عندما فرّ كارل شميت من أسرِه \ مراجعة كتاب

شيخة مرزوق

كاتب المقالة

شيخة مرزوق

توطئة

كانت ١٩٤٥ م سنة فارقة في حياة الفقيه والمنظّر الألماني كارل شميت (١٨٨٨-١٩٨٥) كما كانت لأوروبا والعالم، في هذا العام خرجت ألمانيا من الحرب العالمية تجّر أذيال الهزيمة، والحزب النازي الذي كان مفكرنا عضواً متحمساً فيه سقط مع دخول قوات الحلفاء إلى الأراضي الألمانية. كان شميت أو “تاج فقهاء الرايخ” يعمل جاهداً خلال سنوات الحرب على مدّ النظام النازي بنظريات قانونية وسياسية متماسكة تضفي الشرعية على أعمال الفوهرر. ومع جهوده المعلنة، إلا أنه كان قد نشر أهم مؤلفاته قبل الفترة النازية، فقد نشر قبل ١٩٣٣ ؛ اللاهوت السياسي، والديكتاتورية، وأزمة الديمقراطية الليبرالية، والنظرية الدستورية وغيرها من المؤلفات، لكنه مع صعود الحزب النازي إلى السلطة حوّل اهتماماته وركّزها على القانون والسياسة الدولية لتتقاطع مع التطلعات الأيديولوجية للحزب. ثمة دافعٌ آخر للمغامرات الفكرية الشميتية أهم بكثير من وجود النازيين على رأس السلطة، هو عداءه الشديد جداً لليبراليين والشيوعيين، وهذا الذي جعله يتشبث بأهم أفكاره بعد الحرب، ومن مآسي القدر عليه أن أعداءه هؤلاء هم من أداروا المشهد السياسي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية.

اُعتقل شميت بعد الحرب العالمية الثانية مباشرةً حيث أُودع في معسكر للاعتقال المدني لعامين، جُرّد خلالها من منصبه أستاذاً جامعياً مرموقاً، وحرم بعدها من مزاولة التعليم في ألمانيا، وما إن خرج من المعسكر حتى عاودت قوات الحلفاء اعتقاله مرة أخرى ليخضع حينها لاستجوابات مكثفة ومطولة. خلال فترة اعتقاله كتب مجموعة من النصوص التي يمكن اعتبارها بمثابة سيرة تاريخية وشخصية، بما أن سيرة حياته هي سيرة أوروبا في القرن الـ ٢٠. شميت وجد نفسه في فترة ما بعد الحرب في عالمٍ مختلف تماماً، كان مهزوماً ووحيداً و“عارياً” إلا من عقله. فلم يستطع وقتها وهو في الزنزانة مقاومةَ فكرة كتابة نصوص تليق بإرثه الفكري، بل الأهم من ذلك، تدفع بهذا الارث إلى منعطف جديد يتناسب مع زمن ما بعد الحرب.

وضوح الفكر مقابل عتامة الذات

“من أنت؟” .. يفتتح شميت مذكراته بهذا السؤال الذي وجّهه له إدوارد سبرانغر، الفيلسوف الألماني المعروف وأحد من حققوا معه أثناء اعتقاله. كان هذا السؤال مع بساطته مُلغّماً بطريقة خطيرة، لاسيما أن سبرانغر كان قد أبدى قبلها ملاحظاتٍ مفادها أن شميت دائماً ما كان يبدو له حيوياً أثناء محاضراته، وأن أفكاره بدت مثيرة له، ومع ذلك بقيت شخصيته تستعصي على الفهم. اعتبر شميت على الفور أن هذا السؤال بمثابة اتهام مباشر، فماذا يعني أن تكون كلماته وأفكاره واضحة ومثيرة للآخرين، بينما ذاته -جوهره- تبقى مسألة غامضة. كان وقع السؤال عميقاً عليه، فالأفكار أخذت تعصف به يمنة ويسرة، فقرر على إثر ذلك إشراك القارئ بالحوار الداخلي الذي مرّ به حينها، وهي المرة الأولى التي يتحدث فيها عن نفسه بهذه الطريقة “تحدثت هنا -في هذه النصوص- عن نفسي، وفي الواقع، إنها المرّة الأولى التي أقوم فيها بالحديث عن نفسي”.

يحتار شميت في الجواب على سؤالِ محققه؛ فماذا كان عليه أن يفعل حتى لا يبدوا غامضاً للآخرين؟ هل كان عليه أن يفتح لهم عوالمه الداخلية ويشركهم بما كان يدور فيها؟ .. أم أن الذات بطبيعتها تتوارى خلف بروز الفكر؟ .. في خضّم هذا، كانت هناك تساؤلات أخرى تتزاحم في ذهنه تشغله حينها عن الدفاع عن نفسه. أسئلة تدور حول شخصية الخصم. فشميت بدا مستغرباً من شعور سبرانغر المفاجئ بالتفوق والأفضلية لدرجة أنه يطرح عليه أسئلة تخرج عن نطاق التحقيق لتدور حول الذات ومحملة بنغمة اتهام واضحة. لماذا اتخذ سبرانغر هذا الأسلوب معه بينما كان يمكنه أن يواجهه فكرياً؟

كان يستطيع ببساطة أن يردّ على سؤال سبرانغر بأسئلة مضادة من هذا النوع، لكنه فضّل عدم الخوض في هذا الطريق لسببٍ مهم -غير كونه يرى أنّه “فاشلٌ في الدفاع عن نفسه” – وهو أنه فضّل لعِب دور المدّعى عليه بدل أن يكون مدعٍ آخر. فهو رأى في الادّعاء فعلٌ قد يُدخله في دوامة تمعنه من التركيز مع خصمه، بل إنه رأى في مهمة الادّعاء “شراً أكبر من مهمة التحقيق”. فالمحقق في النهاية إذا ما التزم بموضوع التحقيق قد يكون حكماً محايداً بين الأطراف المتنازعة، بعكس من سيباشر الادّعاء، أي الاتهام، فهو قد يشتط لإثبات تهمةٍ ما على المدعى عليه، بل قد يحاول انتزاع أجوبة من المتهم تجعل من اعتقاله أمراً مشروعاً، وهذا ما كان سبرانغر من وجهة نظر شميت يفعله، فهو لم يقم بمهمة التحقيق فحسب، بل كان يحاول إيقاعه في الشَرَك من خلال تلك الأسئلة الملغّمة.

مع ذلك، لا يخفي شميت على القارئ غبطته بلقاء الفيلسوف إدوارد سبرانغر، فسبرانغر كان فيلسوفاً وطبيباَ نفسيّاً مهما في ألمانيا، وشميت نفسه استشهد به في كتابه “مفهوم السياسي”. هذا الأمر مكّنه من النفاذ إلى عمق شخصية سبرانغر أثناء التحقيق، بينما كان الأخير برأي شميت “لا يستطيع حتى أن يراني”. شُغل عن شميت بشعوره بأنه على حق لقد “كان ممتلئاً .. ومن كل النواحي”.

والسؤال هو؛ كيف لا يكون سبرانغر ممتلئاً ومزهوّا واللحظة التاريخية تقف في صفّه؟ .. كان شميت فقيهاً قانونياً يدرك تماماً ماذا يعني أن تكون اللحظة التاريخية في صفّك، وما تمنحه بالتالي الشرعية القانونية من قوة لمن يقبضون على السلطة. لهذا السبب بالتحديد، وجد نفسه أعزلاً أمام هذه الترتيبات الجديدة التي أخذت تتموضع في ألمانيا بعد الحرب. والشعور بالعزلة مسألة لا يخفيها، لكنه يستدرك قبل أن يذهب ذهن القارئ إلى مسارات لا يرغب بها “أعزل، ولكنني لست محطّماً”. ومن هذه الوثوقية العالية يجيب في النهاية على سؤال “من أنت؟” ليس باعتباره سؤالَ تحقيق، بل سؤالاً فلسفياً في المقام الأول، قائلاً: “قد لا يكون جوهري شفّافاً لكم، ولكن حالتي هذه شبيهةٌ بالحالة التي وصفها ذات مرّة شاعرٌ عظيم بأنها حالة الفقراء، والمساكين، والمنبوذين. ومع ذلك هي الحالة ذاتها التي كان عليها إبيميثوس المسيحي”.

تشبيه شميت نفسَه بإبيميثوس (وهي شخصية أسطورية تعود إلى الميثولوجيا الإغريقية، التي حسب الروايات، كُلّفت من قبل آلهة الإغريق بمهمة خلق الحيوانات والجمادات والبشر على الأرض بمعية أخيها) تشبيه مربكٌ للغاية، والأكثر إرباكاً أنه يقوم بمثل هذه التشبيهات على طول مذكراته. فمرة يشبّه نفسه بشخصيات أدبية، ومرة بشخصيات فكرية وأخرى بشخصيات لاهويتة، وما يجدر ملاحظته هنا، هو أن هذه الشخصيات جميعها بلا استثناء شخصيات غامضة ولا يمكن القبض على جوهرها. فنحن لا نعرف ماذا يقصد بالضبط من خلال تشبيه نفسه بالفقراء والمساكين، وفي الوقت نفسه بإبيميثوس. هل كان ذلك نكران لموقفه من النازية؟ أم أنه مجرّد تعبير مسيحي لوصف الخطايا البشرية؟ .. كل ما نعرفه أنه اختار هذه الشخصيات المتناقضة عن قصد لتكون جواباً على سؤال “من أنت؟”. جوابٌ غامض ومفتوح على تأويلات متناقضة.

الكتابة ضد الليفياثان

يتحدث شميت في مذكراته عن حرية التفكير باستفاضة ويستعرض في بحثه لهذه المسألة محاججة المنظّر الاجتماعي كارل مانهايم الذي رأى أنه لابد للحرية الفكرية من شرطٍ مسبق عبّر عنه بـ “الفضول الجوهري”، فمنهايم قد حاجج، لاسيما في أهمّ مؤلفاته (اليوتوبيا والأيديولوجيا)، بأن ثمة إشكالية في تحصيل المعرفة العلمية في المجتمعات المعاصرة، وهي إشكالية التداخل الواقع بين التحيزات المعرفية والتحيزات الفردية، فخلص إلى أن المثقفين وعلماء الاجتماع تحديداً يجب أن ينفصلوا عن مجتمعاتهم انفصالاً تنأى من خلاله الذات العالمة عن الجموع والأحداث، وترتبط بدلاً من ذلك بالنظام المعرفي الشامل للعالم، فالمعرفة الموضوعية والنقية وفق منهايم لن تتأتّى إلا إذا ابتعدت الذات عن الصراعات والتحزبات الأيديولوجية ودفعت دفعاً بالفضول الجوهري.

يجرّ شميت نقاش مانهايم هذا حول الشرط المسبق إلى محاور اهتمامه، أي إلى مسألة الحرب الأهلية، وحالة الاستثناء. فهو يريد من هذا التمهيد أن يتساءل عمّا إن كانت الحرية الفكرية تتطلب “الفضول الجوهري” أي هذا الدافع المضطرب لمواصلة التساؤل والكشف عن الموضوعات غير المطروقة. الحرية، وبهذا المعنى، لم تكن متواجدة في ألمانيا خلال سنوات الحكم النازي ١٩٣٣-١٩٤٥. فالمفكرّون الألمان، والشعراء والفنانون وغيرهم لم ينتجوا أعمالاً ترقى لهذا الشرط الذي وضعه مانهايم لهم. كل الأعمال الفكرية والأدبية والإبداعية التي أُنتجت في تلك الفترة كان شرطها الأساس هو مدى موائمتها لـ“إعلانات مكبرات الصوت في الأماكن العامة”، وهذا أمرٌ متوقع، فالشعب الألماني كان تحت حكم نظام الحزب الواحد، ولاشك ستخضع الأعمال الفكرية والأكاديمية لرقابة مشددة ومعايير صارمة مفروضة من قبل الحزب، وهذه قضية لم يتهرّب منها على أية حال، بل إنه ناقشها بأريحية عام ١٩٤٥ بل توسع في معنى الحرية الفكرية في ظل النظم التوليتارية.

استشهاد شميت بمانهايم إذن لم يكن من أجل توضيح شرط الحرية للقارئ والمصادقة عليه، بل كان من أجل التشكيك في جدوى مثل هذه الاشتراطات للتفكير. فالقول أن شرط الحرية هو “الفضول الجوهري” يعني فيما يعنيه أن الشعوب التي ترزح تحت أنظمة الحكم التوليتاري هي شعوب قد لا ترقى لحرية الفكر. وهذه مسألة يرفضها جملة وتفصيلا، يرفض أن تُستلب القدرة على التفكير من الشخص لمجرد أن النظام السياسي لا يسمح له بذلك. فهو يؤمن بقدرة العقل على العمل حتى وهو بين “مخالب الليفياثان” وفق تعبيره اللاذع. فالعقل قادرٌ حتى في أحلك الظروف على البحث عن مساحات يمكنه من خلالها أن يعاود التفكير النقدي.

هذا التفاؤل من قبل شميت بقدرة العقل لم يأتي من فراغ بكل تأكيد، فهو ينهل بشكل كبير من التاريخ الفكري والثقافي لأوروبا من أجل محاججته هذه، فالعقل الأوروبي تاريخياً عرف كيف يبحث عن تلك المساحات الممكنة ويبدع في التفكير النظري لاسيما فيما يتعلق بالتنظير للسلطة وحدودها، بل إن العقل الأوروبي بحسب الشواهد لم يبدع إلا في فترات الحروب الأهلية، فأعلام الفكر السياسي الغربي كأفلاطون وميكيافيلي وهوبز وغيرهم أبدعوا ما أبدعوه خلال أزمنة الحروب والصراعات السياسية.

نستطيع أن نقول -ومجاراة للمحاججة- أن العقل الأوروبي تمكّن من خداع الطاغية في نهاية المطاف. هذا ما يحاول شميت ايصاله للقارئ، وهذا ما كان يريد أن يفعله هو نفسه من خلال انتسابه إلى الحزب النازي. صحيح أن طبيعية عمله داخل الحزب ليست واضحة بشكل كافٍ والكتابات حول هذه المسألة متضاربة، ولكن انتسابه المتحمس للحزب في ١٩٣٣ ثم توقيف عضويته بعد ثلاث سنين فقط نتيجةً للاقتتال الداخلي في الحزب الذي جرى بينه وبين بعض الأكاديميين الذين رأوا في موقفه من النازية موقفا “انتهازيا”(١) (٢)، يضعنا أمام استفهامات عديدة. فلابدّ أن شميت لم ينتسب إلى الحزب النازي حبّا في الطاغية ولا ايمانا بالعقيدة الأيديولوجية للحزب. بل إنّه انتسب للحزب لأن أي موقفٍ مضاد، من قبيل الانضمام إلى المعارضة أو حركات العصيان المدني، كان يعني تقديراً غير عقلانيّ للأحداث ويمكن للقارئ أن يستشف ذلك من مذكراته، وهنا ينتهز الفرصة لتذكير القارئ بالقاعدة الأثيرة، أننا ببساطة “لا نملك قدرة الكتابة ضد من يملكون سلطة الحظر” ويشدد “هذه قاعدة صالحة لكل زمان ومكان”.

نحن هنا أمام محاولة لا لبس فيها من شميت للتشكيك بنجاعة مقاومة الطغيان، بل إنه يضفي على المقاومة من هذا النوع صفة الخيال والحلم ( يوتوبيا ). فالمقاومة في ظل الأنظمة الشمولية مقاومة خاسرة، ومن سيقاومون سيعودون في النهاية إلى “مخالب الليفياثان”. فلا مهرب إذن -في رأي شميت- من تقبل الليفياثان ابتداءًا، لا سيما وإن كان الليفياثان يمتلك من السلطة والقدرة التقنية ما يجعله قادراً على ضبط الجماهير بل وسحقهم إن أراد، وهو حال النظام النازي.

أمام هذه الصورة المعتمة للوضع السياسي الشمولي يكون المرء أمام خيارين كلاهما مرّ: إما تقبل النظام السياسي القائم ومحاولة الكتابة من بين مخالب الليفياثان أو المقاومة وحينها سيتعرض المرء لسلطة الحظر والإلغاء النهائي. وشميت انحاز للخيار الأول مستعينا بعقله وواثقاً بصورة لا تقبل الشك بقدرة العقل الألماني، فألمانيا -بوصف شميت- بلدٌ صغيرٌ في أوروبا، ولهذا اعتبرت تاريخياً مفترق الطرق وبلد العبور للقوى والأفكار المختلفة فكان يستحيل بحسب شميت لأي نظام مهما بلغ طغيانه أن يعطّل هذا العقل عن العمل، فهو يرى أن هذا العقل حتى في حالة “تعليقه” قادرٌ على تطوير طرق ووسائل جديدة للتأقلم وللبحث والاستمرار.

يصل نقاش شميت حول حرية التفكير إلى ذروته عند حديثه عن العقل وما يمكن أن يفعل في حالة الطغيان، فهو عندما يثبّت نقاش منهايم في مذكراته يريد التدرج بالقارئ من هذا الشرط النظري الذي وضعه مانهايم و غيره من علماء الاجتماع الذين ناقشوا مسألة حرية التفكير إلى اختبار مدى فاعلية الفكر في محنته، فالفكر الحرّ بحسب شميت لا يظهر ولا يتجلى إلا في الأزمنة الصعبة، كالسنوات الاثني عشر التي قضاها الألمان تحت حكم النازيين. أما القول بأن التفكير الحر يشترط “فضولاً” مسبقاً يعني أن القائل يتحدث من قاعات المحاضرات والمؤتمرات العلمية، وشميت يكتب كلامه هذا وهو في الزنزانة، في زمن الحرب الأهلية، فكان من المنطقي بحسب موقعه ذاك أن يتشبّث بقدرة العقل على استعادة حريته وقدرته على التفكير والإبداع.

بكلمات أخرى؛ مجرّد وجود العقل، هو الشرط الأساس عند شميت للحرية، وما عدا ذلك إسرافٌ في التنظير. هذه الخلاصة تبدو مقبولة، بل أكثر إقناعاً من شرط “الفضول” إذا تأملنا في الأوضاع السياسية اليوم، ولاحظنا كيف أن الصراعات والأزمات كلها صارت تطغى على حالات السلم والوفاق. بدوره شدد الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين على هذه الخلاصة الشميتية في كتابه STASIS حيث أشار بوضوح إلى أننا بتنا نعيش في زمن حروبٍ مستمرة، صحيح أن الحروب بالمعنى الكلاسيكي القديم قد “اختفت فعلياً” ولكنها قبل اختفائها عُمّمت على مستوى الصراع الدولي، وعندما انشغل علماء السياسية مع مطلع التسعينيات بمسألة الحروب لم يخرجوا مع الأسف بنظريات أو تحليلات واضحة حول ظاهرة تعميم الحروب والصراعات، بل على العكس أدت إسهاماتهم إلى ترسيخ العقيدة الإداروية، أي إدارة الصراعات وتدويلها.

نحن إذن في حالة حروب مستمرة -بحسب شميت وأغامبين- قد لا يملك المرء في ظلها ترف التشبّث بالاشتراطات الفكرية التي قد تنزلق بالعقل إلى التعالي أو الابتعاد عن الحدث، والعقل واقعٌ، لا ينبغي أن يرتفع عن الحدث مهما كان هذا الحدث محفوفٌ بالمخاطر، فالعقل برأي شميت “له فخره، وتكتيكاته، وحريته التي لا مفرّ منها”، أي أن العقل قادرٌ حتى في خضمّ انخراطه في الواقع أن يحافظ على استقلاله وتفاعله، قادرٌ على فهم النظام المعرفي للعالم وأيضا فهم الحدث بكل تعقيداته.

الولاء في ظلّ حروبٍ لا تنتهي

يوضح شميت – وهو الأستاذ في حقلي القانون الدولي والدستوري – للقارئ كيف أن هذه الحقول معرضة لخطر السياسي طوال الوقت، فهذه الحقول تطرح أسئلة تقعُ في صميم السياسة الداخلية والخارجية لأي نظام. والفقيه القانوني والباحث المتخصص لن يستطيع تجنب هذا الخطر مهما حاول، كل ما يستطيع فعله هو تخفيفه، وذلك من خلال التموضع في مناطق حدودية تقع بين داخل السياسة وخارجها، أو التخفي قدر الإمكان “داخل التمويهات التاريخية والفلسفية” لحقلي القانون والسياسة.

يرى شميت أن هذه المناطق الحدودية وإن كان من السهل خلقها إلا أنها تصبح ضيقة وخطرة على الفكر الحرّ في فترات الحروب والأزمات السياسية، فهذه الفترات ولاسيما الحروب الأهلية تكون “مروّعة”، لأن الصراع يقع فيها أساساً بين الأخوة، بين أفرادٍ ينتمون إلى ذات “الأسرة” الواحدة  وإلى ذات التنظيم السياسي والقانوني، وما إن يتحول صراع الأخوة إلى حرب، حتى تنفلت الأمور وتصبح حرباً “مطلقة”، فالمتحاربون في هذا النوع من الحروب “يؤكدون وينفون في آن معاً التنظيم المشترك بينهم بشكل مطلق” فباسم العدالة يمارس كل طرف على الطرف الآخر سلطة الحظر النهائي والعداوة المطلقة، والعدالة في هذه الحروب ليست هي العدالة بالمعنى الإلهي التي كانت تدور حولها الحروب الكلاسيكية المقدسة، بل بمفهومها الحديث أي العدالة الوضعية ، وفي زمن القوانين الوضعية يصبح مفهوم العدالة بطبيعة الحال متغيراً ومرتبطاً بالقوى التي تفرض سلطة التشريع.

وهنا تكمن الخطورة. فالمؤسسات القانونية الوضعية تتدخل حتى بعد انتهاء الحرب الأهلية لإرساء ما تظنه عدالةً للأطراف المتحاربة، ولكن الذي حدث تاريخياً هو أن هذه المؤسسات فاقمت من رقعة الحرب الأهلية وأدامتها بأشكال أخرى. فيرى شميت أن المحاكم الشعبية وحملات التشهير والقوائم السوداء لا تنهي أو تقلّص من انتشار الاعمال الإرهابية والانتقامية التي تندلع في أعقاب الحروب الأهلية، بل إن هذه التدخلات “تشحذها” ، حيث إنها جعلت العداء يتصاعد في بعض الحالات إلى درجة أن “أساليب القضاء القانونية استحالت إلى أساليب للإبادة”. وهذا بالتحديد ما يجعل الحروب الأهلية حروباً مروّعة، فالأوضاع بعد الحرب الأهلية لن تكون كما كانت قبلها بأي شكلٍ من الأشكال.

هنا يستدعي شميت خلال بحثه التاريخي أسماء مفكرين كبار ممّن شهدوا وعاشوا فترة الحروب الأهلية في السياق الأوروبي كفرانثيسكو دي فيتوريا، وألبيركو جنتيلي، وهوغو غروتيو،. وهو يختار هذه الأسماء لسبب محددٍ بالنسبة له وهو أنهم “ينتمون إلى ذات المعسكر” الذي يتنمي إليه، ولكنهم، وهنا يضيف “لسنا من ذات الثكنة”. هناك شخصيتان يرى شميت أنهما ينتميان إلى ثكنته، وهو بصورة ما يمثّل امتداداً لهما: الفرنسي جان بودان والانجليزي توماس هوبز. هاتان الشخصيتان الآتيتان من زمن الحروب الأهلية تمثلان بالنسبة إليه “أسماء معاصرة” و“إخوة نشأ معهم في أسرة عريقة أمتدت لقرون طويلة”. فهو عندما يعود إليهما لا لأنهما أسهما إسهامات تنظيرية مهمة في موضوع الدولة والسيادة فحسب، بل لأن هاتين الشخصيتين تمثلان خطاً فكرياً صارماً في التقليد الأوروبي، أراد مفكرنا الألماني على ما يبدو أن يكون خليفتهما في أوروبا القرن الـ ٢٠، فهو عندما يبحث في مسألة الحرب الأهلية، يعود إلى تحليلات هؤلاء تحديداً للتنقيب فيها عن أجوبة للأسئلة التي طرحتها الحرب العالمية عليه وعلى جيله من المفكرين الأوروبيين.

وبين شميت وبودان وهوبز أصولٌ مشتركة فعلاً؛ فكل هذه الأسماء تَشكّل وعيها الفكري في زمن الحروب الأهلية. مع فارق في مواقفهم وشخصياتهم. فجان بودان كان يتعامل أكثر مع مسائل ذات طابع فلسفي ولاهوتي و“غالباً يغامر بالوقوع في خط السياسة”. مع ذلك بقي بودان محايداً في الصراعات والأزمات الحادة، وموقفه هذا ربما قد ساعده في النهاية على بلورة تصوره عن حدود الدولة ذات السيادة. لكنه مع ذلك لم يتطرق قط لمسألة الليفياثان وينظّر لها. فيأسه من الأوضاع السياسة لم يصل به إلى تلك الدرجة. بعد قرنٍ تقريباً، كان يأس هوبز أعمق بكثير من يأس بودان، فاستطاع بذلك أن يفهم طبيعة اللفياثان الحديث ويتعامل معه بواقعية عجيبة برأي شميت.

إن دراية هوبز الكبيرة بأسس القانون العام كانت وراء صياغته المحكمة والدقيقة للغاية لطبيعة العلاقة بين الفرد والصاحب السلطان، العلاقة التي مدارها الطاعة مقابل الأمن. ولعل موقف هوبز من الدين الكنسي وابتعاده عن الجدل اللاهوتي في عصره وانشغاله عوضا عن ذلك بالأزمات ذات الطبيعة السياسية -بعكس اللاهوتي بودان- هو ما جعله يصل إلى هذا الاتساق المفاهيمي لطبيعة الدولة الحديثة ذات السيادة المطلقة. ولكن شميت يلفت نظر القارئ بأن هذا الِنتاج الفكري لهوبز ما كان ليكون بهذا الإحكام لولا اللاهوت، فلولا الكنسية لما وجدت الدولة الحديثة في الأساس ولما تزيّنت “بالزخارف المقدسة”. هذه الزخارف التي استلها فقهاء اللاهوت خفية من الكنيسة أثناء خروجهم منها ونشروها في الشوارع والساحات وعلّقوها على رأس السلطة السياسية.

كان لللاهوتيين إذن دورٌ كبير في تطوّر المفاهيم التي تدور حول الدولة الحديثة، كمفهوم الشرعية والسيادة، بل إن شميت يرى أن عمل رجال اللاهوت النظري لم يتوقف حتى عندما كان “المجال الروحي” يتضاءل لصالح المجال الدنيوي للدولة التي بدأت حينها تكتسي بصفات روحية تنافس فيها الكنيسة. في هذا الجو من الصراع المعلن والخفي بين السلطتين السياسية والدينية ظهرت مصطلحات كالحرب العادلة والمقاومة العادلة. فرجال اللاهوت طوّروا لهم قواعد تمكنهم من مزاحمة رجال السياسية على ما تبقى من السلطة في المجال العام، وهذا ما جعلهم يصكون القواعد التالية: (يجوز تملق الطاغية) (يجوز خداع الطاغية) (يجوز قتل الطاغية)، وفي هذا التدرج في القواعد دلالة مهمة على توتر العلاقة بين الكنيسة والسلطة السياسية حينها. ومع كل ذلك كان رجال الدين يدركون أن واجبهم الأساسي في النهاية هو الحفاظ على النظام القائم قدر المستطاع.

حينذاك كأن رجال اللاهوت قد وقعوا في حيرة من أمرهم، فمن جهة أرادوا أن يبقوا محافظين و“حماة التقاليد والسلطة” بوصف شميت، ولكن من جهة أخرى أرادوا الانضمام إلى الجانب التنويري والتقدمي من التاريخ، أو بمعنى أدق إلى الجانب الدنيوي، وما نقلهم للزخارف المقدسة خارج جدران الكنيسة إلا دليلٌ على رغبتهم في المشاركة في هذا التحول التاريخي، ولكنها رغبة ظلّت دائماً مدفوعة بأمل إخضاع السياسي لمنطق اللاهوت الديني، رغبةٌ تلاشت في النهاية عندما حُسم الأمر لصالح الدولة العلمانية-الحديثة التي استطاعت أن تُخضع كل المجالات لمنطقها حصراً.

إن ما قدمه كل من جان بودان وتوماس هوبز، لا يمكن فهمه إلا ضمن هذا الصراع الفكري المرير الذي مرت به أروبا في القرنين الـ ١٦ والـ ١٧. خرجت هاتان الشخصيتان من هذا الصراع محملتين برؤية نقدية عميقة للمسائل الدينية الإنجيلية، ولم تنتقل إلى البحث في مسألة الدولة بدافع “الغطرسة، بل بدافع اليأس”. فرجال السلطة ورجال الدين اشعلوا حروباً أهلية ابتلعت كل شيء تقريباً، وحين قدّم هؤلاء المفكرون أفكارهم للخروج من مأزق الحرب شن الجميع عليهم حرباً شرسة كادت تودي بحياتهم. فرجال الدين أطلقوا عليهم وصف الملحدين والفلاسفة والتنويريين بدورهم اعتبروا أن جان بودان وتوماس هوبز مجرّد منافقين وانتهازيين. (التهم نفسها التي اتهم بها شميت)

لهذا ينهل شميت من تحليلات بودان وهوبز. والأخير بالتحديد هو من سمح لشميت بالنظر إلى الدولة الحديثة بنظرة ازدواحية، فالدولة من جهة هي الإله، السلطة المطلقة، وحامية الناس. ومن جهة هي الليفياثان، والوحش، والآلة. هذه النظرة مكّنته من الوقوف على الجذور غير العقلانية في هذا الجسم العقلاني، ومكّنته أيضاً من إدراك حقيقة مهمة للغاية وهي أن السلم الذي سعى هوبز إلى ضمانه من خلال السلطة المطلقة لم يكن في الحقيقة “سلاماً دائماً”، بل كان سلاماً عابراً لإعادة تنظيم حروب الليفياثان التي لا تنتهي (الحروب الشميتة بمعناها الواسع). فدولة هوبز هي دولة مليئة بالتناقضات والمخاطر، تواجه الحروب أكثر ممّا ترسي السلام. ولكنها دولة في النهاية -وهنا يكون شميت مديناً لهوبز- رسّخت مبدأ السيادة ولم تجعل أي سلطة أخرى تنازعها عليه.

ورغم هذا التشابه بين الاثنين، يظلّ هناك اختلافٌ مهم يجب على القارئ استحضاره هنا، وهو أن السيادة عند هوبز تتأتى من العقد الاجتماعي والذي بموجبه يتنازل الأفراد عن حقوقهم كاملةً لصاحب السلطان، بينما السيادة عند شميت لا تكون إلا لمن يملك فرض القرار السياسي والقانوني. وهذا الفرق بين هوبز وشميت في النظر إلى مشروعية السيادة ليس هامشياً، بل هو السبب الأساس في نقل شميت لولائه السياسي في ١٩١٩ من الرايخ الثاني إلى جمهورية فايمار، ومن ثم إعلانه ولائه للنازيين عندما تولوا مقاليد الحكم في ١٩٣٣. أي أنه اختلف عن هوبز في بعض تفاصيل السيادة ولكنه في النهاية يظلّ متأثراً بالارتباط الهوبزي بين الأمن والطاعة. واللافت هنا، أنه يذهب أبعد من هذا في مسألة الأمن، فأمن شميت ليس هو الأمن الذي يتبادر فوراً إلى أذهاننا، لأن هذا الارتباط عنده يظلّ قائماً حتى في حالات الفوضى والحروب. ويضع شرطاً واحداً فقط لانفكاك الارتباط “عندما تصبح الأمور غير واضحة لدرجة أن المرء لم يعد يعرف أين يقف أقرب أصدقائه” حينها فقط “يحدد المرء حدود ولائه بنفسه”. بمعنى أن الأمن عنده يتحقق بمجرد معرفة أين يقف الصديق وأين يقف العدو، هذا التمييز هو الأمن الذي ينتج عنه طاعة صاحب السيادة.

خاتمة

عنون شميت مذكراته بـ (الفرار من الأسر)، وللعنوان دلالةٌ دون شك، فهو لم يكتب هذه النصوص لأنه لم يجد ما يفعله خلال فترة مكوثه في المعتقل، ولم يرغب في تقديم اعتذار أو تعبير واضح عن الندم ، بل كتبها لأنه أدرك أن سمعته مفكراً ومنظّراً قانونياً قد تضررت بسبب مواقفه السياسية، وأن مؤلفاته ما قبل الفترة النازية قد يطالها هذا الضرر. فاستغل فترة المعتقل للتشكيك في قدرة المعسكر المنتصر على تقدير تبعات خطة مورغنثاو التي وصفها بـ “سيئة السمعة” ، ومسلطاً الضوء في ذات الوقت على أفكاره ونبوءاته حول الحرب الأهلية (هذه الحرب التي كانت تدور رحاها وقتئذ خارج زنزانة المعتقل؛ اعتقالات بالجملة، فصل وتسريح من الوظائف، تحويل ألمانيا إلى أرض للمعتقلات).

وفي رأيي أن هذه المذكرات مهمة لسببين؛ أولاً لأنه قدم إطاراً سياسياً وتاريخياً مهماً لفهم كيف أن وقوع الحرب العالمية في السياق الأوروبي كانت مسألة حتمية، وكيف أن مفكري عصره كانوا منشغلين باللحظة النازية لمحاولة إيجاد تفسيرٍ لها، بينما كان يجب أن ينشغلوا بفهم السياق التاريخي التراكمي للأحداث السياسية. أما السبب الثاني، هو أن المذكرات تقدم إطلالة مغايرة على أفكاره. فقرّاء هذا المنظّر القانوني غالباً ما عرفوه من خلال كتبه الفكرية الصاخبة التي ظهر فيها مفكراً مثيراً للجدل، لكن في هذه المذكرات يظهر شميت الألماني ابن جيله وبيئته، ابن أوروبا القديمة التي كانت تحاول حينها مقاومة أفولها، لذا نراه يحشد التاريخ ويدخل في حوار معه، ويقوم بمكاشفات فلسفية معمقة، ويستشهد بالأدب والشعر مطولاً .. أي أنه تحدث عن كل شيء تقريباً إلا عن الحدث السياسي الآني الذي أدى إلى اعتقاله.

لهذا يسارع أندريس كاليفاس و فيديريكو فنكلشتاين في تقديمهما للطبعة الإنجليزية من المذكرات للتأكيد بأن شميت “هزم بوصفه ألمانياً، وفقيهاً للرايخ، وأوروبياً -محافظاً-“، وهذا وصفٌ يستحقه شميت بلا ريب. ولكن في مقابل هذه الهزائم، فإن شميت انتصر بجدارة في ترسيخ نفسه في قلب المشهد الفكري والسياسي المعاصر لأوروبا، فهو استطاع أن يخطّ لنفسه خطا يتناسب مع فترة ما بعد الحرب العالمية، ففي هذه النصوص لا نجده يخاطب من خسروا الحرب وهو ما قد يظن القارئ للوهلة الأولى، ولم يكن حتى يوجه حديثه للمعسكر المقابل، بل كان يخاطب من أرادوا أن يفهموا حقيقة ما حدث، أولئك الذين يمكن أن يكونوا حملة الأفكار، من سيفهمون منطلقاته الفكرية والقانونية، ومن سيقومون بالتالي بإعادة أحياء إرثه الفكري عوضاً عنه، ولا أدلّ على انتصار شميت هذا إلا حركة الترجمة التي صارت لكتبه في أواخر حياته. واليوم ثمة أعلام فكرية كبيرة في تخصصات مختلفة تستشهد في مؤلفاتها بأفكاره حول الليبرالية، والناموس، والحرب الأهلية، وحالة الاستثناء متحاشية قدر الإمكان الحديث عن موقف شميت من النازية.

بتعبير آخر، لو أنه اعتذر في هذه النصوص، أو تحدث بصراحة عن موقفه من النازية وقدم اعتذاراً يليق بضحاياها لحكم فوراً على مؤلفاته بالنسيان. فالاعتذار كان سيعني الانضمام إلى أوروبا المهزومة والاعتراف بكارثية مواقفه السياسية. لذلك نراه يفرّ من السياسة التي وضع نفسه أسيراً لها إلى رحاب الفكر والتاريخ. هنا فقط يتضح للقارئ المعنى الكامن وراء المقولة التي استشهد بها في بداية المذكرات .. “يبقى العقل عقلاً حتى في زلاّته” .. فهذا العقل الذي جنى عليه هو ذاته العقل الذي خلّصه.

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.