الخصوصية السعودية… من الصحوة إلى الفاشية

سلطان العامر

كاتب المقالة

سلطان العامر

كاتب وطالب دكتوراة في العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن.

تشكل وتفشى في الفضاء العام السعودي مؤخراً تيّار جديد، يسمي نفسه بالتيّار الوطني، جمع خليطا غير متجانسٍ من الأفكار اليمينية، والفاشية، والعنصرية، والسلطوية. إن ظهور هذا الخطاب في السعودية لأمرٌ مفاجئ، لأننا نجد على امتداد التاريخ السعودي تيارات فكرية وسياسية من كافة الأطياف (إسلامية، وليبرالية، وتنويرية، وقومية، ويسارية…) إلا أن المملكة لم تعرف قبل المرحلة الحالية تياراً يمينياً فاشياً.

بسبب ظهوره المفاجئ هذا، شاع تفسير يعتبر هذا التيار مفتعلاً وغير حقيقي ويُرجِع ظهوره وانتشاره إلى أجهزة الحكومة الأمنية. إلا أن هذا التفسير غير دقيق، فولادة هذا التيار كانت سابقة على التطورات السياسية الأخيرة، فقد ولد مع ثورات الربيع العربي ولعب في تشكيله وتكوينه ما يمكن تسميتهم بـ”سماسرة الهوية”، وهم أولئك الدعاة والمنظرين والمؤثرين الذين يعيدون تشكيل تصورات وأفكار وتاريخ الناس وبالتالي هوياتهم، وهو أخيراً ليس متوافقا مع سياسات الحكومة بشكل دائم بل يحتج عليها أحياناً في جوانب مهمة.

مع حداثة هذا التيّار، إلا أنه اتكأ على عدد من المفاهيم والأفكار التي طوّرت ونحتت ورُسّخت قبل ظهوره. أحد أهم هذه المفاهيم هو مفهوم “الخصوصية” الذي له قصة مثيرة في السعودية. فخلافاً للنظرة السائدة، فإن هذا المفهوم لم تخترعه الصحوة الإسلامية في الثمانينات الميلادية، بل تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية امتداداً للخصوصية الأمريكية، وترسّخ عبر تظافر جهود كل من شركة أرامكو والحكومة السعودية وخصوم المملكة في تلك الفترة. ولما صعدت حركة الصحوة في الثمانينات، كان كل الذي فعلته أنها أعادت قولبته وتوظيفه بما يتناسق مع توجهاتها الآيديولوجية. ثم لمّا قامت الحكومة مؤخراً بالتخلّص من الصحوة وكل ما يتعلق بها،  وهي السياسة التي دعمها التيار الوطني بشدّة، نجد أنهما- أي الحكومة وهذا التيّار- يبقيان على مفهوم الخصوصية بإعادة قولبته وتوظيفه مرة أخرى.

الخصوصية السعودية قبل التيار الوطني

قبل ولادة التيار الوطني في السعودية بعشر سنوات، دار نقاش صاخب حول الخصوصية السعودية على صفحات جريدة الشرق الأوسط وغيرها من الصحف والمنتديات الإلكترونية. سياق هذا النقاش يعود لكتابات شخص اسمه سليمان النقيدان، والذي استكتبته الشرق الأوسط في السنوات الثلاث الأولى من القرن الحالي. لم يحظ سليمان بنفس الشهرة التي حظي بها أخوه الأصغر، منصور، وذلك لأن تجربته الكتابية في الصحيفة لم تستمر طويلا، إذ لم تتجاوز المقالات التي كتبها العشرين مقالة، ومع صغر حجم التجربة إلا أن مقالات سليمان كانت تندرج ضمن موجة من المقالات والكتابات المخالفة للهيمنة الصحوية المدعومة رسميا في المشهد السعودي، والتي وجهت سهام نقدها لكل ما اعتبر محظورا وتابوهاً ومقدسا في فترة ارتفاع سقف حريّة التعبير والانفتاح السياسي الذي أعقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

ومنذ مقالته الأولى المعنونة بـ”موت الديمقراطية” نحت سليمان موقعه الجديد في المشهد الثقافي السعودي وذلك بتناوله للعديد من الموضوعات الجريئة وغير المعتادة. فعندما نشر مجموعة من المشايخ والمثقفين السعوديين بيان “على أي أساس نتعايش؟” بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر رداً على بيان مثقفين أمريكيين معنون بـ”على أي أساس نقاتل؟“، كتب سليمان مقالا ينتقد فيه مجموعة من الإسلاميين المشاركين في البيان على خطابهم المتلون. وعندما أعلن القذافي انسحابه من الجامعة العربية، كتب سليمان النقيدان مقالا يعلن فيه نهاية مشروع الوحدة العربية، ومع أن كتاباته ليست متسقة ولا مترابطة ومليئة بالعبارات المرسلة والإدعاءات غير المدعّمة إلا أن جرأتها وموضوعاتها وكمية الغضب الكامن فيها جعلها تلعب دورا مهما في النقاشات والحوارات التي ضجّت فيها الصحف والمنتديات الإلكترونية السعودية في فترة الانفتاح تلك.

وكان موضوع آخر النقاشات التي أثارها سليمان النقيدان يتمحور حول مسألة الخصوصية السعودية. ففي مقالته “الخصوصية السعودية أولاً“، صبّ سليمان جام غضبه على دعوى الخصوصية السعودية. فهو مع نقده لمشاريع الوحدة القومية وللانقسامات القبلية والطائفية ومدافعته الشرسة عن الدولة الوطنية، إلا أنه في هذه المقالة اعتبر دعوى الخصوصية السعودية “سبب مشكلتنا أو قل سبب جمودنا الحضاري” وأنها “كذبة تاريخية سوداء بحجم هذا الوطن وشعبه دون وعي منا لأبعادها الكارثية وعنادها الحضاري وقهرها الاجتماعي”. وهذه المقولة التي يعتبرها سليمان “ملغومة بالأذى ومشحونة بكل ما هو كريه ومرفوض اجترحناها كمقولة متعالية وقامعة للآخر في وقت الرخاء الباذخ والخدر اللذيذ ومارسناها بغبطة متناهية وانهمكنا في تكريس هذا الهراء وعلى كافة الأصعدة وفي جميع المجالات وجعلنا منها (هولوكوستاً وطنيا قاهرا لا يمس ولا يناقش) ومعيارا حادا لفرز خلق الله وتصنيف الشعوب….”. إن ما ينتقده النقيدان هنا هو التوظيف الإسلامي لمقولة “الخصوصية السعودية” من أجل رفض الحداثة والديمقراطية والحقوق باعتبارها ثقافة غربية لا تناسب خصوصيتنا. فهو في دفاعه عن هوية وطنية منفتحة تكون أساسا لمشاريع إصلاحية وحقوقية وعلمانية، وجد هذا الاتكاء الإسلامي على مقولة الخصوصية السعودية عائقا أمام الاستفادة والتفاعل الثقافي مع تجارب الأمم الأخرى.

بعد عدّة أيام من نشر النقيدان لمقالته، كتب علي العميم، وهو أحد أهم راصدي المشهد الثقافي من الكتاب السعوديين في تلك الفترة، تعليقا بعنوان “تصوير خاطئ لـ(الخصوصية السعودية)” في نفس الصحيفة. قال العميم أن من يقرأ مقالة النقيدان سيظن على الفور أن “السعوديين كما لو كان لديهم طرح رسمي صلد وشعبوي جارف للأمة السعودية وللقومية السعودية على أساس من الفاشية الدينية والعنصرية والشوفينية البغيضة”. ثم يوضح على العميم أن هذا التصوير خاطئ، ذلك أن “السعوديون لا يتصورون أنفسهم إلا عربا ومسلمين، والآيديولوجيا المقررة رسميا، ومعتنقة شعبيا، هي أنهم جزء لا يتجزأ من الأمة العربية والأمة الإسلامية”. بعد ذلك يقرر العميم ما يعتبره “حقيقة تاريخية وموضوعية” وهي أن “السعودية في ماضيها وحاضرها القريب، على مستوياتها الآيديولوجية، لم يوجد فيها- بتاتا- تيار يميني فاشي”.

بعد أن نفى العميم وجود تيار يميني فاشي في السعودية، قدّم نظرية حول شجرة نسب مقولة “الخصوصية” في الفكر العربي وكيف تسربت للإسلاميين السعوديين. فبالنسبة له، فإن أول من وظّف مقولة الخصوصية في الفكر العربي هم اليمينيون اللبنانيون في منتصف القرن الماضي، وبعض تيارات اليسار. ومن هذين المصدرين، انتقلت المقولة للتيارات الإسلامية في الثمانينات مع “المتحولين من الفكر العلماني إلى الفكر الإسلامي”. ومن هؤلاء انتقل هذا المفهوم للمثقفين السعوديين الذين يصفهم بأنهم “صدى أمين لمحيطهم الثقافي والفكري”.

هناك سببان وراء استعراض هذا النقاش: الأول هو تبيان كيف أنه حتى عام 2003 كان هناك شبه اتفاق بين المثقفين السعوديين على أنه لم يوجد في السعودية تيار يميني فاشي. أما الثاني، فهو لتوضيح الأهمية البالغة التي مثلها مفهوم الخصوصية في تلك الفترة السابقة لولادة هذا التيار. وهذان الأمران بيّنهما بوضوح علي العميم في مقالته. لكن لابد أن نتوقف قليلا عند شجرة النسب التي قدمها العميم لمقولة الخصوصية. فهو قد أخطأ في اعتبار مقولة “الخصوصية” ولدت في الخطاب العربي في أحضان اليمين الفاشي اللبناني في الخمسينيات الميلادية. قد يكون اليمين الفاشي اللبناني هو أوّل من وظفها توظيفا فاشيا، إلا أن المقولة نفسها- وخصوصاً مقولة الخصوصية السعودية- لها شجرة نسب أخرى… أمريكية الجذور.

الجذور الأمريكية للخصوصية السعودية

لنبدأ أولاً بتحديد ما نعنيه بالخصوصية بشكل دقيق. فهي لا تعني مجرد الاختلاف، أي تلك الرؤية التي ترى بأن كل جماعة سياسية تختلف عن الأخرى. هذا الخلط بين المفهومين شائع، فهذا علي العميم يقول: ” والقول إن للسعوديين خصوصية تاريخية ثقافية هو قول صحيح. فللمصريين وللمغاربة وللشوام وللعراقيين ولليمنيين وللعرب والمسلمين وللهنود وللصينيين.. الخ خصوصية تاريخية ثقافية”. إن الاعتقاد بأن كل مجتمع مختلف عن الآخر هو اعتقاد مختلف عن اعتقاد الخصوصية. وذلك لأن من يدعي الخصوصية، يقول بأن كل المجتمعات الأخرى متماثلة باستثناء مجتمعه هو، وأن النواميس والعمليات التاريخية انطبقت على كل المجتمعات عدى هذا المجتمع. خذ مثالاً على ذلك الأغنية الوطنية السعودية الشهيرة “إنت ما مثلك بهالدنيا بلد” لمحمد عبده، أشهر الفنانين السعوديين، والتي كتب أبياتها الأمير بدر بن عبدالمحسن وهو من أشهر الشعراء السعوديين. فهذه الأغنية عندما تقول أنه لا يوجد بلد يماثل السعودية، فهي لا تقصد أن كل بلد لا يشبه الآخر. فهذا المعنى يفقدها كل معاني الفخر المتضمنة فيها. فإذا كان كل بلد ليس مثله في الدنيا بلد، فما هي الميزة والاستثنائية في كون السعودية ليس مثلها في الدنيا بلد؟ إن هذه العبارة تصبح مصدراً للفخر، إذا كانت السعودية وحدها من بين كل البلدان ليس مثلها في الدنيا بلد، وهذا لا يتأتى إلا إذا آمنا بشيء من الخصوصية والاستثنائية التي تجعل كل ما سوى السعودية متشابها وأنها وحدها المختلفة عنهم. ويلخص مؤرخ الأفكار الأمريكي دانييل رودجرز الفرق بين الخصوصية والاختلاف، بأن “الاختلاف يحتاج مقارنة، في حين أن الخصوصية تحتاج لقانون تاريخي”. ومعنى هذا الكلام أن مدعي الخصوصية عندما يقول عن بلد أنه مختلف، فهو لا يقصد أنه مختلف عن ذاك البلد الآخر، بل عن كل البلدان، أي “عن السنن الكونية للتاريخ، عن مصير الأمم التقليدي، عن قوانين التاريخ الميكانيكية نفسها”.

ظهرت مدرسة “الخصوصية التاريخية” هذه في الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية. فإذا كان تاريخ العالم، والمقصود به هنا تاريخ أوروبا، تاريخ حروب وثورات، فما هو الشيء الذي ميّز أمريكا عنها حتى لا ينطبق عليها هذا القانون التاريخي؟ هذا هو السؤال الذي حرّك جيلا جديدا من المؤرخين فتشوا عن الاستثناءات التي ميزت أمريكا عن غيرها من دول العالم، ومن هنا بدأت تظهر كثير من الأجوبة، فعلى عكس كل الثورات الأخرى، كانت الثورة الأمريكية خالية من اليعاقبة والبلاشفة وعصور الأرهاب التي شهدتها الثورات الكبرى الأخرى، وعلى عكس المجتمعات الصناعية والرأسمالية الأخرى لم تنشأ حركة شيوعية طاغية في الولايات المتحدة، ضمن الحرب الباردة، فصارت القصة الأمريكية تذكر بشكل منفصل عن أي ارتباط لها بغيرها، وصارت تذكر باعتبارها سلسلة من الغيابات: لماذا غابت الثورات وغابت الدكتاتوريات وغابت الشيوعية عن أمريكا.

ومن معين الخصوصية الأمريكية بدأت تمتح الشركات الأمريكية – التي كان من بينها شركات النفط الأمريكية المالكة لشركة أرامكو – قصة خصوصيتها التاريخية، فصارت تُقدَّم علاقة أرامكو بالسعودية باعتبارها استثناءً من قانون الاستغلال والهمينة والعنصرية الذي حكم علاقات الشركات النفطية الأوروبية الأخرى بالبلدان التي عملت فيها، وبشكل شديد الاختصار، فإن  القصة الأرامكوية الشهيرة شددت باستمرار على أن أرامكو – خلاف الشركات البريطانية النفطية الموجودة في العراق وإيران وغيرها من البلدان – ليست شركة استغلالية ولا عنصرية بل كانت شركة ساهمت بشكل كبير في الارتقاء بالمجتمع السعودي وتنميته. هذه الأسطورة الاستثنائية هي التي سخّر روبرت فيتاليس كتابه مملكة أمريكا لتفنيدها وتبيان أصولها وسياقاتها الفكرية. ضمن هذا السياق نفسه من ادعاء الخصوصية، قُدّمَت علاقة الحكومة الأمريكية بالمملكة العربية السعودية باعتبارها استنثاء عن القانون الذي حكم العلاقات بين الدول القوية الكبيرة المهيمنة بالدول الصغيرة الناشئة والضعيفة، فعلاقة أمريكا بالسعودية كانت مختلفة عن علاقات الهيمنة والاستعمار التي كانت تمارسها الدول الأوروبية الأخرى في المنطقة.

يقول فيتاليس في كتابه أعلاه: “لقد أدى ادعاء الخصوصية الأمريكية… إلى جعل ادعاء الخصوصية السعودية ممكناً”. فإذا كانت حكاية الدولة الأمريكية ترفض وجود الهيمنة والاستعمار، وإذا كانت حكاية الشركة الأمريكية ترفض وجود الاستغلال والعنصرية، فإن حكاية الدولة السعودية ستُنسج باعتبارها أيضا حكاية ذات خصوصية، ذات مسار مستقل في التاريخ عن المسارات التي اتخذتها الدول المحيطة به. تبدأ هذه القصة من إمامة الدرعية (التي أعاد مؤرخو المملكة في منتصف القرن العشرين تسميتها لتصبح الدولة السعودية الأولى) لتستمر بشكل مستقل قافزة كل الفجوات التاريخية ومنفصلة عن كل التطورات المحيطة بها مقدمة صورة لجزيرة العرب باعتبارها أرضا استثنائية لم تخضع – خلاف الدول العربية الأخرى – لأي شكل من أشكال الهيمنة والتدخل الأجنبي. فإذا كانت الثورة الأمريكية هي اللحظة المؤسسة للاستثناء الذي وضع أمريكا في طريق مستقل عن أوروبا، فإن مؤرخي السعودية يرون أن دعوة محمد عبدالوهاب كانت هي اللحظة المؤسسة للاستثناء الذي سيضع السعودية في طريقها المستقل عن محيطها العربي والإسلامي. هذه هي السردية التي يقدمها مثلاً أهم مؤرخي الدولة السعودية، الدكتور عبدالله العثيمين في كتابه “تاريخ المملكة العربية السعودية”، وهو المقرر الرئيسي المعتمد في أقسام التاريخ في جامعات المملكة، وضمن هذه السردية، تصبح علاقة الحكومة السعودية بالشعب – على عكس العلاقات التي نظمت بين الحكومات العربية الأخرى وشعوبها – علاقة متينة وعضوية إن لم تكن طبيعية، وهذه العلاقة هي ما يفسر أن تلك البلدان عانت من انقلابات وحروب وتفكك، في حين أن السعودية نجت من هذا كله.

الخصوصية السعودية: مذهب الصديق والعدو

 

لئن كانت أرامكو والحكومة السعودية وظفتا الخصوصية السعودية لتقديم أنفسهما منقذين ومحررين للمجتمع السعودي، فإن خصوم المملكة كذلك وظفوا هذه الخصوصية السعودية لتوليد خطاب ذي عناصر استشراقية ونبرة عنصرية لهجاء المملكة. وأحد أهمّ نسخ هذا الخطاب وأكثرها انتشارا، هي تلك النسخة التي تعتبر توحد مناطق المملكة في دولة واحدة اسمها السعودية أمراً غريباً مناقضا لما يجب أن تكون عليه الأمور، وأن هذه الدولة استمرار حصري للدعوة الوهابية التي تشكلت في ظروف معزولة داخل الجزيرة العربية، معزولة جغرافيا (بسبب الصحراء المتخيلة، والتي عادة ما تُضخم آثارها على قاطنيها بحيث يُنظر إليهم كما لو أنهم يحملون صفات جوهرانية لا يمكنهم التحرر منها)، وفكريا (باعتبارها ليست متصلة ببقية التراث الإسلامي التقليدي)، واجتماعيا (باعتبار مسرحها مجموعات بدوية بعيدة عن الحواضر العربية والإسلامية الكبرى). أي أن هذا التصوّر يصرّ على تقديم تاريخ السعوديّة بأنه كان معزولا عن ما حوله، تاريخ استثنائي، له منطق خاص منعزل يبدأ من الدعوة الوهابية وينتهي إلى اليوم. راجت هذه السرديات في فترة الخمسينات والستينات إبّان صراعات الدول العربية بين بعضها.

لعل أفضل مثال على هذا النوع من السرديّات هو كتاب المفكّر ووزير المالية اللبناني السابق جورج قرم أوروبا والمشرق العربي: من البلقنة إلى اللبننة، ففي فصل منه، يتناول قرم قصة تأسيس المملكة تحت العنوان التالي: ”نشوء الدولة الوهابية: انتصار الصحراء على المدينة“. في هذا الفصل نجد جورج قرم- بشكل فجّ- يقول التالي: ”إن ظروفا استثنائية وأحداثا تاريخية خارقة للمألوف هي التي أتاحت للوهابية، كما للحركة الصهيونية، أن تشيد دولة لا تقل التباسا عن دولة اسرائيل في أسس هويتها ووجودها السياسي“.

مع أن قرم أخذ على عاتقه في هذا الفصل نقد ما أسماه ”التاريخ الخيالي للوهابية“، وطرح تاريخا بديلا أقل خيالية، إلا أنه لم يستطع الفرار من فخّ ادعاء الخصوصية الذي يقع فيه غالب من يتناول تاريخ السعودية، ففي فصله هذا، وضمن نقده للسرديات الغربية، رفض جورج قرم ما قام به بعض المؤلفين الغربيين من إدراج للوهابية ضمن حركة النهضة العربية، وكذلك رفض الصورة التي تعتبر الوهابية محض استئناف للسيرة النبوية دون أي اعتبار لعامل مرور الزمن.

وإذا كان هذا ما يرفضه قرم في محاولات التأريخ الغربي للسعودية- دامغا إياه بالتاريخ الخيالي- فما هو ”التاريخ الواقعي“- حسب تصوّره- للسعودية؟ يجيبنا قرم بهذا الجواب الغارق في بحر ادعاء الخصوصية: ”إن الوهابية قطيعة مع الإسلام الكلاسيكي ومدارسه الكلامية-الفقهية المتطورة التي كانت تمثلت كل التراث الإغريقي والفارسي والبيزنطي؛ قطيعة أيضا مع الأعراف والأخلاق الحضرية والتراتبات الإجتماعية المعقدة التي كرستها في كل مكان من المشرق العربي تقاليد متنوعة ومتضاربة تعود في أصولها إلى الحضارات الكبرى لمنطقة وادي الرافدين… إن الوهابية السعودية، التي أرست بنيانها في النظام السياسي للقرن العشرين، هي بمثابة تنكر مطلق للإسلام الكلاسيكي، وهذا بحكم عزلتها الجغرافية بالذات…“.

إن ما يفعله قرم- الذي يقدم نفسه ناقدا للغرب وطرق تأريخه للمنطقة العربية- لا يقلّ استشراقية و”خيالية” عن النظرة الغربية التي ينتقدها، ذلك أن تاريخ السعودية- بالنسبة له- يمكن فهمه باعتباره تطوراً، تم بشكل منعزل، من الدعوة الوهابية، التي نشأت بشكل منعزل في الصحراء، من قبل أقوام هم أيضاً منعزلين عن المدنية والحضارة. إن هذه العزلة الثلاثية (الدينية-الحضارية-الجغرافية) هي الجذر الرئيسي لكل تصوّر استثنائي لتاريخ المملكة، تصوّر يجعل هذا التاريخ ذا خصوصية ما.

إن التناقض- كما يقول رودجرز- الذي يقع ”في قلب ادعاء الخصوصية في كتابة التاريخ لم يكن أبداً تناقضاً بين الاختلاف والتشابه بل بين الاتصال والانفصال“. ولتوضيح مقصده، لننظر إلى كل الكتب التي أرخت للسعودية انطلاقا من مذهب ادعاء الخصوصية هذا، فإننا سنجد أن هناك أمرا مهما يجمعها وهو هذا القرار الرئيسي الذي يتخذه المؤرخ بأنه عندما يكتب هذا التاريخ فإنه سيكتب تاريخ أناس محددين- تاريخيا، مذهبيا، جغرافيا- ومنفصلين عن غيرهم، بحيث لا يكون لهؤلاء القابعين خارج هذه الحدود أي أهمية في الدراما الرئيسية للقصة التي يرويها المؤرخ، وهكذا ينحل تاريخ السعودية، ليصبح تاريخ منطقة نجد، بعد أن قُطعت كل الروابط التي تجمعها بما يحيط بها من العالم بذريعة وجود الصحراء.

الخصوصية السعودية: من الإنغلاق إلى الإنفتاح

عندما نشأت حركة الصحوة في السعودية، وظفت مقولة الخصوصية هذه لتبرير الإنغلاق الثقافي عن العالم. والحجة تأخذ الشكل التالي:  لأننا استثنائيون، فلا يجب أن نخالط غيرنا، أو أن نشابههم بأي شيء، فانغلاقنا هو حامي استثنائيتنا. خذ مثالاً واضحاً على ذلك هذه المقالة التي تبدأ بهذه العبارات: “يتوجه العالم اليوم إلى أرضنا خمس مرات أثناء قربه من ربه، فعلى أرضنا أطهر البقاع… نحكم بأعظم شريعة نزلت…نساؤنا نموذج عالمي في المحافظة على الستر والحياء…إلخ”. أو هذه المقالة، التي يدّعي كاتبها أن الخصوصية السعودية “يتفق عليها كل عاقل” وأن السعودية “متميزة شكلا ومعنى عن غيرها من البلدان. (خذ هذه الأمثلة: تحكم بالشريعة – يحتوي عَلمها على الشهادتين – لا يُنكس – للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيها هيئة قائمة – مناهجها وفق دعوة الكتاب والسنة – الانضباط الشرعي في قضايا المرأة – تعليمًا وعملا -…الخ) “.

إلا أن هذه الصيغة الصحوية من الخصوصية السعودية لم تعدم كثيراً من النقاد. فسليمان النقيدان المذكور أعلاه كان أحد نقادها. لكن النقد الذي قدمه سليمان، وكثيرون مثله، لم يكن موجهاً لقلب هذه الخصوصية، بل للجانب الإنعزالي فيها. انظر على سبيل المثال مقالة حسين شبكشي حول الخصوصية السعودية، فهي تعبّر بشكل واضح عن هذا الموقف المنزعج من النزعة الانعزالية لدعاة الخصوصية السعودية. فهو يقول: “الخصوصية السعودية كانت سدا أمام الانفتاح الثقافي على العالم والتعرف على الفنون والآداب” و ” الخصوصية السعودية هي التي كانت من أكبر عوائق تطوير التعليم بشكل ممنهج”، وأن لها ” الدور المانع في الانفتاح على المؤسسات التعليمية العملاقة لفتح فروع لها في السعودية، وكذلك الأمر بالنسبة للتردد في فتح الأسواق بشكل كامل”.

وبسبب حصر معنى الخصوصية السعودية بجانبها الانغلاقي، نجد كاتباً مشهوراً في نقد الصحوة، هو محمد بن عبداللطيف آل الشيخ، يعلن سقوط الخصوصية السعودية في مقالته الخصوصية السعودية وهم وسقط وذلك بمناسبة إنهاء المنع الحكومي للنساء بحضور المباريات الرياضية، فهذا الحدث بالنسبة لآل الشيخ يعني “أن وهم (الخصوصية السعودية) سقط واندثر إلى الأبد، وأصبحنا مثل خلق الله في كل بلاد العالم”.

إلا أن الانغلاق ليس هو الخصوصية، واقتران الاثنين ليس ضروريا. ولا أدل على ذلك من أن الخصوصية الأمريكية نفسها قد دفعت أنصارها للانفتاح على العالم والانخراط فيه بنفس القوة التي دفعتهم للانعزال عنه. بل إن النزعة الانعزالية الجديدة المتفشية اليوم في الولايات المتحدة تؤسس دعوتها للانعزال على أساس رفض الخصوصية الأمريكية. أما في المملكة فنشهد تزاوجاً جديداً بين الخصوصية السعودية والانفتاح. ففي الوقت الذي تُزال القيود الاجتماعية عن المرأة، وتسهّل إجراءات جذب السياح الأجانب للمملكة، وتفتح أبواب الإقامة المميزة والتجنيس، ويُسعى نحو جذب الاستثمارات الأجنبية؛ نجد جهودا كبيرة في تصنيع سردية تاريخية وهوية وطنية قائمة بشكل رئيسي على مقولة الخصوصية.

صحيح أن السردية التاريخية السعودية الجديدة قد شطبت الدعوة النجدية الوهابية من التاريخ، إلا أنها لم تتخلى عن السردية الاستثنائية لهذا التاريخ. فبدلاً من كون الدعوة الوهابية لحظةً مؤسسة لمسار استثنائي أصبح وصول محمد بن سعود لحكم الدرعية هو هذه اللحظة. ومنذ هذه اللحظة، يسرد تاريخ السعودية بوصفه قصة محاولات متكررة لسلالة حاكمة لتأسيس وتوسيع هذه الدولة السعودية منذ ثلاثة قرون، وتسرد هذه المحاولات بشكل منعزل ومفصول عما حولها من أحداث وعمليات تاريخية التي أثرت على كل ما حولها.

نحو الخلاص من ادعاء الخصوصية

منذ عهد الملك فيصل، تظافرت سردية الحكومة الرسمية مع سردية أرامكو وسردية خصوم المملكة على تقديم المجتمع السعودي باعتباره مجتمعاً ذا خصوصية، إما بحاجة لحماية أو بحاجة لإنقاذ. وهذه “الخصوصية” التي طُورت في منتصف القرن الماضي هي التي اتكأت عليها الصحوة وهي التي يتكئ عليها التيار الوطني اليوم، وبمباركة رسمية، ليبني عليها سرديته الفاشية. والسؤال الآن: كيف السبيل للتخلص من هذا المفهوم اللصيق بالخطاب السعودي العام وانتاجه التاريخي والقادر على البقاء والتكيف والاستمرار مع التقلبات الايديولوجية؟ فبالإضافة إلى كونه مفلس نظريا، إلا أنه من الناحية السياسية يعتبر مفهوما خطيرا، منح قوة للتيارات الاستعلائية والمناهضة للديمقراطية في المملكة (الصحوة أولا، ثم التيار الوطني ثانيا) وجعلها تطغى وتنمو وتهيمن على الفضاء العام السعودي.

قد يكون التخلص منه صعباً جداً لارتباطه أولاً بمنظومة اقتصادية تخلق عوازل بين الشعب السعودي عن كثير مما حوله من شعوب العالم. فمع أن شعب المملكة لا يمثل من عدد سكان الشعوب العربية إلا 5%، إلا أن الناتج المحلي السعودي يقارب ربع الناتج المحلي العربي الإجمالي. وإضافة لهذا التفاوت الاقتصادي، فإن الواقع السياسي الإقليمي الحالي جعل السعودي اليوم في زمن الطائرات والسيارات أكثر عزلة عن محيطه من أبناء جزيرة العرب بالأمس المحاطين بكثير من الصحاري. فقط انظر للبلدان المحيطة بالمملكة التي يستطيع السعودي السفر إليها اليوم وقارنها بالبلدان المحيطة التي كان يستطيع السفر إليها قبل مائة سنة.

هذه الظروف لا تجعل التحرر من أسر ادعاء الخصوصية مستحيلا وإن كان صعبا. وهذا التحرر لا يكون بالدعوة للإنفتاح كما يفعل خصوم الصحوة من المؤمنين بالخصوصية، وإنما يكون بالدعوة للعاديّة. أي أننا دولة عاديّة، مرّ عليها ما مرّ على غيرها، وتعاني ما عانى منه غيرها، فيها الحسن وفيها القبيح، وساهم في تاريخها فاعلين من داخلها ومن خارجها، أبطالها وخصومها. ولأضرب مثالا على ما أقصده بالعاديّة، أسلط الضوء على السعودية ومصر. فمؤرخو هاتين الدولتين الوطنيين يصرّون على ذكر تاريخهما الحديث دون الالتفات للدرجة الهائلة من التشابك والترابط بينهما. فحملات محمد علي باشا على الجزيرة العربية ضد إمامة الدرعية لم تكن حدثا هامشيا في مصر أو جزيرة العرب. ففي مصر، كانت هذه الحملات هي الطريقة التي من خلالها تخلص محمد علي من خصومه واستطاع بناء جيشه. وفي جزيرة العرب، كانت هذه الحملات هي التي أنهت إمارة الدرعية وجعلت محمد علي يحكم أجزاء كبيرة من جزيرة العرب حتى أخرج منها بعد اتفاقية لندن في منتصف القرن التاسع عشر. وأثناء تأسيس الدولة السعودية في مطلع القرن العشرين، كان النموذج المصري من ناحية القوانين والأنظمة والتشريعات والخبراء القانونيين وما شابه مؤثرا بشكل كبير على الفكر والبنية القانونية والبيروقراطية السعودية كتأثيره على باقي الدول العربية الأخرى. وفي النصف الثاني من القرن العشرين، كانت الحركات الإسلامية- الإخوانية والسلفية- تؤثر بشكل كبير على البلدين بواسطة مثقفين وكتاب وشيوخ وسياسات حكومية حدثت في كلا البلدين في الوقت نفسه تقريبا. ومع صعود أسعار النفط، تزايد الاعتماد المصري على الاقتصاد السعودي- سواء من ناحية تحويلات العمالة المصرية، أو الدعم الحكومي الرسمي من استثمار وإقراض وغيره- مما ترك آثاره على الاقتصاد والمجتمع المصري في نفس الوقت الذي كانت فيه العمالة المصرية- من مهندسين وأطباء إلى العمالة غير الماهرة- لاعبا مهماً في الاقتصاد والمجتمع السعودي. ليس المقصود استيفاء هذه العلاقة المعقدة بين البلدين، بل إثبات أنه لا يمكن ذكر تاريخ هذين البلدين دون ذكر هذه العلاقات المعقدة، وأن الروايات الاستثنائية تتجاهل كمّا هائلاً وثريّاً من التاريخ عندما تختار سرد قصص هذه البلدان كما لو كانت معزولة عن ما حولها.

إن هذه الدعوة للعادية لا تقتضي نفي الاختلافات، بل تقتضي ذكرها جنبا إلى جنب مع المتشابهات. فالسعودية تختلف عن مصر مثلما أن مصر تختلف عن سوريا، لكنها تتشابه معهما أيضا. وبشكل أكثر دقّة، إن هذه الدعوة للعادية لا تلغي وجود استمرارية واقعنا مع ماضينا بل تؤكد على اتصال ماضينا وواقعنا بماضي وواقع غيرنا.

تعليق واحد

  1. ما شاء الله مقال جميل وقرى يا سلطان، أكثر ما يلفتني فيك هو سعة اطلاعك النهم حول تاريخ المملكة وتحولاتها الفكرية وكتابها ومجلاتها واجد هذه المعلومات غائبا عن اغلب مثقفين الحاليين وحبذا لو تقوم باعداد قائمة حول ما يمكن قراءته من كتب ومقالات لفهم تاريخنا بشكل جيد والاطلاع على النخب من مثقفين وكتابنا الذين لم يسلط عليهم الضوء، كوني انا وأبناء جيلي غائبة عنا هذه المعلومات في ظل تغيير الخطاب السائد وعدم فتح المجال للأصوات والأفكار المخالفة.

أترك تعليقًا على ابراهيم إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.