الرقابة الإعلامية في العالم العربي

عمر داوودي

كاتب المقالة

عمر داوودي

في السابع والعشرين من شهر يناير لعام 1999م قامت الحكومة الجزائرية بقطع الكهرباء عن أجزاء واسعة من العاصمة الجزائر في محاولة منها لمنع مواطنيها من مشاهدة البرنامج المثير للجدل (الإتجاه المعاكس) على قناة الجزيرة، والذي كان يتناول نظام الحكم في الجزائر. وتشاء الأقدار أن يشهد نفس اليوم؛ السابع والعشرين من شهر يناير لعام 2011م قطع النظام المصري لحوالي 88% من شبكة الانترنت في أرجاء الجمهورية في محاولة منه لمنع مواطنيه المحتجين ضده من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتنسيق فيما بينهم، أوحتى لإيصال تطورات الأحداث لخارج الحدود القطرية.

هذا المقال هو محاولة لتسليط الضوء بشكل مختصر عن مفهوم الرقابة الإعلامية، وأنواعها، كما أنه يلفت النظر لأسباب تفاوت درجة الرقابة الإعلامية بين الدول العربية.

أجد أنه من المهم أن أوضح هنا أن التركيز في هذه المقالة سيكون على الرقابة الإعلامية السياسية، وسيتم استثناء الحديث عن الرقابة لأغراض أخلاقية، أو خلافه. علاوة على ذلك فإن هذه المقالة لا تزعم أنها تقدم تصوراً شاملاً أو كاملاً لموضوع البحث ولكنها تسلط الضوء عليه بما تسمح لنا هذه المساحة المحدودة.

ينقسم المقال إلى ثلاثة أقسام رئيسية: سيطرح القسم الأول نقاشاً علمياً لمفهوم الرقابة الإعلامية وتطورها ، بينما سيتطرق القسم الثاني لماهية مصطلح (النظام الإعلامي) بشكل عام، ثم يستعرض الأقسام المختلفة للأنظمة الإعلامية العربية،  أما في القسم الثالث فإن المقال سيتحدث عن تطور الرقابة الإعلامية العربية وأشكالها.

القسم الأول: مفهوم الرقابة الإعلامية وأشكالها:

تذكر أوليري في مقدمة كتابها أن “الرقابة” تحمل في طياتها معاني التحكم والتقييد، كما أن التصور العام لهذه اللفظة يرتبط بمفاهيم مختلفة مثل: حرية التعبير، المصلحة العامة، التصحيح السياسي والذوق العام؛ وهذه كلها مصطلحات ضبابية يختلف تفسيرها من مجتمع لآخر بحسب السياق السياسي والمجتمعي للأحداث. تستطرد الباحثة في حديثها عن الرقابة فتذكر تأصيلاً أكاديمياً ماتعاً بتفريقها بين الرقابة الاستباقية والرقابة العقابية (prior censorship & punitive censorship) حيث تعرف الرقابة الاستباقية بأنها: محاولة منع شيء ما من أن يكون متاحاً للشعب حتى يتحدث عنه ابتداءً؛ أما الرقابة العقابية فهي: إنزال العقوبة بشخص ما قام سابقاً بالنشر.

من الممكن تعريف الرقابة الإعلامية حسب وصف فيرتشيلد  أنها: محاولة التحكم في محتوى بعض الأخبار المحددة التي لها علاقة بمصالح الشعب أو مصالح شخصية [فئوية] أهـ. أي أنها عملياً تعكس نموذجاً هرمياً حيث يموضع (البعض) نفسه في موقع سلطوي-معرفي أعلى من غيره، ليحدد مالصالح الجدير بالمتابعة ومالضار الذي ينبغي حجبه. ويمكن للناقد أن يلاحظ أن الرقابة في الواقع هي ظاهرة قديمة وثيقة الصلة بالسلطة السياسية والمؤسسة الدينية النافذة في المجتمعات الأوربية وغيرها، إلا أن المدهش في هذه الظاهرة هي قدرتها على التكيف مع ديناميكية وسائل التواصل الحديثة، والبقاء للأبد كظاهرة؛ طالما أن الصراع على التحكم والنفوذ باق بين البشر على مختلف مستوياتهم.

ونعود مرة أخرى للباحثة (أوليري) التي تقدم لنا أمثلة متنوعة للرقابة فهي تقول: أن الحذف، أو إعادة الكتابة، أو إدخال نص إضافي إلى النص الأصلي، أو منع نشر العمل، أو سحبه، أو إلغاءه أو وضعه في القائمة السوداء أو سجن صاحب العمل كلها تطبيقات تندرج تحت مظلة الرقابة.

تاريخياً؛ أخذ مقص الرقيب صوراً صلبة مثل: القتل (قتل الرسول لإخفاء المعلومات عن الأعداء)، وتدمير المعالم أو التماثيل التاريخية (لأسباب دينية تتعلق باستهداف رموز الدين المضاد أو العقيدة المنافسة) يعتبر من أنماط الرقابة الإعلامية في حال كان الحافز للفعل دينياً أو سياسياً، وحرق الكتب التي كان ينظر إليها أنها ضد عقيدة النظام السياسي الحاكم أو أنها تنشر الفكر الضال من وجهة نظر صاحب السلطة.

أما في العصر الحديث فإن أشكال الرقابة قد تطورت وتعقدت بشكل كبير للغاية، ولكن المثير في الأمر أن صور الرقابة التاريخية مازالت فاعلة حتى اليوم، فعلى سبيل المثال: استهداف الجيش الأمريكي لصحفيي قناة الجزيرة إبان احتلال العراق هو مثال شديد الوضوح، وأيضاً إذا استعرنا تأطير بيتلي أعلاه الذي يصنف تدمير التماثيل كأحد صور الرقابة لأنها تستهدف إسكات أو طمس هوية الآخر؛ فإن ما قام به تنظيم داعش من تدمير لبعض المعالم في مدينة تدمر السورية (بسبب حوافز دينية يبررها التنظيم) هو مثال واقعي آخر.

قد يكون شائعاً ربط الرقابة الإعلامية بالدول التي تصنف كسلطوية أو دول الديكتاتورية الحديثة (إن صح التعبير) إلا أن الرقابة أيضاً تتخذ أشكالاً وأنماطاً متنوعة في الدول التي تصف نفسها كضامنة لحرية التعبير أو مايعرف بالدول الديمقراطية؛ خاصة في فترة الاضطرابات السياسية والحروب .

على سبيل المثال فخلال أحداث العنف التي ضربت المملكة المتحدة في أغسطس 2011م، قام رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بإبلاغ البرلمان أنه يجب على فيسبوك وتويتر وبلاكبيري أن يقوموا بمسؤولياتهم ضد أي محتوى ينشر على شبكاتهم، تبعها اجتماع لوزارة الداخلية (Home Office) بممثلي هذه الشركات الذين هرعوا لمساعدة الحكومة، وإثبات أنهم يقومون بدورهم ضد كل محتوى يحرض على العنف (هاليدي و جارسيد، 2011م).  هذا التصريح وهذا الاجتماع الذي نتج عنه عدة وسائل؛ للحد من نشر المحتوى الذي يهدد الأمن القومي من وجهة نظر الحكومة، أحدث نقاشاً عاماً في المجتمع البريطاني عن حرية التعبير بعد هذا السلوك من حكومة المحافظين.

الواقع يقول أن بعض هذه الرقابة هو محل ترحيب من بعض الناس، وبعضها الآخر محل استنكارهم، وأخرى هي مجال للأخذ والرد؛ إلا أن مايجمع هؤلاء جميعاً أن أسباب تطبيق مقص الرقيب قد يكون سياسياً، أو أخلاقياً، أو دينياً أو قل إن شئت ربما هو مزيج بين هذه جميعاً.

القسم الثاني: تعريف النظام الإعلامي، والأنظمة الإعلامية العربية:

يصعب على أي باحث أن يزعم أن الإعلام العربي  يندرج ضمن مظلة واحدة فهذا فيه اختزال معرفي غير منصف فعلى سبيل المثال: ديناميكية وسائل الإعلام اللبنانية تختلف تماماً عن مثيلاتها في سوريا ماقبل 2011م، كما أن سلوك الإعلام في الكويت يختلف نوعاً ما عن سلوك الإعلام في الجارة الكبرى: السعودية.

قبل الولوج إلى تفاصيل أنظمة الإعلام العربي (Arab media systems)، أرجو أن يسمح لي القارئ الكريم بتوضيحٍ مختصر لمعنى أنظمة الإعلام (media systems) بشكل عام .

أنظمة الإعلام هو أحد فروع المعرفة والتي تهتم بمحاولة فهم سلوك النشاط الإعلامي المؤسساتي، بمعنى آخر فهذا الفرع من المعرفة  يتساءل لم يبدو الإعلام لدينا كما هو في صياغته الحالية التي نراها؟ لماذا يخدم عدة أهداف معينة ولماذا يختلف من دولة لأخرى؟ لماذا، مثلاً، الإعلام في المملكة المتحدة مختلف عن الإعلام في جمهورية الأرجنتين؟ هناك عدة عوامل تؤثر في طبيعة النظام الإعلامي لدولة ما على سبيل المثال: النظام السياسي الحاكم، والاقتصاد والثقافة، وطبيعة المجتمع، وأحياناً حتى الجغرافيا لها تأثيرها على طبيعة النظام الإعلامي “دافجون“.

حاول بعض رواد هذا المجال المعرفي من أمثال هالن و منسيني تقديم تأطير أكاديمي محدد من أربعة أبعاد حتى يتم من خلاله فهم وتقسيم الأنظمة الإعلامية عالمياً.

الأول: تطور السوق الإعلامي في دولة ما وخاصة النشر وانتشار وسائل التواصل الحديثة.

ثانياً: العلاقة بين النظام السياسي والمؤسسات الإعلامية بشقيها الحكومي والخاص، وعن ما إذا كان الإعلام يعكس كل الأطياف السياسية في المجتمع.

ثالثاً: احترافية العمل الصحفي لأعضاء المؤسسات الإعلامية.

رابعاً: تدخل الحكومة في الإعلام.

بخصوص أنظمة الإعلام العربي، فإن الباحث الأكاديمي رف، 2004م قد لاحظ أن المؤسسات الإعلامية في العالم العربي لاتتواجد بشكل مستقل وإنما تتطبع وتتاثر بالبيئة السياسية والاجتماعية التي تعمل من خلالها؛ وبناءً على ذلك فقد قام باقتراح تأطيري أكاديمي حيث قسم فيه أنظمة الإعلام العربي إلى أربعة اقسام:

أولاً: الإعلام التعبوي: وهذا يشمل أغلب الجمهوريات العربية مثل: سوريا، وليبيا، والسودان، والعراق حتى عام 2003م.

ثانياً: نظام الإعلامي الموالي: وهذا يشمل الدول التي تعتبر أنظمتها شمولية، ولكن  حصل بها تطور في السوق الإعلامية وسمحت بإعلام خاص مثل: السعودية، الإمارات، قطر، البحرين، عمان والسلطة الفلسطينية.

ثالثاً: نظام الإعلام المتنوع: وهذا يشمل الدول التي يوجد بها حرية إعلام محدودة، كما أن تأثير الحكومة فيه محدود مثل: لبنان ثم يتلوها بدرجة أقل الكويت والمغرب واليمن.

رابعاً: الإعلام الانتقالي: ويقصد به أن نقاش حرية التعبير والقيود ضد الإعلاميين متواجد في الفضاء العام ويتحدث به أفراد المؤسسات الإعلامية علنا، كما أن هذا النوع يتميز بتطبيق مبدأ الرقابة الذاتية، ومن سمات هذا القسم أن الحكومات تلجأ عادة للوسائل القانونية لملاحقة الإعلاميين؛ مثل: مصر والأردن، والمغرب، تونس والعراق ما بعد 2003م.

هذا التقسيم قد تمت صياغته قبل أحداث مايعرف بالربيع العربي وقد لا يكون بالضرورة دقيقاً، وعاكساً لواقع الخريطة الإعلامية العربية بسبب التغييرات الهائلة الحاصلة في العصر الراهن. ينبغى أن نذكر هنا أن هذا التقسيم جلب الكثير من الانتقادات الأكاديمية، والتي لن أذكرها هنا بسبب ضيق المساحة لكن أثق أن القارئ الذكي يستطيع أن يحدد التباينات ويختلف مع هذا التقسيم.

أهمية هذا القسم كانت تكمن في إيجاد التأطير النظري للإعلام حيث يوضح العلاقة اللصيقة بين المؤسسة الإعلامية، والنظام السياسي الحاكم وطبيعته، إضافة إلى عوامل الاقتصاد وقضايا ثقافية أخرى مما يسهل فهم قضية الرقابة الإعلامية وتواجدها الوفير في واقعنا اليومي.

القسم الثالث: تطور الرقابة الإعلامية وأشكالها:

طبيعة النظام السياسي العربي الحالي هي المسبب الأكبر لانتشار ظاهرة مقص الرقيب في الصحافة المطبوعة، والمرئية وحتى الرقمية. وسيكون من نافلة القول ذكر أن انتشار ثقافة الخوف، وعدم الثقة بين الأطراف  هي عوامل نفسية واجتماعية تولدت من القبضة السياسية والأمنية المتشددة لأغلب الحكومات العربية.

“ملكية وسائل الإعلام” هي قضية محورية في هذا السياق لأن ملكية الحكومات العربية لوسائل الإعلام الرئيسية ، أو ملكية أشخاص متنفذين على علاقة قريبة بالسلطة لهذه الوسائل يضع الأمور في نصابها الطبيعي ويزيل الكثير من الضبابية عن أعين الباحثين. في هذه الحالة -على سبيل المثال- يتم استخدام وسائل الإعلام لإعمال مقص الرقيب بكل سخاء ضد كل صوت مصلح أو خائن (سمه ما شئت) وتكمن الخطورة عندما تتحول الوسائل إلى إعلام حشدي يحشد الشعب تجاه مواقف قد تكون ضد مصلحة الشعب نفسه، وهذا كثيراً ما يحدث في الدول السلطوية كما يذكر جلباتش و سونين.

وهنا أزعم أن سلوك الإعلام المصري بتقلباته المتعددة ( خاصة مابعد الانقلاب العسكري في عام 2013م )  يمثل أنموذجاً مثيراً للاهتمام من حيث تداخل رأس المال السياسي والرقابة القاسية، والذي نتج عنه إعلاماً حشدياً يرسخ الانقسام وانعدام الثقة بين أطياف المجتمع المصري، والتي هي في المحصلة ضد المصلحة العامة لمصر.

وهنا أستأذن القرّاء الأعزّاء، لأن اقدم لهم ما أقترحه أنواعاً متعددة للرقابة الإعلامية، وهي: الرقابة الصلبة، والرقابة الناعمة.

أولاً: الرقابة الصلبة:

تعد الرقابة المباشرة التقليدية من أبرز معالم هذا القسم كما يوضح لفظها، ويمكن توضيحها ببساطة من خلال اتصال السيد المسؤول أو طويل العمر بشكل مباشر لمسؤول الانتاج ليعرب عن عدم رضاه وغضبه عن محتوى محدد. هذا النوع من الرقابة كان الأكثر شيوعاً وانتشاراً في بدايات ظهور التلفزيونات العربية الوطنية، وأيضاً في خضم ثورة القنوات الفضائية في بداية التسعينات من القرن المنصرم، إضافة لتواجده قبل ذلك في نطاق الصحف المطبوعة. بالرغم من أن التقدم التكنولوجي والرقمي قد استحدث آليات جديدة للرقابة، ولكن تبقى هذه الوسيلة على مايبدو فاعلة حتى اللحظة بل وربما ومفضلة لبعض صناع القرار.

مثال آخر على الرقابة الصلبة هو ما حصل في يوم 27 يناير 1999م عندما قامت الحكومة الجزائرية بقطع الكهرباء عن أجزاء واسعة من العاصمة الجزائر، حتى تمنع مواطنيها من مشاهدة البرنامج المباشر: الاتجاه المعاكس على قناة الجزيرة والذي كان يكيل الانتقادات الواسعة للحكومة الجزائرية كما يبين ميسل و شوب.

الإيقاف،الاختطاف، التعذيب، السجن والإهانة المعنوية بل وحتى القتل هي نماذج أخرى تندرج تحت ضمن الرقابة الصلبة والأمثلة على ذلك أكثر من أن تعد أو تحصى من المحيط إلى الخليج.

مانتج عن هذا السلوك هو عدة تداعيات أثرت على الإعلام المحلي مثل: غياب الشفافية، ونشوء صحافة أو إعلام محلي يجامل المسؤول، ويطلب رضاه على حساب تقديم حقائق صادقة للشعب.

هذا السلوك العدواني من بعض الأنظمة العربية، خلق حالة من عدم الاستقرار والخوف لدى الصحفيين تمخضت عنه حالة جديدة تندرج ضمن الصنف الثاني، وهي الرقابة الذاتية (Self-censorship)

ثانياً: الرقابة الناعمة:

ويعد من أبرز تجلياتها الرقابة الذاتية (self-censorship)، حيث يصبح لرئيس التحرير، أو مدير القناة دوراً إضافياً يطلق عليه: حامي البوابة (gatekeeper)، وفي بعض الأحيان تكون الحدود والقيود المستحدثة داخلياً أو محلياً أكثر قساوة من قيود وزارة الإعلام نفسها. ومن أبرز الأمثلة على ذلك مايطلق عليه في بعض الأحيان ميثاق شرف المهنة الإعلامي، أو أخلاقيات الإعلام والتي ينظمها أصحاب المؤسسات الإعلامية أنفسهم ليتأكدوا من عدم تجاوزهم للخطوط المرسومة.

يبدو أن المسؤول العربي بشكل عام أصبح أكثر طمأنينة من ذي قبل وذلك بسبب مبدأ الرقابة الذاتية، وأيضاً لأن غالب المتواجدين في الأماكن القيادية الإعلامية يتم اختيارهم عادة برضى أو توصية من المسؤول السياسي.

من الاستراتيجيات الأخرى للرقابة الناعمة والتي ذكرت في المقدمة هي محاولة النظام السياسي أن يكون استباقياً ويمنع وصول معلومات محددة ابتداءاً للعامة، ولكن في عصر العالم الرقمي؛ فإن تسريب المعلومات أمر وارد، وبالتالي هناك العديد من الاستراتيجيات لمواجهة التسريب والتي من أبرزها التسريب المضاد الموجه لخلق تشويش واضطراب لدى المتلقي.

أحد المنهجيات الأخرى لحصار المعلومات وإعمال مقص الرقيب هي منهجية التحكم في إصدار الترخيص الإعلامي، (Licensing) حيث يمنح النظام السياسي العربي التصاريح اللازمة لبعض المؤسسات الإعلامية والتي هي فقط تحت جناح الطاعة، ولا يغلب على الظن أنهم قد يتسببون بأي إزعاج للمتربعين على هرم السلطة.

ومن النماذج الأخرى استخدام المال أو شركات الدعايات والإعلان لمحاولة التأثير على المحتوى الإعلامي في بعض القنوات الخارجة عن السيطرة، والدفع لاتجاهات معينة، أو منع الحديث عن قضايا محددة، في محاولة للحد من تسليط الضوء على قضايا بعينها وخلافه.

لئن كانت بعض هذا الاستراتيجيات قد آتت أُكلها ونجحت في الحفاظ على الوضع القائم (Status quo) إلا أن الحكومات العربية قد اصطدمت بواقع عسير للغاية. فبعض الحكومات العربية والتي تتميز أنظمتها السياسية بتشديد القبضة الأمنية كانت مندفعة باستثمارات سخية في البنى التحتية لقطاع الاتصالات، والانترنت لأجل عوائده الاقتصادية المبشرة على الاقتصاد المحلي، ولكن هذه الليبرالية الاقتصادية الممتزجة مع الديكتاتورية السياسية خلقت نموذجاً غير مألوف ومعقد في العالم العربي كانت أولى ثماره أن تم كسر احتكار المؤسسات الإعلامية لتدفق المعلومات من قبل المواطنين البسطاء، وخرج جيل آخر من أصحاب المنتديات، ومروراً بالتدوين، وحتى شبكات وسائل التواصل الاجتماعي ليتحدى هيمنة التحكم في المعلومات، ويخلق واقعاً جديداً مثيراً للريبة والقلق من وجهة نظر المسؤول العربي.

لكن ردة فعل النظام العربي كانت الدفع تجاه اللعبة التي يتقنها، فشهدت المنطقة العربية حالات واسعة لاعتقال مدونين أو كتاب، وحجب لصفحات الانترنت وهجوم أو تشهير إعلامي من قبل (الجيوش الالكترونية).

تذكر بعض الدراسات أنه كلما انخفضت نسبة الرقابة الإعلامية كلما ارتفعت نسبة انسجام وتماسك المجتمع، ولكن بطبيعة الحال فإن الوصول لهذه المرحلة بحاجة لعدة خطوات استباقية وتمهيدية لإحداث هذه النقلة.

تعليق واحد

  1. بحث مهم وشيق يدل على وعي الكاتب بتأثير الرقابة في مضمون العمل الصحفي. هناك محور هام كان ينبغي للكاتب تناوله وهو دور الرقابة غير المباشرة في صناعة القرار لدى الصحفيين خاصة اثناء الحروب.. فالأسلوب الذي انتهجته الدول العظمى في السماح للصحفيين بمرافقة الجيوش لساحة المعركة كان له إرث طويل من العلاقات غير المتكافئة ما ببن الاعلام والمؤسسة العسكرية والتي طالما مالت الكفة لصالح الجيش لامتلاكه لمصدر المعلومة وبالتالي فرضه رقابة مباشرة وغير مباشرة على المضمون الصحفي وكذلك على اداء الصحفي التغطيات الإخبارية التي تتطلب معلومات على مدار الساعة. فالرقابة كانت حاضرة في اغلب الحروب وان كانت ضمنية كما حدث في حرب العراق. كما ان الجانب الرقابي له علاقة ايضا بقضية من يصنع الاجندة الإعلامية والسياسية ومن يؤثر في الاخر وكيف يتم تأطير القصص الإخبارية بما يتماشى مع مصالح الدولة والدعاية بمختلف أنواعها.

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *