التأسيس ليوم التأسيس: نزع الوهابية من التاريخ السعودي

هالة مصعب

كاتب المقالة

هالة مصعب

بقلم: هالة مصعب

قرون ثلاثة مضت لم يكن فيها أي اهتمام سعودي بيوم وصول جد الأسرة الحاكمة محمد بن سعود لحكم الدرعية السابق على تحالفه مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعقدين، فكل التأريخ السعودي كان يبدأ من لحظة التحالف هذه، وفجأة بلا مقدمات قررت السعودية الاحتفاء بعيد وطني جديد تحت مسمى “يوم التأسيس” تحتفل فيه البلاد بذكرى وصول محمد بن سعود لحكم الدرعية وعدّته يوماً لتأسيس الدولة السعودية.

نتائج هذه السردية الجديدة تبدو جليّة في خطاب “المثقف الرسمي” في السعودية، فالأكاديمي والكاتب السعودي البارز تركي الحمد يقول إنه “من الملاحظ أن (يوم التأسيس) هو يوم تولي محمد بن سعود مقاليد الحكم في الدرعية، وليس يوم الاتفاق التاريخي اللاحق بين الأمير والشيخ، وهذا تأكيد على مدنية الدولة في جذورها الأولى، فقد جاء الشيخ إلى الدرعية مستنصرا وليس داعما أو مؤسسا، وهذا يحل كثيراً من الإشكالات حول طبيعة الدولة”. ويوضح الأمر الملكي بخصوص الاحتفال الجديد أن يوم التأسيس هو “بداية تأسيس الإمام محمد بن سعود قبل ثلاثة قرون، في منتصف عام 1139هـ (1727م) للدولة السعودية الأولى” والحساب الرسمي ليوم التأسيس على تويتر لم يذكر في أي تغريدة كلمة واحدة عن القرآن والسنة ولا عن الشيخ محمد بن عبدالوهاب ولو مجرد هامش على قصة التأسيس الجديدة، وتستضيف صحيفة الشرق الأسط المؤرخ راشد بن عساكر الذي أكد السردية الجديدة وينسب الفضل للملك سلمان “المؤرخ الأول” وولي عهده، ووكالة الأنباء السعودية تمحو الشيخ ودعوته تماماً من السردية، والموقع الرسمي لوزارة الخارجية يحكي قصة تأسيس الدولة السعودية دون أي ذكر للشيخ ابن عبد الوهاب وتحالف الدرعية، إلخ الأمثلة.

تهميش الشيخ محمد بن عبد الوهاب من السردية الرسمية الجديدة مقابل آل سعود وتهميش عام التحالف والبيعة مقابل عام الوصول للحكم يناقض كل الأدبيات السعودية الرسمية كما سنرى في هذا المقال، وسنستعرض آراء أهم المؤرخين السعوديين حول قصة تأسيس الدولة السعودية الأولى وكيف أن أيّا من هؤلاء المؤرخين لم يذكر أبداً هذه القصة الجديدة التي تروج اليوم.

سردية التأسيس

سردية التأسيس هذه تضع العام 1139هـ مركزاً للهوية السعودية وانطلاقها في مقابل البدء المعتاد بالعام 1157هـ الذي حصل فيه التحالف بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأمير الدرعية محمد بن سعود بعد أن اضطر الأول للخروج باحثاً عن نصير لرؤيته الدينية الجديدة. السردية الحديثة تقول صراحة إن تاريخ تأسيس السعودية سابق على ابن عبد الوهاب ودعوته ورؤيته، فالشيخ ليس سوى شخصية من عدة شخصيات جاءت أثناء مسيرة الدولة التي أسسها ابن سعود والتي بدأت بذرتها الأولى لدى الجد الأكبر مانع المريدي قبل ثلاثة قرون سابقة عليه، وهو شخصية صُدّرت مؤخراً لإعطاء الشعور باستمرارية طويلة وقديمة لمشروع الدولة السعودية.

لعل أول تعبير عن هذه السردية الجديدة ظهر في تصريحات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في لقاءه مع صحيفة الأتلانتك في ابريل 2018. في هذا اللقاء، قال ولي العهد أن “أُسرتنا، قبل 600 سنة، أنشأت بلدة من الصفر تُسمى الدرعية، قبل إنشاء الدولة السعودية الأولى” مؤكداً أن فكرة المشروع السعودي كانت دوماً “أنك تحتاج إلى جميع العقول العظيمة في شبه الجزيرة العربية -الجنرالات، وقادة القبائل، والعلماء – الذين يعملون معاً. وكان أحدهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب. لكن أساسنا يستند إلى إيمان الناس ثم تأمين المصالح كافة”. نجد في هذا التعليق المهم إعادة موضعة لموقع الشيخ في الرواية التاريخية ونقله من صلبها إلى أحد هوامشها المتنوعة وجعله مجرد شخصية تقاطعت يوماً ما مع مسار الدولة الذي بدأ قبل الشيخ واستمر بعده. لكن المصادر الأولية لا تدعم هذا مطلقاً ولا يدعمه كذلك التراث الكبير الذي أنتجه مؤرخو السعودية.

الشيخ لم يكن مجرد شخصية جانبية هامشية، بل كان منخرطاً بعمق في النشاط السياسي، فعثمان بن بشر مؤرخ الدولتين الأولى والثانية وأحد أهم المصادر الأولية لتلك الحقبة ينص على أنه “كانت الأخماس والزكاة وما يجيءُ إلى الدرعية من دقيقِ الأشياء وجليلِها تُدفَعُ إليه- أي إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب- بيده ويضعُها حيث يشاء. ولا يأخذ عبد العزيز (= ابن الأمير الأول محمد بن سعود) ولا غيرُه من ذلك شيئًا إلا عن أمرِه، بيَدِه الحَلُّ والعقدُ، والأخذ والإعطاء، والتقديم والتأخير، ولا يركب جيشٌ ولا يصدُرُ رأيٌ مِن محمد وابنِه عبد العزيز إلَّا عن قوله ورأيه. فلما فتح اللهُ الرياض واتسَعَت ناحية الإسلام وأمِنَت السبُلُ وانقاد كل صعبٍ من بادٍ وحاضر، جعل الشيخ الأمرَ بيد عبد العزيز وفوَّض أمور المسلمين وبيتَ المال إليه. وانسلخ منها ولَزِم العبادةَ وتعليم العِلمِ، ولكن ما يقطَعُ عبد العزيز أمرًا دونه ولا ينفِّذُه إلا بإذنه”، وكان هو من نهى الأمير عبد العزيز عن تولية أخيه عبد الله على الرياض بعد سقوطها و”أنكر ذلك وأعظمه  وقال: هذا قدح وغيبة لإمام المسلمين”. لم يكن الشيخ مجرد داعية، ولا كان شخصاً هامشياً بل لعب دوراً أساسياً في الحرب والسياسة والاقتصاد وكانت أيديولوجيته التي حملها أتباعه من بعده من أهم أركان استمرار المشروع السعودي بعد وفاته وامتد للدولة السعودية الثانية وكذلك – ولو بشكل أقل – لإنشاء الدولة الحالية كما سأوضح أدناه.

ضمن هذه الجهود عُدلت مناهج التاريخ المدرسية التي صارت تقول بأن محمد بن سعود حين تولى إمارة الدرعية  “وضع في خطته أن تكون الدرعية منطلقاً لبناء دولة أكبر وأوسع تحقق الأمن والاستقرار في شبه الجزيرة العربية” وهذه السردية التعديلية غير صحيحة – من ناحية تاريخية بحتة – ولا يوجد دليل يسندها، بل حتى رؤية الشيخ بن عبد الوهاب حين تحالف مع أمير العيينة ثم حين تحالف مع أمير الدرعية كانت – كما تخبرنا المصادر الأولية – مقتصرة على نجد في بادئ الأمر وليس لها امتدادات لباقي الجزيرة العربية، و”من الواضح أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رأى منذ بداية دعوته أن مجال نشاطها منطقة نجد” كما يقول المؤرخ عبد الله العثيمين.

الرواية التاريخية في الأدبيات المحلية والوطنية

محورة العام 1139هـ بدعة دخيلة تماماً على أدبيات التأريخ الرسمي بالسعودية ومناقضة له، فالرواية التي كررت منذ أول تأريخ سعودي (تاريخي ابن غنام وابن بشر) إلى اليوم تبدأ دوماً عند التحالف عام 1157 هـ لحظة للتأسيس.

فلنعود لتفحص بعض هذه الأدبيات، فعبد الله العثيمين أحد أبرز المؤرخين المعتمدين في السعودية في كتابه “تاريخ المملكة العربية السعودية” الجزء الأول يذكر أن من تناولوا التاريخ السعودي اعتادوا أن يقسموه “إلى ثلاثة أدوار يبدأ الأول منها بالمبايعة التي تمت بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود ..” فهو يؤكد شيوع هذه السردية، ثم يمضي فيتبناها ويؤكد مصداقيتها وأنه بعد الاتفاق بين الشيخ والأمير “على هذا الأساس قامت دولة جديدة في المنطقة هي الدولة السعودية الأولى” ثم صار الشيخ يراسل رؤساء البلدات وشيوخ القبائل في نجد “لينضموا إلى الدولة الجديدة التي قامت على أساس دعوته”.

أوضاع نجد المضطربة لثلاثة قرون وتتالي الأمراء على بلداتها الصغيرة يجعل من تولي محمد بن سعود إمارة الدرعية حدثاً عادياً لا حدثاً تأسيسياً لمشروع ما، فالمتأمل في تاريخ الأسرة السعودية منذ استقرار جدها مانع المريدي في الدرعية حتى تولي محمد بن سعود “يرى أنه مشابه بصفة عامة لتاريخ كثير من الأسر التي كانت تحكم بلدان نجد في تلك الفترة، وكانت هذه الأسرة ضعيفة، ثم قويت وتوسع نفوذها” كما يقول العثيمين، الذي يؤكد في كتاب آخر عنوانه “بحوث وتعليقات في تاريخ المملكة العربية السعودية” :

” .. قد مرت هذه الإمارة خلال ثلاثة قرون من نشأتها بما مرت به كثير من الإمارات النجدية حينذاك من فترات ضعف وقوة وانقسامات داخلية، لكن عظمة تاريخها بدأت من وقوف الأمير محمد بن سعود مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب سنة 1157 هـ لنشر الدعوة الإصلاحية”  

إذا راجعنا أيضا ما كتبه منير العجلاني في كتابه “تاريخ البلاد العربية السعودية” نجد أنه قال “ولكننا إذا أردنا الوقوف على دلالة اسمها ورايتها وأسرتها الحاكمة قلنا: إنها تبدأ منذ عام 1157 هـ. ففي هذا العام جاء إلى الدرعية الشيخ محمد بن عبد الوهاب … واتفق مع صاحب الدرعية: الأمير محمد بن سعود، على حماية الدعوة ونشرها، ووضعا معاً أساس حكم إسلامي خالص من كل شائبة، وبذلك نشأت: الدولة السعودية الأولى” ثم كرر هذه السردية في مواضع أخرى من الكتاب.

نفتح كتاب “محاضرات في تاريخ الدولة السعودية الأولى” لعبد الفتاح حسن أبو علية لنجد نفس الرواية حيث “يبدأ ظهور الدولة السعودية الأولى في السنة التي انتقل فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب صاحب الدعوة السلفية من بلدة العيينة إلى بلدة الدرعية في عام 1157 هـ” ويقول أيضاً أنه “قامت الدولة السعودية الأولى على أثر اتفاق الدرعية الذي تم بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود” وبهذه الاتفاقية “تم تشكيل الدولة السعودية الأولى”

وعلى نفس المنوال يقول أمين سعيد في “تاريخ الدولة السعودية” أن كتابته “سجل جامع لأخبار الدولة السعودية الأولى منذ نشأتها الأولى في نجد عام 1158 هـ” – يقصد 1157 هـ – ويضيف أنه قد “اعتبر المسلمون يوم وصول صاحب الرسالة المحمدية إلى المدينة، مبدأ التاريخ الإسلامي … ولا تثريب علينا، أخذا بهذه القاعدة، إذا اعتبرنا يوم وصول الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى الدرعية، وعقده اتفاقه مع محمد بن سعود، هو يوم نشأة الدولة السعودية، ويوم ظهورها وميلادها”.

هذه مجرد عينات ونماذج من إرث تأريخي متراكم يجمع على نفس السردية، وهو نفسه الذي تبنته الدولة ومناهجها ومسؤوليها دائماً وبشكل متواصل إلى عهد قريب جدا.

محورية الدعوة الوهابية عند ملوك السعودية

حمل الملك عبد العزيز الدعوة الوهابية ورجالها في صلب مشروعه واستعملها بنجاح في تجييش الأنصار لكن مشروعه اختلط بوضوح أيضاً بعنصر العصبية وفكرة استعادة ملك الآباء والأجداد وبدء مجال سعودي سياسي يحمل بذور افتراق عن المجال الديني الوهابي.

بالنسبة للدولتين الأوليين، لا خلاف على ارتباطهما بالنهج الوهابي أساساً للانطلاق حتى مع محاولة إعادة ترتيب تاريخها كرونولوجياً بحيث يبدأ بشكل غامض مع مانع المريدي الذي لا نكاد نعرف عنه شيء ثم يقفز 300 سنة إلى محمد بن سعود ويجعل توليه الحكم هو الحدث المفصلي والمنطلق الوحيد للتاريخ السعودي. مهما تغير الترتيب فارتباط الدعوة بالدولة لا شك فيه والأدلة عليه كثيرة جداً. فماذا عن للدولة السعودية الثالثة ومؤسسها الملك عبد العزيز ومحاولة تغيير قصته إلى قصة وطنية معلمنة منزوع منها الدعوة الوهابية؟

نشرت دارة الملك عبد العزيز خطاب الملك عبد العزيز عام 1931 بحضور حفيد السلطان العثماني الذي قال فيه الملك “لقد أوذينا في سبيل الدعوة إلى الله وقوتلنا قتالًا شديدًا، ولكننا صبرنا وصمدنا، إن أعظم من حاربناهم أجداد هذا الرجل (يقصد حفيد السلطان العثماني)، ولم يقاتلونا إلا لأننا امتنعنا أن نقول للسلطان بأننا (عبد أمير المؤمنين)”. وفي “مأدبة ملوكية” رسمية عام 1933 وصف الملك عبد العزيز نفسه بأنه “مبشر أدعو لدين الإسلام، ولنشره بين الأقوام” وبأنه “داعية لعقيدة السلف الصالح” وانتقد المسلمين الذين “ينقمون علي لأني أدعو لعبادة الله عبادة خالصة”. لقد كان عبد العزيز يستغل مناسبات رسمية لتصوير نفسه حاملاً راية “التوحيد” ضد “الشرك” و”البدع” بل لا يمكن فهم الزخم العسكري الذي طوعه دون فهم البذرة الأيديولوجية التي استعملها في تجنيد المقاتلين. وفي خطاب شهير له خاطب الفرق النجدية إثر أزمة سياسية قائلاً “تفهمون إنا ولله الحمد سادتكم وأبناء سادتكم، ملكنا بالله ثم بكلمة التوحيد والسيف” ويزداد حدة وهو يسألهم “هل منكم من أحد -إلا الأقل- لم تلعب في رقاب آبائه وأجداده سيوفي وسيوف آبائي وأجدادي من قبل؟” فلم يكن يجد غضاضة أيضاً في خطاب العنف، ولو رجعنا إلى المزيد من تصريحاته وتصريحات رجاله لوجدنا التفاخر بـ”التوحيد” أساساً لحراكهم السياسي العسكري والتفاخر بالعنف وسيلةً للإخضاع – بما في ذلك تدمير الآثار الإسلامية المنافية في نظرهم للتوحيد – شائعاً ومطرداً بل واستمر في عهود الملوك من أبنائه بما لا يسمح ببناء سردية انتقائية منقحة إلا عن طريق التعديل التزويري المتعمد.

​كان شعار نشر التوحيد ومحاربة الشرك هو الأساس الذي قامت الدولة السعودية الأولى بتبنيه بشكل كامل في حروبها الطويلة، وتبنته الدولة السعودية الثانية كذلك، ثم تبناه الملك عبد العزيز – ولو بشكل أقل إلحاحاً – في تأسيسه للدولة الثالثة الحالية على عكس ما يُروّج من أن مشروع الملك عبد العزيز منقطع الصلة عن المشروع الأساسي المرتكز على الدعوة الوهابية وأنها (=الوهابية) ليست سوى “أيديولوجيا دينية ساعدت الدولة السعودية الأولى في التوسع […] وبعد ذلك انتهت مهمتها التاريخية” كما يقول تركي الحمد.

ومن الملك عبد العزيز إلى الملك سلمان الذي عرف من سنوات طويلة بجهوده التأريخية المتعددة، وقد قال قبل توليه للملك أنه “ليس غريبا أن يكون مانع المريدي بقرب أو بوسط وادي حنيفة وادي الأجداد البعيدين لكن الشرف والشرف الأكبر هو عندما التقى الإمامان .. عندما رحل الإمام محمد بن عبدالوهاب وجاء الإمام إلى الأمير محمد بن سعود في الدرعية .. هنا كان اللقاء الخيّر .. لقاء الخير والبركة .. لقاء لا إله إلا الله محمد رسول الله .. فلقد كانت سنة 1157هـ سنة تاريخية سنة بركة عندما التقى الإمامان وتعاهدا على أن الدم بالدم والحد بالحد .. هنا بدأ التاريخ .. التاريخ الحقيقي لهذه البلدة .. بل التاريخ الحقيقي بعد العصر الإسلامي الأول لهذه الجزيرة العربية”، وقال في مناسبة أخرى أن “شرعية هذه الدولة هي في منهجها وتاريخها الطويل الذي بدأ ببيعة شرعية للالتزام بالدين الصحيح منهجاً ومسلكاً” معيداً بدايتها للحظة البيعة لا إلى لحظة تولي بن سعود حكم الدرعية، لحظة البيعة التي قال سلمان عنها أنها أصبحت “ركناً أساساً من أركان الدولة السعودية إلى اليوم”، وهو نفسه القائل أنه قد “تأسست الدولة السعودية على المبادئ ذاتها متأسية بتلك الدولة الإسلامية الأولى وأسسها العظيمة التي تقوم على راية التوحيد، وتدعو إلى الدين الخالص من أي ابتداع”.

هذا التبدل بين المتن والهامش شديد الوضوح، فالسردية الجديدة تتناقض مع تراكم طويل للأدبيات السعودية التاريخية المختلفة والتي كان الملك سلمان من أبرز قادتها في العصر الحديث وهو الذي قال في 2005 إنه قد “قامت هذه الدولة على دعوة التوحيد عندما قام الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بهذه الدعوة وتعرفون ما صادفه من عقبات ومشاق في سبيل هذه الدعوة وكرَّم الله الإمام محمد بن سعود فسانده وعاضده هو وأبناؤه وأحفاده حتى هذا اليوم” لقد كانت القصة تبدأ ” بابن عبد الوهاب والصعوبات التي واجهها ثم كرم الله ابن سعود وذريته إلى اليوم بنصرة هذه الدعوة”. والذي يعنينا هنا ليس فقط التناقض من حيث إنه تناقض وإنما من حيث كونه دليلاً على التغيير المستمر في الرواية الرسمية وهو ما سنبحث أسبابه في مقال آخر.

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *