تحولات التعليم في قطر والحادي عشر من سبتمبر: العلاقة الملتبسة

عبدالرحمن المري

كاتب المقالة

عبدالرحمن المري

أعجبتني لا تتحرك إزالة الإعجاب
 
9

ولّد حدث الحادي عشر من سبتمبر لدى دول مجلس التعاون الخليجي عدداً من الاستجابات إزاء رد فعل الولايات المتحدة الأمريكية الذي يمكن تحديده في الشعار العريض: “الحرب على الإرهاب”. شملت هذه الحربُ الاشتغالَ على مجالات مختلفة، تفاوتت أهميتها عند واشنطن، ولكن مثّل مجموع هذه المجالات النسيج الواسع لسياسات العمل الأمريكي، فالأحداث المفاجئة حينها طرحت على الأمريكان السؤال الصارخ الذي لا يحتمل التأخير: ما العمل؟ ليُجابْ عن السؤال، بدءًا بالمجال العسكري عبر استعمال القوة الصلبة ضد الجهاديين، مرورًا بالأمني من خلال تشديد الرقابة على النظم المعلوماتية في البنوك التي قد تُستخدم لأغراض تضر بأمن أمريكا، والسياسي عن طريق الدفع نحو دمقرطة النظم السياسية المسلمة إيمانًا بقدرة الديمقراطية في الحد من التطرف، وصولًا إلى المجال التعليمي والسياساتي، والمقصود بالسياساتي هو السياسة العامة التي تضعها الحكومات على شكل مشاريع واستراتيجيات، تقوم الأجهزة والمؤسسات بتنفيذها. 

أحدثت التفجيرات صدعًا في أواصر العلاقة بين أمريكا والدول العربية والمسلمة. وُضِعَ الإسلام والمسلمين في معرض الاتهام، وفُتِحَ المجال على مصراعيه لمساءلة المرجعية الثقافية وإصلاح وسائطها التعليمية.

من هنا تأتي أهمية هذا المقال في تتبعه لمدى تأثير حدث ١١/٩ على تحولات المنظومة التعليمية في قطر، واستقصاء آثاره على السياسات التعليمية. ولأنه يتحرى رسم المساق الزماني لتطور سياسات التعليم في قطر ومدى ارتباطها بردود فعل الحدث من عدمه، فإنه ومن منطلق مركزية العامل السياسي ببُعديه الأمني والعسكري، سيقدم -ابتداءً- قراءة سياقية للتحولات السياسية في الخليج عامّةً وفي قطر على وجه التحديد، مرورًا بأبعادها، وصولًا إلى انعكاساتها على سياسات التحديث التي تناولت قطاعات عدة كانت المنظومة التعليمية إحدى أهم حلقاتها. ويجادل المقال على أن هذه السياسة التعليمية المستحدثة لم تكن صدى تفاعليًّا مباشرًا لوطأة التفجيرات، بقدر ما هي تمثيلٌ لقناعات استراتيجية، تشكلت في ظروف معقدة تعود إلى منتصف التسعينات، ساهم الحادي عشر من سبتمبر في تسريعها، مع قدر مضاعف من التوجيه السياسي أُسْقِطَ عليها.

السياق السياسي

أودى قيامُ اقتصاد النفط بمرحلة عاصفة، عاشتها أمة الخليج والجزيرة العربية قرونًا طويلة؛ واستطاع بقيامه أن يؤسس نظامًا حُكميًّا صارمًا لم يوجد مثله في ماضي المنطقة. فنَهَضَتْ من ثمَّ على أنقاض البنية الإقليمية المتحركة، بنيةٌ إقليمية ساكنة، تشكّلها كيانات سياسية، بين بعضها البعض خلافات تاريخية حول الحدود والسيادة والطاقة. ولأن الفاعل الخارجي كان رئيسيًّا في تشكيل أصول الحقبة الجديدة، وركناً من أركان قيام هذه البنية وثباتها، بات حضوره الدائم أصلًا في المعادلة. 

بعد ما يقارب قرناً ونصف، وهي المرحلة الممتدة بين ١٨٢٠-١٩٧١م، انحسر الوجود البريطاني الإداري المباشر في الخليج، وذلك عقب استقلال قطر وعمان والإمارات والبحرين. ساهمت الأجواء السياسية الملتهبة في المنطقة العربية خلال السبعينات في تقريب الكتلة الخليجية -إلى حد كبير- إزاء تحدياتها الخارجية بما في ذلك الأزمات المتفاقمة بين الدول العربية المحيطة. كما مثّل هذا العقد بداية جديدة لنمط من العلاقات البينية بين إمارات الخليج، يقوم على طي صفحات الاحتقان التاريخي وتكريس أكبر قدر ممكن من التوافقات، تعزيزًا للمنظومة الأمنية المشتركة. ولمّا قرعت الثورة الإيرانية ١٩٧٨-١٩٧٩ أجراس الخطر على منظومة الخليج، واندلعت حرب الخليج الأولى ١٩٨٠ بين نظامي صدام والخميني، اتجهت العلاقة بين الإمارات الخليجية إلى الالتحام بشكل أكبر. وفي ضوء تبدّل النظام في إيران من صديق لأمريكا إلى معادٍ لها، وبتأثير من سباق الحرب الباردة، ووجود تواءم بين موسكو وبغداد، وبناءً على الحضور الأمريكي في القطاع الصناعي والبترولي في الخليج الذي اُعتبر -تاريخيًّا- منطقة نفوذ استعماري، انتهزت واشنطنُ من حمايةِ إرثه مُسوِّغًا لها، فقررت اقتحام المشهد بقوة عبر الخطاب الشهير الذي أعلن من خلاله الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر في يونيو ١٩٨٠ أن الخليج العربي أصبح مجالًا رئيسيًّا للمصالح الأمريكية، ليجيء بعدئذٍ تأسيس مجلس التعاون الخليجي في هذا السياق المحتدم.

بمقدار ما ضيّق صراع الثمانينات العراقي الإيراني خناقه على الخليج، فإنه قد خلق اصطفافًا أمنيًّا، يتركّب من ضرورة كبح أهداف العقيدة الخمينية الهادمة لاستقرار أنظمتها السياسية، والتعاطي مع البُعد الطائفي الذي تولّد جرّاء الحرب بخطابٍ مضاد على نفس الوتيرة، ومجابهة ما بدا في جانب من جوانبه أنه نزعة قومية مضادة. رسّخ جماعُ العواملِ الآنفة نسيجَ الموقف الخليجي الموحّد حتى تصدع بغزو العراق للكويت أغسطس ١٩٩٠. فكان لانكشاف حدود قدرات السعودية أمام إمارات الخليج إثر الغزو، وإنقاذ أمريكا للكويت، دورًا كبيرًا في اهتزاز ثقة الإمارات الخليجية -خاصة قطر- بالرياض، ومن ثم اتجاهها نحو بناء تحالفات استراتيجية مع واشنطن التي أحكمت قبضتها على المنطقة.

مهّد هذا الانعطاف الحاد في مسار توزيع القوى الإقليمية إلى إعادة رسم قواعد الصراع في الخليج والجزيرة العربية، ودفع بشكل متسارعٍ نحو تحوّلٍ خليجي-خليجي لا يمكن فهم التوجهات السياسية الخليجية في العقدين الأخيرين إلا من خلال الوقوف على حيثياته، وهو التحول المرتبط بحدث تولي الأمير الوالد حمد بن خليفة آل ثاني مقاليد الحكم في يونيو ١٩٩٥، وبحدث محاولة الانقلاب عليه وإرجاع والده الراحل الشيخ خليفة بن حمد إلى السلطة في عملية شاركت في تنفيذها السعودية والإمارات والبحرين ومصر فبراير ١٩٩٦. فشلت المحاولة لأسباب عدة، كان من أهمها التدخل الأمريكي الحاسم، الذي كان جزءًا من تسوية ضغطت بها واشنطن على الدوحة، واستجابت لها القيادة الجديدة بشكل عاجل في موقفٍ يتراوح بين الإكراه الناجم عن انتفاء حلول أخرى، والقناعة بأهمية تأسيس مشاريع متمركزة حول زيادة نطاق العلاقة مع الأمريكية، وذلك لجدواها أمنيًّا وسياسيًّا على مستقبلها، فكان إحدى ركائز هذه المشاريع هو تحديث النظام التعليمي.

الحالة التعليمية في قطر بين ١٩٧٢-١٩٩٥

يبدو من الصعب تأطير الفضاءات الثقافية التي مر بها التعليم في قطر، ولكن الحالة التعليمية ومن باب التقريب شهدت ثلاث مناخات مختلفة: الأول العروبي، السائد حتى نهاية السبعينات. الثاني التديّني المرتبط بصعود الصحوة الإسلامية بداية الثمانينات. والثالث الحداثي المنفتح على ثقافة اللغة الإنجليزية وتعلّمها، مع مطلع القرن الجديد.  وقد استطاع كل مناخٍ منها أثناء انتعاشه تسيُّد المشهد، فَغَمَرَ شتّى الخطابات الأخرى التي كانت حاضرة في المجتمع بنسَبة أقل ومستوى أدنى.

ثم إن الشروط الداخلية المتعلقة بصعود كل مناخ وانحساره قد تباينت بتباين: تصورات النخبة الفاعلة، واستجابات المثقفين للخطاب الثقافي العربي الصاعد، ومؤثرات الحالة الإقليمية، من مرحلة لأخرى.

شُدَّت السياسة التعليمية في قطر إلى ثلاث متطلّبات متصلة ببعضها البعض من قبيل: تأهيل السكان بما يلبي احتياجات العمل الحكومي، وتشكيل وعي جمعي يتطابق مع منظور القيادة الحاكمة، وابتكار هُويّة مُمايِزة عن الإمارات الخليجية المجاورة. ولكن ثمة عوامل قبل ذلك، توجّه هذه السياسة إلى مساراتها القائمة، وهي عوامل متعالية بطبيعتها، وإكراهية بمنطقها. نوجز منها أربعًا وهي أولا، حجم الكيان السياسي وموقعه في جغرافيا البِنية. ثانياً، تموضعه الإقليمي عبر انضواءاته السياسية وطبيعة تلك الانضواءات. ثالثاً، الإملاءات الأمنية والموجهات الاستراتيجية ومدى قدرته -ونوع هذه القدرة- على الفعل أو التحرر. رابعاً، وأكثرها أهمية وجود رؤية سياسية استقلالية تتضمّن استيعاب القيادة الحاكمة لإمكاناتها وتحديد أهدافها بوضوح واستيعاب شروط التنفيذ والقدرة على احتواء الإفرازات المحتمَلة.

قياسًا على العوامل السابقة، نجد أن قطر السبعينات، إمارة يافعة تُقيم شؤونها بذاتها، تتلمّس مسارات النهوض، وتعيش في نسق تاريخي يجعلها تنحاز للكتلة الخليجية فالعربية، نسقٍ لم تتوافر فيه بعد من المعطيات أو الشروط -الأمنية- التي تدفع إلى غير هذا الاتجاه. 

تأسّس التعليم النظامي في قطر مطلع الخمسينات الميلادية من القرن المنصرم. مثّلَ العقدان الممتدان بين تأسيسه واستقلال الإمارة في سبتمبر ١٩٧١م المرحلةَ التي دُشّنت فيها معالم الاجتماع القطري السياسي بتنوعاته المعاصرة، أي المدة التي توافد فيها القطريون وغيرهم على مدينة الدوحة -من مناطق عدة- طلبًا للاستقرار المعيشي. تطوّر النظام التعليمي بتطور المؤسسات والأجهزة الحكومية، وبتزايد مداخيل النفط. وتمدّدَ بتنامي حجم السكان وبتعاظم الحاجة إلى مشاريع التحديث الحيوية. اقتصر التعليم منذ نشأته على المراحل المدرسية المختلفة حتى عام ١٩٧٣م، حيث تأسست كليتيّ التربية والتعليم، رغم أن افتتاح جامعة قطر، المؤسسة الجامعية الوطنية، لم يتم بشكل رسمي إلا عام ١٩٧٧م.

عاشت قطر من الناحية السياسية بين الخمسينات والثمانينات في التحام مع خارطة الوحدة العربية وعيًا وروحًا، انعكس ذلك التصور العام على الحياة اليومية، وطُبِعَت هذه الروح في رؤيتها التعليمية. إذ برزت وقتذاك حالة من الانهمام بالعمق العربي والإسلامي وَسمَت ذهنية الشعوب في إمارات الخليج وعلى رأسها قطر، ونَظمَت خيوط نظرها إلى ذاتها والقضايا والمبادئ من حولها، وتكثّفت في المناهج المدرسية حدوداً معرفية لهذه الذهنية، في وقت كان الانسجام هو السائد بين اعتبارات السلطة وانتماءات الشعب. وقد لعب المهاجرون العرب من فلسطين ومصر والشام والعراق دورًا بارزًا في تحفيز هذه الرؤية العابرة للفئات والمجالات والانتماءات المتعددة. في الثمانينات، قاد منعطف الأحداث المتمثلة في الثورة الإيرانية واقتحام الحرم وحرب الخليج الأولى وغزو السوفييت لأفغانستان، نحو الصعود الكاسح لخطاب الصحوة الإسلامية الذي غمر بدوره المجال العام في الخليج، فألقى بتأثيره على الداخل القطري، حيث لم تجد الحكومة بُدًّا من التماهي معه، بدلًا من التحكم في تدفقاته أو توجيهها أو تقنينها على سبيل المثال، لتدخل البلاد عقدًا إسلاميّ النزعة، انعكست ظلاله على الممارسة التعليمية، بعد أن اتسمت العقود المنصرمة بطابعٍ عروبيٍ يغلب على قناعات النخبة السياسية-الاجتماعية وتفضيلاتها. 

لقد سيطر الجمود المؤسسي على مناخ الثمانينات، في المنظومة التعليمية وغيرها. ولكنه بدأ يتحلحل بشكل بطيء مطلع التسعينات، بدافع من النمو البيروقراطي والتوسع السكاني. ففي أكتوبر ١٩٩٠م عقدت وزارة التربية والتعليم اتفاقية مع مكتب اليونسكو الإقليمي للتربية في الدول العربية من أجل تقويم حال التعليم واقتراح برنامجٍ لإصلاحه، وقدّم المكتب تقريرًا مطوّلًا شخّص فيه مشكلات التعليم واقترح حلولًا لها. وبالرغم من التفاعل الذي أبدته الجهات المسؤولة تجاه توصيات التقرير إلا أن واقع عملية الإصلاح الأولى قد سلك مسارًا مناقضًا كما يقول د. عبدالله جمعة الكبيسي رئيس جامعة قطر السابق: “فلم تؤخذ نتائج تقرير فريق اليونسكو مأخذ الجد، ولم تؤمّن لها الإمكانات المادية والبشرية. بل حدث عكس ذلك تمامًا. إذ [قُلّصت] مرتبات وعلاوات المعلمين غير القطريين، وجُمّدت مشاريع المباني المدرسية، وخُفّضت بنود الصيانة المدرسية والأجهزة العلمية والمعملية إلى حدودها الدنيا”.

إصلاح التعليم بعد ١٩٩٥ 

تفيد المحاولة الآنفة لتطوير التعليم بتعاظم الانطباع العام حول ضرورة تجديد آليات العمل الحكومي وتحسين كفاءتها. إلا أن ذلك لم يتحقق في عهد الأمير الأب خليفة بن حمد، الذي اعتمد نهجه السياسي على مسايرة ما هو سائد في الفضاء الخليجي. إنّما بدأت تبرز إرهاصاته مع تزايد حضور الأمير الوالد حمد بن خليفة -ولي العهد بين ١٩٧٧-١٩٩٥- في عملية صنع القرار، وقد عُرف بنزوعه الاستقلالي في تصور ما ينبغي أن تكون عليه سياسات الإمارة، وهو نزوع مُفارِق لتوجهات بعض إمارات مجلس التعاون الخليجي، ومُصادِم لها في بعض الأحيان. ثم جاء حدث ارتقائه سُدّة الحكم في ٢٨ يونيو ١٩٩٥ ليمهّد القطيعة بين عهدين، ويبْسَطَ المجال لتحوّلٍ مؤسساتي حقيقي، قدّم نفسه في صيغة نهضوية، تقف إزاء تطلّعات شعبية واسعة.

تُنوزِعَ الحدث في جدليّة شادّة ورادّة، ووصف حينها بالانقلاب والانقلاب الأبيض. ورغم ذلك، لا إفراط في القول إنه يقترب من أن يكون حركة تجديدية ثانية، على غرار الحركة التجديدية الأولى التي قام بها الأمير الأب في فبراير ١٩٧٢.

في أغسطس ١٩٩٥ أصدر الأمير الوالد وثيقة إنشاء مؤسسة قطر العلمية التي عبّرت عن رغبة منه “في دعم النهضة العلمية، وإتاحة سبل العلم والمعرفة” للمواطنين كافة. في ١٩٩٦، شكّل الأمير الوالد لجنةً كُلّفت بمهمة تطوير نظام التعليم ومعالجة إشكالاته. تكوّنت اللجنة من تسعة أعضاء داخل قطر، إضافة إلى استعانتها بفريق من المختصين بلغ عدده سبعين باحثًا. رَصَدَ التقرير جملة من مفاصل المشكلة التعليمية، إلا إن رؤيته لم تكن شاملة، كما افتقرت إلى برامج دقيقة تتعلق بالميزانية المطلوبة، فآلت محاولة الإصلاح الثانية إلى الإخفاق، رغم أنه خرج من جلباب اللجنة بعدئذ وزيرًا جديدًا للتعليم، ووكيلًا للوزارة، ومساعدان لوكيل الوزارة.

في ١٩٩٧ استعان المجلس الأعلى للتخطيط القطري ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فأجرى الأخير بحثًا موسّعًا لقطاع التنمية البشرية وفي مقدمته التعليم. وتزامنًا مع ما سبق، صدرت دراسة أخرى وضعت نصب عينيها تفكيك المشكلات البنيوية التي يعاني منها النظام التعليمي مثل ضعف المناهج، قصور الكفاءات، نقص المدارس وطغيان الطابع الإجرائي، وهي على هذا الوجه لم تكن تختلف عن نتائج محاولات الإصلاح السابقة. وفي فبراير من ذات العام، دعا المكتب الإقليمي لليونسكو في قطر فريق من المختصين -من خارج قطر- حيث قام بجولات ميدانية، وعقد مقابلات شخصية، ثم توّج عمله بدراسة خرجت في خمس مجلدات باللغة الإنجليزية، لتكون هذه هي المحاولة الثالثة.

تكشف لنا المحاولتين الإصلاحيتين السابقتين عن وجود إرادة واضحة لدى القيادة الحاكمة في تغيير روح المنظومة التعليمية. وبالرغم من تعدد الأسباب التي حالت دون ترجمة هذه الإرادة على أرض الواقع، إلا أن هنالك ما يفيد تردد القيادة حيالها، واستبطانها أفكارًا محددة تتعلق بمضمون التغيير المنشود، وهو استبطان لم ينفك عن ارتقاب ظروف وقتية ما، لم تكن متوافرة بعدُ في تلك اللحظة.

ما قبل الحادي عشر من سبتمبر: دلالات تأسيسية

لا ريب أن لأحداث الحادي عشر من سبتمبر أثر كأثر قدح الزند. برزت بعد وقوعها أنساق سياسية بطابعٍ أمني، بَصَمَتْ محدّداتها على صياغة القرار لدى الأنظمة السياسية العربية وتنفيذه بنحوٍ لا يخلو من شدّة. فضلًا عن التموضعات الجيوسياسية الجديدة التي دُفِعَت دفعًا. وأجدر ما ينبغي أن تكون له الإشارة هو أن ثمة استجابة عربية وخليجية متشابهة للمسار الجديد الناجم عن الأحداث، ولكنّها -وهنا الشاهد- جاءت في أنماط متعددة. لم تقتصر الأحداث على إفراز جملة من الرؤى السياساتية، فجاءة من العدم، بل إنّها كما أنتجت مخيالًا عربيًّا -على صعيد الأنظمة- يهجس بالخوف والطمع والرجاء تجاه ما وقع، فإنّها أسهمت في بلورة مخاضٍ من القناعات السياسية التي ظلّت قبل ذلك تختمر في أذهان بعض القيادات الفاعلة في بلدانها العربية.

في حالة قطر، فإن انهجاسها -بصفتها إمارة صغيرة من حيث المساحة والقوى السكانية- بانعطافات الصراع في الإقليم، ووجودها بين قطبين متنازعين بما هو معضلة جغرافية، إلى جانب توتر العلاقة بينها وجاراتها ولاسيّما في مسألة الحدود، ونزوعها إلى الاستغناء عن نظام العلاقات الذي يضعها في موقع التبعية الإقليمية، واستقرائها لدلالات النفوذ الأمريكي على مستقبل المنطقة، كل ذلك، جعلها تخوض رهانًا جديدًا يُخرجها من حالة عدم الفعل التي تكبلها، وتنخرط في تدافعٍ مطبوعٍ بتحرّزاتٍ أمنية أكثر من أي شيء آخر. ومن منطلق التحرّز الذي بدا أنه غايةٌ لا سبيل إلّا إليها، تبدّت العلاقة التبادلية مع واشنطن مساراً أوحداً. عُرفت هذه العلاقة بنمطها التحالفي ابتداءً مع اتفاقية التعاون الدفاعي في ١٩٩٢، ثم بدأت تتوطّد مع اتفاقية قاعدة العديد الجوية التي وُضعت أولى لبناتها في ١٩٩٦م، واقتصَرَتْ طوال التسعينات على الجانب العسكري والأمني، فلم تندرج السياسات التعليمية ضمن إطارها.

محاولة الإصلاح الرابعة ٢٠٠١:  

  • المدارس المستقلة

بدخول الألفية الجديدة، اُستهلّت مسيرة التعاون بين الحكومة ومعهد راند للسياسات، وقادت المشاورات إلى التعاقد مع المعهد لتنفيذ عملية الإصلاح الرابعة لمنظومة التعليم. ومع وجود صعوبة في تحديد مختلف ملابسات الاستعانة بمعهد راند على نحو يحيط بشتّى ظروفها وعواملها، يمكن القول إنها تمثل طوراً من أطوار التحالف القطري الأمريكي المشدود أصالةً إلى الأمننة الإقليمية واستتباعاتها، وهي تأتي في سياق مد نطاق العلاقة إلى مجالات أخرى.

بعد إجراء كشف لبنية النظام التعليمي وضعت راند خطة ضمّت ثلاث حلول إصلاحية مختلفة، قدّم الحل الأول مسار إصلاح التعليم من خلال تطوير وزارة التربية والتعليم، ولكنه كان أقرب إلى الخيار الشكلي الذي اُستبعِد -بسبب انتفاء الحد الأدنى من كفاءة الوزارة في نظر راند- لصالح حلّين آخرين وهما تأسيس نظام المدارس التعاقدية Charter schools أو ما عُرف لاحقًا بالمدارس المستقلة؛ بينما طرح الحل الثالث مقترح نظام الكوبون Voucher school الذي يقوم على فكرة تقديم إيصالات محددة، تمنح أولياء الأمور حرية تسجيل أبنائهم/بناتهم في أي من المدارس الخاصة التي يفضلونها، في عملية أشبه ما تكون بخصخصة التعليم. 

في نهاية هذا المطاف، اتفق الرأي على اعتماد نظام المدارس المستقلة، وبوشر العمل بعدئذٍ بتنفيذه، إذ صدر في نوفمبر ٢٠٠٢ مرسوم بقانون إنشاء المجلس الأعلى للتعليم، باعتباره السلطة العليا المسؤولة عن صناعة السياسة التعليمية في الدولة، وتكوّن المجلس من ثلاث هيئات، اختصّت أولاها بشؤون التعليم، وعُنيت الثانية بشؤون التقويم، وتمحور اختصاص الثالثة حول التعليم العالي والبعثات. في أبريل ٢٠٠٣، اُفتِتَح الفرع الرسميّ لمعهد راند في مؤسسة قطر، وقد وردت ضمن ديباجة أهدافه عبارات من قبيل التخطيط الاستراتيجي، إتقان المشاريع، تحليل البرامج، وحساب التكاليف والفوائد، أو ما يشير إلى الدور المنوط بالمعهد في رسم بعض السياسات الحكومية.

قُدِّمَ نظام المدارس المستقلة تحت شعار (تعليم لمرحلة جديدة)، ترفده أربعة مبادئ عامة، شكّلت قوامَه التنظيمي، وهي: الاستقلالية أي حرية كل مدرسة في صوغ وإدارة رؤيتها التعليمية. المحاسبية وتعني خضوع المدارس لمراقبة ومحاسبة هيئة التعليم. التنوع الخاص بتعدد المناهج واختلافها من مدرسة إلى أخرى. الاختيار المتعلق بحق اختيار أولياء الأمور مدارسَ أبنائهم.

افتتحت المدارس المستقلة لأول مرة في العام الأكاديمي ٢٠٠٤/٢٠٠٥ بواقع ١٩ مدرسة، وقفز عددها في العام الذي يليه إلى ٤٨ مدرسة. أما القانون الخاص بتنظيم المدارس المستقلة فقد صدر في مايو ٢٠٠٦، حيث أوكل القانونُ المدارسَ تنظيم شؤونها المالية والإدارية باستقلال تام، ووضع المنهج الدراسي الخاص بها، لتصبح إدارة المدرسة مسؤولةً عن إجراءاتها وسياساتها، ويتحدد تمويلها وفقًا لعدد طاقم المدرسة. مع حلول العام الأكاديمي ٢٠١١/٢٠١٢ حُوّلت جميع المدارس الحكومية إلى مدارس مستقلة وفق الإحصائية  المنشورة من قبل وزارة التخطيط التنموي والإحصاء. وبلغ عددها ٢٤٦ مدرسة موزعة في جميع المراحل التعليمية.

لم يخلُ مشروع المدارس المستقلة من الجدل الشعبي الذي تفاقم نتيجة إشكالات عديدة، بعضها متعلّق باعتماد تدريس أغلب المواد باللغة الإنجليزية، وبعضها الآخر متولّد من رسوب العديد من التلاميذ الذين لم يتأقلموا مع هذا النوع من الأنظمة التعليمية، إذ انخرطوا فيها دون سابق إعداد أو تجربة. وانقسمت الآراء إلى شريحة وجدت في هذا المشروع فرصة للحاق بركب النظم المتقدمة مع إدخال بعض الإصلاحات عليه، وفئة واسعة لم تبدِ الرضا تجاه النتائج المباشرة لهذا المشروع، بل رأى الغالب منها أن مناهج المدارس المستقلة تقود بطريقة أو بأخرى إلى تغريب الأجيال الصاعدة، ومسّ ثوابت المجتمع، سيّما وأن الشعب لم يُستفتَ في التحول الجذري الذي طرأ على منظومته التعليمية، بل وجد نفسه مجبرًا على خوض المغامرة.

  • جامعة قطر

في أكتوبر ٢٠٠٣، اُستعين بمعهد راند مرة أخرى، لوضع خطة إصلاح شامل لهيكل الجامعة ووظائفها وأهدافها، استمر العمل على إكمالها حتى يناير ٢٠٠٧، وكان من أهم المحاور العديدة التي حُدّثت في الجامعة، إقحام اللغة الإنجليزية في معظم التخصصات التي تُدرّس في الجامعة، بجانب عملية موسعة استهدفت إلغاء ودمج بعض الكليات، واستحداث برامج وأقسام مختلفة، مثل إنشاء قسم الشؤون الدولية الذي يطرح مقررات في العلوم السياسية، والعلاقات الدولية، والدبلوماسية.

  • المدينة التعليمية

أُنشئت مؤسسة قطر العلمية -غير الربحية- عام ١٩٩٥ بقرار أميري. وبعد عام، عُدَّل اسمها إلى مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع. ثم أصبحت منذ يناير ٢٠٠٧ مؤسسة خاصة ذات نفع عام، مستقلة بيروقراطيًّا، وتُموَّلُ من ميزانية الدولة. أما المدينة التعليمية فأُسّست في أكتوبر ٢٠٠٣، وجرى خلال السنوات السبع التالية على تأسيسها، افتتاح -واكتمال الشراكة مع- ست جامعات أمريكية، كجورج تاون للشؤون الدولية، نورث ويسترن للصحافة والإعلام، ويل كورنيل للطب (أُنشأت ٢٠٠١)، كارنيجي ميلون لإدارة الأعمال وعلوم الحاسوب، فيرجينيا كومنويلث للتصميم والفنون (افتتح أول فرع لها في ١٩٩٨م)، تكساس أيه أند أم للهندسة إضافةً إلى تأسيس جامعة حمد بن خليفة.

مُدّ نطاق مؤسسة قطر ليشمل قرابة ٥٠ كيانًا في مجالات التعليم والبحوث وتنمية المجتمع حتى وقت كتابة هذه السطور.

رُوّج للمدينة التعليمية بادئ الأمر، من حيث إتيانِها بالجامعات المرموقة إلى قطر، فلم يعد من الضروري إذن إرسال التلاميذ القطريين إلى الجامعات الغربية لتحصيل الشهادات. في المقابل، لم يقع ثمة تسليم مطلق بهذا القول، إنّما تفاوت التوجه العام بين الترحيب الواقع تحت تأثير الأضواء التي نسجت حول المشروع، وبين التوجّس من إحلال المؤسسات العلمية الأمريكية بهذا الزخم، وتمويلها بعشرات المليارات. يمكن الإشارة إلى أن التوجه الأخير كان هو الغالب. وبسبب غياب الصحافة المستقلة، وقلة وجود الجمعيات المدنية وضعف أدوارها، والقصور الشديد في التوثيق الحر، ومحدودية شيوع المنصات الإلكترونية، يعسر أن نسرد شواهد هذا الرأي بشكل واضح، ولكن نستطيع تلمُّسَ غيضًا من فيض النقاشات -التي لم تؤرخ إلا لمامًا- عبر الصفحةالموجودة في منتديات شبكة الأسهم القطرية.

في عام ٢٠١٨ نشرت الأكاديمية الأمريكية نيها فيرو تجربتها التدريسية في المدينة التعليمية، حيث درّست مقرر الأنثروبولوجيا لعدة أعوام سابقة في جامعة تكساس أيه اند أم، وشغل ذهنها سؤالٌ رئيسي مفاده ما الذي يمكن أن يحصل عندما نقوم بإسقاط فضاء ليبرالي على محيط محافظ؟ وقد بسطت الحديث حول التناقضات الأيدولوجية التي أفرزتها المدينة التعليمية في المجتمع، والرؤى الاستشراقية الصلبة التي أثارت حنق الكثير من التلاميذ القطريين/ات.

خاتمة

إن بروز الحاجة إلى تطوير النظام التعليمي مع محاولة الإصلاح الأولى مطلع التسعينات، في وقتٍ سبق لحظةَ انبساط الهيمنة الأمريكية في الخليج العربي، وجلاء الرغبة الحكومية في وضع سياسات تعليم جديدة عبر محاولتي الإصلاح المتتابعتين في ١٩٩٦ و٩٧م، يؤكدان على وجود قناعة ذاتية واضحة تجاه ضرورة إصلاح منظومة التعليم، ونقلها إلى مستوى يتواكب مع عملية التحول البنيوية للقطاعات المختلفة في الدولة. فما كان من حدث الحادي عشر من سبتمبر عبر محاولة إصلاح التعليم الرابعة إلا أن سرّع هذه النقلة الجذرية في سياسات التعليم، بما هو -أي الحدث- عاملٌ مزدوج مَثَّلَ أداةَ ضغط سياسية من جهة، وباعتباره مسوّغًا أمنيًّا استوفى الشروط الزمنية لهذا التحول، من جهة أخرى. 

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.