، والتي تعتبر تركيا وجود هذه القوات الكردية على حدودها خطرا عليها، أما الموقف الإسرائيلي فيمكن أن يُختزل في تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي الذي قال فيه: “داعش ظاهرةٌ جديدة نشأت من القاعدة، ولا تمثل تهديداً لنا، وإذا كنت سأختار بين النفوذ الإيراني في سوريا وداعش فسأختار داعش” لأن قوة الأخيرة أقل من إيران حسب رأيه.

والإدارة الأمريكية بقيادة أوباما لن تُدخل قواتٍ أرضية إلى سوريا؛ لأن هذا سيزيد من احتمالية نشوب مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران وروسيا؛ بالإضافة، أشار استطلاع للرأي أُجري في 2014م أن 57% من الشعب الأميركي يعارضون التدخل العسكري الأميركي في سوريا.

والملاحظة المهمة حول سوريا: أن الجماعات المقاتلة السورية لم تكن الوحيدة في تغيير تحالفاتها الداخلية والخارجية على ضوء التغيرات في موازين القوى، فهذه التغييرات أثرت كذلك على قرارات الدول اللاعبة هناك. فعلى سبيل المثال، ازداد تقارب وجهة نظر السعودية مع وجهة النظر التركية-القطرية حول من يحب دعمه داخل سوريا بعد خمس سنوات لموازنة الجبهة الإيرانية-الروسية الداعمة لنظام الأسد.  وتشير تقارير أخيرة أن قوات نظام الأسد -المدعومة من روسيا وإيران وحزب الله- استطاعت مؤخراً أن تحقق بعض الانتصارات  على الأرض، كما قال مستشارو الأسد قبل مؤتمر جنيف الأخير “أنهم ذاهبون ليستمعوا، وليس للتفاوض”.  وقد نستطيع فهم التصريحات الأخيرة الصادرة من السعودية وتركيا حول إستعدادهم للدخول في حرب برية بشرط أن تشترك معهم الولايات المتحدة كورقة ضغط على إدارة أوباما للتحرك في الشأن السوري. ومن هذا كله نستطيع أن نرى كيف أنه من الصعب إنهاء حالة الحرب عندما يكون لدى الأطراف المتقاتلة قناعةٌ بأن الإنتصار العسكري ممكن، والحالة السورية تُعتبر مثالاً لكيف يمكن أن تكون المصالح المختلفة للأطراف الخارجية المستثمرة في النزاع الأهلي عائقٌ على تحقيق صفقة سياسية سلمية.

syria war

العامل الثاني: تعدد الجماعات المقاتلة

 أما العامل الثاني الذي يساهم في إطالة النزاع في سوريا فهو تعدد الجماعات المقاتلة والمؤثرة داخل سوريا ذات التوجهات والمطالب المختلفة. وتقدّر البي بي سي وجود أكثر من 1000 فرقة مقاتلة تتضمن أكثر من مئة ألف مقاتل داخل سوريا. فكما أشارت الباحثة كننجهام أن 37% من الجماعات الثورية المسلحة من 1960م إلى 2010م لا نستطيع اعتبارها موحدة، وأنها بلا قيادة موحدة، فهذه الانشقاقات -حسب رأيها- تقوي قدرة الحكومة المركزية على إعطاء تنازلات لجهةٍ على حساب جهات أخرى. فمثلاً قام النظام السوري بإبرام هدنةٍ مؤقتةٍ مع داعش واشترى منها النفط بينما يحارب طرف أخر، ومثال آخر هو زعمٌ تركي أن نظام الأسد يدعم القواتَ الكردية السوريةَ التى قامت بتفجيراتٍ في تركيا، وبيّنت دراسة أخرى أن ازدياد عدد الجماعات المسلحة المؤثرة في حربٍ أهلية يتناسب طردياً مع عدد المصالح المختلفة الناتجة، مما يطيل من أمد النزاع.

ولهذا واجهت الولايات المتحدة ودول أخرى صعوبات في توحيد هذه الجماعات المختلفة تحت مظلةٍ واحدة تمثل المعارضة السورية للتفاوض مع النظام السوري، ورأينا ذلك في مفاوضات جنيف الأخيرة التي فشلت للخلافات الحاصلة حول من يمثل المعارضة السورية في اللجنة العليا للمفاوضات، وكما أشار الباحث لاند أن هذه اللجنة لم تشمل ممثلين من أكبر جماعة كردية سورية، وهناك تباين واعتراضات على بعض الأسماء المشمولة في اللجنة من قبل بعض الجماعات السورية لسبب أو لآخر.

ولا يمكن فهم مايحصل في سوريا اليوم دون دراسة تبعات الغزو الأمريكي للعراق في 2003م الذى أسقط البذرة الداعشية هناك. فبعد سقوط نظام صدام حسين؛ تبنّت الحكومات العراقية عدة قرارات غير منظمة ساهمت في تهميش الأقلية السنية, وأكثر هذه القرارات تأثيراً كان قرار تفكيك حزب البعث من المؤسسات المدنية والعسكرية في العراق الذي تم تطبيقه بشكل عشوائي واستغلاله في أحيان أخرى لتصفية حسابات أو مصالح شخصية – وهذا بشهادة الحاكم الأميريكي في العراق.

فالحرب الأميركية على العراق ساهمت في خلق حكومة ذات توجهٍ طائفي؛ واختارت الحكومات المتعاقبة أن تعزل طائفة بعينها عن الشعور بأن النظام السياسي الجديد في العراق يمثلها، ونتج عن ذلك حالة من التبلور الطائفي جعلت الأرض خصبة للإستقطاب والإقصاء بناءً على الهوية الدينية؛ ولهذا انتشرت التنظيمات المسلحة في العراق، التي كان من السهل عليها أن تستقطب أعداداً ليست بقليلة لتحارب في صفها.

ويبين الباحث صالحيان أن قدرة مجموعة مسلحة على الحصول على ملاجئ آمنة بين دولتين جارتين يزيد من قدرتها على الحركة والحشد ومن نفوذها المادي، مما يطيل فترة الحرب. وجماعة دولة الإسلام في العراق وجدت فرصة سياسية وفراغ قوة للتمدد داخل سوريا بعد قرابة السنتين من نشوء الأزمة هناك، لتصبح دولة الإسلام في العراق والشام (داعش) التي مزقت إتفاقية سايكس بيكو وسيطرت على أراضي عابرة للحدود السورية-العراقية، مما عقّد وطول الأزمة السورية.

الأوضاع المعقدة للوضع السوري، من نظامٍ لا يبدو أن له نية لترك السلطة إلى معارضة تتكون من أطراف كثيرة، لكل منها توجهاتها ورؤيتها الخاصة، مرورا بوجود داعش والجماعات الإسلامية المتطرفة، وانتهاء بالتدخلات الإقليمية والدولية دعماً لطرف ضد آخر؛ كل هذا يشير إلى أن أمد الصراع في سوريا قد يستمر طويلا حتى تقتنع جميع العناصر المؤثرة أنه ليس هناك أمل في انتصار عسكري، أو أن نشهد انتصاراً عسكرياً في حال قيام بعض الأطراف بمراجعة تحالفاتها داخل الساحة السورية.

‏2 تعليقات

  1. صباح الخير
    على اعتبار أن داعش تشكل خطرا على المنطقة، وأن حرب العراق من أوجدها.. لا يهم، قد طرحت الموضوع من وجهة نظر عالمية، وأغفلت أمرا، قد يكون وجودا في ذهنك، لكننا لم ندركه كقراء، وهو أن النزاعات في سورية كلها تعود إلى مرجيعات وأفكار مختلفة، ثم هناك لعبة تلعب بجدارة باسم الدين والمذهب لم تعرفها المنطقة من أيام عبدالله بن الزبير وأخيه وعبدالملك، فلا معنى هنا لعروبة أو جوار أو دم أو حتى رغبة في البقاء والعيش كما كان الحال في السابق. الأسئلة الكثيرة التي تداعت إلى ذهني بعد قراءة بحثك هي:
    هل هناك وجه شبه بين داعش والقاعدة؟ لماذا دعمت بالبداية ولم تحمل وجها متطرفا كما هي عليه الآن؟
    وإذا ما اعتبرنا أن ثورة سوريا انتقلت من حرب أهليّة إلى مسمى ثان، فهل شهد التاريخ ،وهو خير شاهد أحيانا، حروبا أهلية ولدت جماعات متطرفة؟
    وإذا افترضنا أن التفاوض حلا، لو تنازل الأسد، فهل تدخل داعش أيضا طاولة التفاوض الدوليّ، مما يؤدي إلى إقرار المجتمع الدولي بكيانها؟ وهل للمكان الجغرافي قيمة هنا؟

    كل الشكر، مقال قيم جدا.

    1. شكراً مي على تعليقك وإهتمامك بالموضوع.

      الغرض من هذه التدوينة هو تسليط الضوء على الأسباب العلمية التي تشرح طول الصراعات المسلحة الداخلية من خلال تطبيقها على الواقع السوري. أما بالنسبة للورقة الدينية/المذهبية فهي أداة تستخدم للحشد وال(in-group psychology) ضمن إطار صراع أصله وجوهره سياسي. فأحداث سوريا بدأت بمطالبات داخلية للإصلاح ومن ثم إلى حرب أهلية، وتعدد الجماعات المقاتلة هو إنعكاس لأفكارهم المختلفة سواء الذي ساهم في تبلورها عوامل دينية أو عرقية أو تنافسية مصلحية بحتة.

      ومن الغالب أن الحل السياسي في سوريا لن يشمل داعش ولن ينهيها مباشرة، لكنه خطوة في الإتجاه الصحيح لتوجيه التركيز نحو تفكيكها ولوقف أمد الحرب التى عاني منها ومازال الشعب السوري.

      وإن كنا لا نستطيع فصل النشأة الأولية لما تسمى اليوم داعش عن إرتباطها بالقاعدة تنظيمياً وفكرياً، إلا انه هناك فروق كثيرة ممكن نلحظها على فترات مختلفة بين الجماعتين من حيث التنظيم والأهداف والتمويل والطرق المستخدمة، بل وحتى نزاع بين الجماعتين حول الشرعية الدينية التى يزعمون بتمثيلها، ولربما يفسر هذا سبب قيام القاعدة بإستنكار أعمال داعش. الرابط في الأسفل يحوي مقالة للباحث Daniel Byman عن فروقات مفصلة بين الجماعتين، إلا انه لم يذكر شيء عن تأثير فكر حزب البعث على داعش وبإعتقادي هذا مهم أيضاً.

      http://www.brookings.edu/research/testimony/2015/04/29-terrorism-in-africa-byman

      تحياتي

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *