معضلة الشقيقة الكبرى

علوي المشهور

كاتب المقالة

علوي المشهور

كاتب من سلطنة عمان.

لن يكون من المبالغة القول أن أهم حدث جيوسياسي شهدته شبه الجزيرة العربية في آخر ثلاثة قرون هو قيام الدولة السعودية الأولى في ١٧٤٤م. فهذا الكيان السياسي توسع بشكل مطرد في ثلاثة مراحل تاريخية ليقضي على كثير من الدول والإمارات والمشيخات التي كانت موجودة في المنطقة مثل إمارة بني خالد في شرق شبه الجزيرة العربية والهواشم في غربها -بالحجاز- ويدفع بما تبقى منها للحواف والأطراف؛ وخريطة اليوم خير شاهد على ذلك. ورغم أن الحدود ظلت شبه ثابتة في فترة الدولة السعودية الثالثة نتيجة لاستقرار النظام العالمي -نسبياً- ورفض عمليات الاحتلال والتمدد من قبل الأمم المتحدة، واستقلال دول الخليج الأخرى وما لحقه من تحسن للعلاقات وتشكل لمنظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية في ١٩٨١م، إلا أن موازين القوى بقيت مختلة بشكل واضح بين السعودية -الشقيقة الكبرى- وباقي دول الخليج. هذا المقال يحلل خلفيات الصراع السياسي وجذوره بين دول مجلس التعاون، ويبين المُعضلة البُنيوية في فارق القوى بين السعودية وبقية دول المنطقة. ويقترح حلَان لهذه المعضلة: إنشاء مؤسسات فاعلة -بناءً على النظرية النيوليبرالية المؤسساتية في العلاقات الدولية- مثل المحكمة الخليجية لحل النزاعات بين الدول الأعضاء والبرلمان الخليجي لتمكين الشعوب من المشاركة، وكذلك توسيع مجلس التعاون بضم أعضاء جدد وهم الأردن واليمن والعراق لكونهم امتداد طبيعي لشبه الجزيرة العربية وعمق استراتيجي لدول الخليج. وهذه الحلول ستمنع هيمنة دولة واحدة على القرار -نتيجة وجود المؤسسات- وتقلل من مخاوف الدول الأخرى وتحقق نوع من توازن القوى بين الدول الأعضاء بعد التوسع.

يتوهم البعض أن العلاقة بين دول الخليج يغلب عليها طابع الاحترام المتبادل وحسن الجوار، وأن الاستثناء هي الأزمات التي تحصل بين الحين والآخر مثل الأزمة الخليجية الأخيرة مع قطر. ولكن في الواقع مسببات الصراع في المنطقة عميقة، وهي نتيجة خلل في موازين القوى بين السعودية وبقية دول الخليج. فمن جهة، تستحوذ السعودية على ٨٠٪ من مساحة دول المجلس، ومن جهة أخرى عدد سكانها يتجاوز بقية الأعضاء مجتمعين، حيث بلغ في نهاية ٢٠١٨ أكثر من ٣٣ مليون نسمة. واقتصادياً ناتجها المحلي الإجمالي لا يقارن ببقية دول المنطقة وهي ضمن مجموعة العشرين. وعسكريا إنفاقها هو الأكبر في الخليج ومن بين الأعلى عالميا إذ يصل ل 67.6 مليار دولار في 2018. ولكل هذه الأسباب فإن طموحها السياسي ونزعتها التوسعية هي مسألة حتمية أكثر من كونها خيارات شخصية للملوك والحكام، قد يتم كبح جماحها أحيانا نتيجة بعض الظروف الخارجية مثل وجود قوى كبرى في المنطقة -بريطانيا ومن ثم أمريكا- أو الانشغال بالشأن الداخلي، ولكن سرعان ما تعود هذه النزعات بمجرد وجود فراغ في المنطقة لتملأه بشكل طبيعي مما يدفع الدول الأخرى للتوجس والحذر من أي مشروع وحدوي في الخليج.

شواهد من تاريخ الدولة السعودية الأولى والثانية:

عند الحديث عن الأزمات الخليجية لابد من التوضيح بأن أزمة قطر مع السعودية لم تكن الأولى، فهنالك صراعات كثيرة في التاريخ القديم والحديث تعبر عن هذا الخلل في توازنات القوى. مثال على هذا التوسع الذي حصل في فترات الدولة السعودية الأولى والثانية والتي لازالت أحداثها باقية في ذاكرة حكومات وشعوب المنطقة. ظلت السعودية مستمرة كمهدد لديه القدرة والرغبة والجاهزية للتمدد وبسط النفوذ على محيطها الجغرافي. من الشواهد التاريخية على ذلك الحملات العسكرية لمطلق المطيري -أحد أهم أمراء الإمام سعود- على عُمان، حيث كاد يقضي على حكم آل سعيد وقد امتد نفوذه من البريمي إلى صور -وإن تخلل ذلك بعض الارتدادات- وقبره إلى اليوم موجود في عمان. تراجع هذا التوجه مؤقتا بسبب الحضور البريطاني في الخليج خلال القرن التاسع عشر وانشغال السعودية بحروبها مع الدولة العثمانية التي قضت على الدولة السعودية الأولى (1744-1818) والانشقاقات والخلافات الداخلية التي تسبب بسقوط الدولة السعودية الثانية (1818-1891).

قد لا تكون الدولة السعودية الثالثة امتدادا مستمرا لما قبلها -فهنالك فترات انقطاع-، وبطبيعة الحال الظروف الجيوسياسية في المنطقة والعالم كانت تتغير مع الوقت، ولكن ما كانت الدولة السعودية الثالثة لتقوم لولا البناء على ما يُسمى بـ”الشرعية التاريخية” والوجود السابق لها في المنطقة وفي الذاكرة الحية للقبائل خصوصا في نجد وما حولها. وحتى لو تم اعتبارها كيانا منفصلا عما قبله، فهي في وعي حكومات الخليج الأخرى تمثل استمرارية لما قبلها ولذلك تتوجس وتتخوف من النزعات التوسعية لديها. وهذه حالة طبيعية في كثير من مناطق العالم، هذه التحفظات موجودة مثلا إلى اليوم في نظرة بعض الدول الأوروبية إلى المانيا -خصوصا بعد اتحاد شرقها بغربها وسقوط جدار برلين- فرغم أن النظام الحالي على قطيعة تامة بالنازية والمانيا القيصرية إلا أن هنالك تخوفات دائمة من قدرة المانيا على التوسع بسبب فارق توازنات القوى مع محيطها الأوروبي، وفعليا التوجس لازال حاضرا لولا وجود المؤسسات مثل الناتو أمنيا وعسكريا، والاتحاد الأوروبي سياسيا واقتصاديا والذي به أكثر من قطب مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا -وبريطانيا سابقا- وكذلك تكتلات وتحالفات بين أقاليمه مثل دول شرق أوروبا ودول البحر المتوسط والدول الإسكندنافية.

عودة الصراعات مع الدولة السعودية الثالثة:

حتى بعد قيام الدولة السعودية الثالثة على يد الملك عبد العزيز آل سعود عادت النزعة التوسعية لتظهر مباشرة، وبرز ذلك جليا في الحرب النجدية الكويتية التي استمرت لعامين (1920-1922). ورغم توقيع معاهدة العقير بعدها إلا أن الخلافات على حقول النفط في المناطق الحدودية المحايدة ظلت قائمة. والصراع مع عمان والإمارات حول واحة البريمي وما تلاه من مشاكل مع الإمارات حول حقل نفط الشيبة -التابع للسعودية- والذي تبلغ إنتاجيته حاليا مليون برميل أي ما يفوق إجمالي ما تنتجه سلطنة عمان من النفط يوميا. وكذلك خور العديد الرابط بين قطر والإمارات حيث منعت السعودية الإماراتيين من دخول أراضيها ببطاقات الهوية -عندما تغيرت حينها لتشمل خور العديد-. وكادت العلاقات أن تنقطع بين البلدين في 2010 بسبب خلاف على الحدود البحرية. بل وصل الأمر إلى رفض السعودية إقامة جسر بحري بين قطر والإمارات بحجة أنه يمر في مياهها الإقليمية. والمخاوف السعودية استمرت لتشمل تحفظها على التعاون العسكري القطري الأمريكي المتمثل في قاعدة العديد أكبر قاعدة جوية لأمريكا في الخارج، وقاعدة الريان التركية والتي تسعى من خلالها قطر أن تخلق توازن بين القوى في المنطقة خوفاً من الهيمنة السعودية. حتى البحرين التي تعد أقرب دول المنطقة للسعودية وأكثرها احتياجا لها تعرضت لانتقادات لاذعة من الرياض حينما وقعت اتفاقية التجارة الحرة مع أمريكا حيث صرحت في 2004: “إن مثل هذه الاتفاقيات الثنائية ستعرقل الجهود لتوحيد اقتصادات دول الخليج”. ورغم العلاقات القوية بين البلدين وترحيب البحرين بفكرة الاتحاد الخليجي والكونفدرالية مع السعودية إلا أنها ظلت على أرض الواقع غير مستعدة للمضي قدماً في هذا المشروع خوفاً من فقدانها لسيادتها وذلك بسبب عدم وجود تكافؤ للقوى بين الطرفين. وهذا يشمل الدول الخليجية الأخرى التي كانت تُظهر تقبلها لفكرة الإتحاد، إلا أنها عمليا لم تخطو أي خطوة نحو تحقيق ذلك.

بناء على هذا، يمكن القول بأن هنالك حالة من القطبية الأحادية في مجلس التعاون الخليجي؛ تتصدر من خلاله المملكة العربية السعودية بثقلها السياسي والاقتصادي والديني دول المجلس، وغياب لدور المؤسسات الفاعلة التي تحفظ التوازنات والحقوق للدول الأصغر حجما مما يجعلها تعيش حالة من الحذر والتخوف من أي مشروع وحدوي في المنطقة. والنتيجة لكل هذا تعطل عمل المجلس وعدم القدرة على تحقيق التعاون المشترك أو حل الخلافات البينية، وحتى بالنسبة للسعودية هذا الحال يجعلها تخسر التأثير الطبيعي لها على محيطها نتيجة الجو العام الذي يسوده الريبة والتوجس مما يجعل الدول الأصغر تتحالف مع قوى أخرى مثل تركيا وإيران أو بعض القوى الغربية لحفظ التوازن في المنطقة.

قد يقول قائل بأن تحليل خلفيات الصراع في الخليج لمجرد وجود خلل في موازين القوى غير كافٍ فهنالك حالات أخرى مشابهة في العالم مع فارق أكبر في القوى، ولكن لا تعاني من نفس المشاكل مثل الولايات المتحدة الأمريكية وجيرانها. المتتبع للتاريخ الأمريكي يدرك أن المطامع التوسعية كانت ولازالت حاضرة لديها مثال على ذلك ضمها لتكساس -ثاني أكبر ولاية أمريكية من حيث الناتج المحلي الإجمالي حاليا- عام 1845 من المكسيك، وما تلاها من حروب بين عامي 1846-1848م والتي انتهت بهزيمة المكسيك وإجبارها على معاهدة غوادالوبي هيدالغو والتي حصلت بموجبها أمريكا على أقاليم كاليفورنيا -أغنى الولايات الأمريكية حاليا وأكبرها من حيث عدد السكان- ونيفادا ويوتا ومعظم نيوميكسيكو وأريزونا وأجزاء كولورادو ويومينج. وأما شمالا فقد كانت كندا تابعة لبريطانيا العظمى والتي لم يكن من مصلحة أمريكا الدخول في صراع معها. ولم تستقر الأوضاع إلا بعد إنشاء المؤسسات مثل الناتو -كندا عضو بها- واتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا) والتي ربطت مصالح الدول الثلاث ببعضهم البعض. وسبق ذلك إنشاء منظمة الأمريكيتين لتشمل قارتي أمريكا الشمالية والجنوبية. ويفهم من هذا أن الحل لتحقيق الاستقرار الأمني والرفاه الاقتصادي إقليميا ومد النفوذ بالنسبة للولايات المتحدة كان عن طريق المؤسسات واتفاقيات التجارة الحرة والمصالح المتبادلة وبدون الإضرار بسيادة الدول الأخرى واستقلاليتها.

ولو تم النظر للآلية السابقة التي تبنتها الولايات المتحدة أيام الحرب الباردة في أمريكا اللاتينية مثل التدخلات العسكرية ودعم الانقلابات لتبين أنها غالبا أتت بنتائج عكسية إذ سرعان ما فشلت تدخلاتها وتشوهت صورتها وأتت أحزاب يسارية للسلطة مناوئة لها مثلما حصل في كوبا والبرازيل، والأرجنتين، وفنزويلا، وبوليفيا، والأرجواي. بينما الدول التي ركزت فيها أمريكا على المؤسسات والاتفاقيات التجارية والمصالح المشتركة مثل كندا والمكسيك ظلت قريبة منها وحليفة لها رغم تغير الحكومات واختلاف الظروف إلا أن المصالح أصبحت متجذرة بشكل لا يمكن التراجع عنه، ولذلك رغم تهديد ترامب بالانسحاب من نافتا والخلافات الأخيرة مع كندا والمكسيك إلا أنه سرعان ما عادت المؤسسات لتعيد التوازن وتستبدل الاتفاقيات بما يتوافق مع ظروف المرحلة ومتطلباتها

 تجاوز المعضلة بتفعيل المؤسسات:

في ظل هذه الظروف أصبح الرهان على المؤسسات الإقليمية لفك “معضلة الشقيقة الكبرى” في الخليج أو التقليل منها أمرا ملحا، فلا يمكن جعل مصير الشعوب رهين الأهواء والتقلبات وحب الخشوم. من المعروف أن الدول قد تكون غير متكافئة في قوتها ونفوذها وتأثيرها الذي تُمارسه في العالم، ولكنها متساوية أمام القانون من حيث الحقوق والالتزامات، وعلى وجه الخصوص مبدأ “دولة واحدة صوت واحد” يفرض تساوي جميع الدول الأعضاء في المؤسسات والمنظمات الإقليمية. ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال وجود محكمة خليجية لحل الخلافات بين الدول الأعضاء، ويتم التوافق عليها عن طريق إبرام اتفاقيات دولية مُلزِمة وهذا سيساهم في حل كثير من النزاعات الحدودية والخلافات التجارية ويمنع حصول أي تصعيد أو تدخل لقوى خارجية. بالإضافة إلى تفعيل دور الشعوب من خلال المشاركة في برلمان خليجي يشبه البرلمان الأوروبي أو البرلمان العربي مع صلاحيات أوسع. ومبدئيا قد يكون بالتعيين من الحكومات بحيث ينال الثقة وتصبح قراراته سارية المفعول، وقد تكون آلية اختيار الأعضاء متعددة بين دول تتبنى الانتخابات الشعبية المباشرة أو الترشيح من قبل المجالس النيابية المحلية أو التعيين من الحكومات -فدول الخليج تتفاوت في مساحة المشاركة السياسية في الشأن الداخلي، ومن غير المتوقع أن تسمح جميعها بالديموقراطية على نطاق واسع في المجلس، ولذلك من الجيد إتاحة خيارات مختلفة في طبيعة المشاركة الشعبية- المهم منح هذا البرلمان صلاحيات تشريعية واسعة على مستوى دول المجلس.

وحتى يوافق حكام دول الخليج على وجود برلمان بصلاحيات واسعة فلابد من طمأنتهم بأن ذلك لن يؤثر على سلطتهم، ولضمان ذلك بالإمكان مثلا منحهم حق النقض “الفيتو” بحيث إذا كانت هنالك تشريعات من البرلمان لا تتوافق معهم يحق لهم نقضها، ولكن لا يمكنهم في المقابل تغيير أي قانون أو عقد أي اتفاقية على مستوى المجلس -بين الدول الأعضاء أو مع الدول والكيانات الأخرى- إلا بتمريرها على البرلمان وتحقيق أغلبية الثلثين، وهذا يحقق شيء من التوازن والواقعية في عمل المجلس فالمشاركة الشعبية موجودة نسبيا وكذلك الحكومات لم تفقد تأثيرها. طبعا التطلعات كبيرة، ولكن تبقى السياسة أولا وأخيرا “فن الممكن” ولذلك هذا التصور قد يكون أفضل ما يمكن تحقيقه في ظل وجود سلطات مطلقة في أغلب دول الخليج، ومنطقة مشتعلة تعاني من التدخلات الخارجية -أمريكية، إيرانية، تركية، إسرائيلية، روسية وأوروبية-، وضعف القوى التقليدية في المنطقة العربية مثل مصر والعراق وسوريا والجزائر، والانسحاب التدريجي لأمريكا -الحليف الاستراتيجي لدول الخليج- من المنطقة. ولذلك كل الظروف تحتم على دول الخليج إدراك خطورة الوضع وضرورة إنشاء المؤسسات ونقل التعاون لمرحلة التكامل لتحقيق الوحدة الكونفدرالية مع ضمان سيادة واستقلالية كل الدول الأعضاء.

النظرية النيوليبرالية المؤسساتية في الخليج:

إن المؤسسات هي الضامن لاستمرارية العلاقات وهي ما يعزز المصالح المشتركة بحيث تتعمق لدرجة لا يصبح من مصلحة أي طرف التراجع عنها وهذا يحقق مفهوم “الترابط المعقد”. ومثلما يصفها جوزيف ناي في كتابه القوة الناعمة في هذه البيئة يكون من مصلحة القوى الكبرى التركيز على قدرتها على الإقناع وجاذبية نموذجها السياسي والثقافي والاقتصادي ومحاولة تحقيق مصالحها والتأثير على الغير بأدوات غير قسرية متمثلة في القوة الناعمة (تشمل الثقافة والفنون والأخلاق والقيم السياسية وفاعلية المؤسسات الدبلوماسية). بناءً على النظرية “النيوليبرالية المؤسساتية” فإن المؤسسات تقوم بدور مهم في حل النزاعات لكونها ببساطة تخلق بيئة جيدة للمصالح المشتركة والعلاقات التكاملية بين الدول الأعضاء؛ وبالتالي المزيد من الاستقرار في المنطقة وتقلل من احتمالية الحروب لأن مصالح كل طرف مرتبطة بالآخر وهي تتحقق بالتعاون والسلام لا الحرب والفوضى. وخير مثال على هذا الاتحاد الأوروبي الذي ساهم في تحقيق الاستقرار الأمني وربط مصالح الدول الأعضاء وإنقاذ بعض دول جنوب أوروبا مثل اليونان والبرتغال من الأزمة المالية العالمية نسبيا مع تحقيق معدلات عالية من التنمية الاقتصادية في شرق أوروبا مما سهل اندماجها في الاتحاد. وطبعا توجد نماذج أخرى بدأت بشق طريقها بنجاح مع كثير من التحديات مثل مجموعة آسيان في جنوب شرق آسيا وميركوسور في أمريكا الجنوبية، ولكن من المبكر الحكم عليها.

يذكر كتاب “سلطة الدولة والأسواق العالمية” لبروفيسور العلوم السياسية جوزيف جريكو أن المؤسسات تجعل الدول الأعضاء أفضل حالاً فهي تتعامل مع الخلافات بشكل منظم وأقل تكلفة مما تتعامل معها الدول بشكل منفرد. ومن وجهة نظر عالم العلاقات الدولية جيلفورد جون إيكانبري -مُصنف كأحد أهم منظري النظام العالمي الليبرالي- فإنها تعمل على توفير المعلومات والنصائح للدول الأعضاء في الأمور الاقتصادية والسياسية؛ لتحقيق المصالح المشتركة. يعتقد إيكانبري أنه حتى من منظور السعي للهيمنة ومد النفوذ على الدولة المحورية أن تحقق ذلك من خلال الاستثمار في المؤسسات وربط مصالح الدول الصغرى بها بحيث يتحقق النفع للطرفين. وينطلق في نقده لسياسات بوش الابن والحرب على الإرهاب مثلا ليس من جانب أخلاقي أو إنساني، وإنما براغماتي فهو لا يعتقد أن الهيمنة ستتحقق على المدى البعيد بالحرب، وإنما بلعب دور أوسع في المؤسسات وتفعيل دورها وربط مصالح بقية الدول بها، وبهذا تتمكن الدول الكبرى من تحقيق أهدافها وأجندتها بشكل مستدام وبأقل قدر ممكن من الخسائر ودون التأثير سلبا على صورتها الخارجية وعلاقاتها الجيدة بالشعوب والحكومات الأخرى.

ويمكن إسقاط نفس هذا المنطق على السعودية كدولة مركزية ومحورية في المنطقة، كونها الكيان السياسي الأقوى في الخليج، فمصالحها يمكن تحقيقها بشكل أوسع ضمن إطار المؤسسات وبمنطق المصالح المتبادلة والمصير المشترك أكثر من أي شيء آخر. وحتى من يختلف مع “النيوليبرالية المؤسساتية” مثل من يتبنون النظرية البنائية، فهم رغم اعتقادهم بأنها قد لا تحقق المنفعة القصوى للدولة؛ فإنهم يدعون للتعاون مع المؤسسات الإقليمية والاستفادة من المشتركات التاريخية والبُنى الاجتماعية والهويات في تعميق العلاقات بين الحكومات وكل هذه العناصر موجودة لدى دول المجلس.

حتمية توسعة المجلس للتخلص من النظام أحادي القطب:

مع كل هذا لا يمكن كبح جماح القطب الأوحد -السعودية- من خلال هذه الإجراءات، لأنه سيظل الأقوى حتى مع وجود المؤسسات؛ وبذلك تبقى التوقعات والمخاوف موجودة من قدرة السعودية على التوسع وبسط النفوذ. ولهذا قد يكون من المنطقي ضم بعض الدول مثل الأردن واليمن والعراق؛ لإحداث توازن بين القوى داخل المجلس وتعزيز أمن واستقرار المنطقة ككل بتقليل التدخلات الخارجية في شبه الجزيرة العربية وما حولها. نعم ستبقى السعودية الأكثر نفوذا، ولكن لن تتمكن من احتكار القرار. وسيكون هنالك نوع من تعدد الأقطاب يفيد الدول الأصغر والأقل تأثيراً ويحافظ على سيادتها ويقلص من احتمالات الصراع والنزاع.

هذا النموذج سيكون مشابها لتجربة مجموعة آسيان في جنوب شرق آسيا، والتي تعتبر إندونيسيا هي القوة الأكبر فيها من حيث المساحة والعدد وحجم الناتج المحلي الإجمالي والقوة العسكرية، لكنها لا تحتكر القرار في المؤسسة؛ نتيجة لتوسع المجموعة لتشمل عشر دول تتكامل فيما بينها. في آسيان تظل إندونيسيا هي المركز والقلب لهذه المنظمة وبها المقر الرئيس، ولكن بقية الدول تتمتع بهامش كبير من السيادة ولا تخشى هيمنة دولة واحدة نتيجة لتوزع القوة وتكافؤها نسبيا. وبالإضافة لكون هذه المنطقة تمكنت من تعزيز التبادل التجاري وتحسين العلاقات بين الدول الأعضاء فهي حققت أيضا درجة من الاستقرار وحمت نفسها من التدخلات الخارجية قدر المستطاع. المتأمل للخريطة يجد أن دول آسيان تقع بين قوى كبرى سياسيا واقتصاديا مثل الصين والهند واليابان. وبدلا من أن تصبح طرفا في التجاذبات الإقليمية تمكنت من الحفاظ على علاقات جيدة مع مختلف الأطراف وذلك بتأمين صفها الداخلي وحل خلافاتها دون السماح للخارج بالتدخل في شؤونهم. على الجانب الآخر تواجه دول الخليج أخطار مشابهة فهنالك صراعات داخلية بين معظم دول المجلس ولا يوجد مشروع عربي قومي. وإذا أرادت دول الخليج تحقيق الأمن والاستقرار والرفاه فعليها الاستفادة من تجربة آسيان من خلال إبقاء مسافة أمان من الدول الكبرى وحل خلافاتها داخليا عن طريق المؤسسات وتوسعة المجلس لتشمل والأردن واليمن والعراق.

هنا قد يعترض البعض بأن العراق واليمن بالتحديد دول جمهورية بخلاف بقية دول الخليج ذات الحكم الوراثي الملكي، وهي كذلك بها نسب عالية من مكونات دينية ومذهبية -جعفرية في العراق وزيدية في اليمن الشمالي- مختلفة عن بقية دول الخليج ذات الغالبية السنية -باستثناء عمان-. ويمكن الرد على هذا بنموذج آسيان والذي يجمع بين دول ملكية مطلقة مثل بروناي، وجمهوريات مثل إندونيسا والفلبين والسنغافورة، وملكيات دستورية بها درجة من الديموقراطية مثل ماليزيا وتايلاند وكمبوديا ودول شيوعية سابقا وذات حزب واحد حاليا مثل فيتنام ولاوس وأخرى تحت الحكم العسكري المصحوب برؤية دينية وعرقية عنصرية مثل ميانمار ومع هذا لازالت المنظمة قائمة وفاعلة وتتوسع وقادرة على التنسيق الداخلي والخارجي وإجراء الاتفاقيات مع الدول الأخرى ككيان واحد. الاختلافات بين دول آسيان ليست بسيطة فهي تجمع شعوب متنوعة دينيا بين مسلمين وبوذيين ومسيحيين ولادينيين وحجم الاختلافات بينهم يفوق دول الخليج والدول الأوروبية بمراحل ومع هذا الإيمان بالمؤسسات لديهم لازال قائما والعمل المشترك مستمر رغم الخلافات.

والإشكال الآخر الذي قد يطرح هو في مسألة التفاوت الاقتصادي بين العراق واليمن والأردن وبقية دول الخليج، وهذا التحدي لا يمكن تجاهله، ولكنه ليس سببا كافيا لإيقاف عملية التوسع. وتجربة الاتحاد الأوروبي في ضم دول شرق أوروبا على مراحل وضمن اشتراطات معينة يمكن الاستفادة منها في هذا الجانب. وليس بالضرورة أن تتم في عام أو عامين فقد تأخذ فترات طويلة حسب استجابة هذه الدول لعمليات موائمة قوانينها وسياساتها الاقتصادية والتعليمية والبيئية والصحية والزراعية مع اشتراطات دول المجلس. في الاتحاد الأوروبي تقلصت الفوارق بشكل كبير آخر عشر سنين ولكن طبعا لازالت موجودة، وأحيانا هذه الفوارق قد تستمر ليس فقط على نطاق المنظمات الإقليمية بل حتى في داخل البلد نفسه مثل المانيا الغربية والشرقية إذ أن سكان المانيا الغربية بعد ثلاثين سنة من الوحدة لازالوا أكثر ثراءً ويتمتعون بخدمات أفضل ومستويات أعلى من الدخل وفرص العمل والقدرة على تأسيس المشاريع الصغيرة والمتوسطة. وهذا أمر طبيعي ويشكل تحديا يجب التركيز عليه ولكنه يتقلص مع الوقت وهو ليس بعائق أمام مسألة الإندماج.

لماذا الأردن واليمن والعراق؟

هذه الدول الثلاث هي الأنسب للانضمام لكونها امتداد جغرافي طبيعي للمجلس وتشترك معه في البنية الاجتماعية والثقافية وبالإمكان دمجها مع منظومة دول الخليج اقتصاديا. وهي منطقة عازلة تساهم في حماية شبه الجزيرة العربية من التدخلات الخارجية الإيرانية والتركية وحتى الإسرائيلية. أولاً، الأردن دولة ذات نظام ملكي يشبه دول الخليج وهي مرتبطة اقتصاديا وسياسياً بشكل كبير بدول مجلس التعاون وتم تقديم عرض انضمام لها بعد ما سمي بثورات الربيع العربي مع المغرب -من المستبعد انضمامها بسبب البعد الجغرافي والاختلاف في التركيبة الاجتماعية والثقافية-. والأسرة المالكة في الأردن تعود أصولها للحجاز وهي جزء أصيل من تركيبة شبه الجزيرة العربية السياسية لمئات السنين. أما اليمن فهي مخزون بشري هائل لدول المجلس، وللحكومات اليمنية محاولات كثيرة للانضمام لدول الخليج وكانت دائما تقابل بالرفض بدعوى التفاوت الاقتصادي بين الطرفين وعدم استقرار اليمن؛ ولكن النتيجة هي تزايد الأمر سوءًا كلما تم تأجيل عملية انضمام اليمن. فإما أن يتم الاستفادة منه واحتوائه ضمن المجلس، أو أنه سيكون منطقة مضطربة ومستنقع للحروب التي تستنزف الميزانيات ويصعب الخروج منها. ومن الشواهد التي تثبت هذا الرأي حرب اليمن في الستينات (1962-1970) والتي تسببت بإضعاف كل من مصر والسعودية وأدت بشكل غير مباشر لإشغال مصر عن عدوها المباشر – إسرائيل- مما تسبب بهزيمتها في عام 1967. وطبعا الحرب الحالية التي اشتركت فيها مجموعة من دول الخليج في اليمن بقيادة السعودية والإمارات هي دليل آخر على حجم خطورة هذه المنطقة وإلى أي درجة المعالجات الأمنية والعسكرية تؤدي لاستنزاف كل الأطراف، وللأسف معظم المعالجات في المجلس تأتي كردات فعل بدون تخطيط مسبق، والنتيجة هي الحرب والدمار والمجاعة وتزايد حصة الإنفاق العسكري على حساب التعليم والصحة وتنويع مصادر الدخل القومي. وأخيراً العراق، البلد الغني بموارده والذي يتجاوز عدد سكانه السعودية حيث يصل ل38 مليون نسمة. ورغم الحروب والفساد والإرهاب يظل أحد أغنى دول العالم بالموارد الطبيعية ولن يكون عالة على دول الخليج؛ فهو يمتلك رابع أكبر احتياطي نفط في العالم وعاشر أكبر احتياطي مؤكد من الغاز الطبيعي ومساحات شاسعة من الأراضي الزراعية ونهري دجلة والفرات وآثار تاريخية عظيمة لأقدم الحضارات. وكل هذه المقومات يمكن استثمارها لإحداث مشروع نهضوي يقوم على البناء لا الهدم، السلام لا الحرب، التواصل لا القطيعة. العراق لن يتسبب فقط في إحداث التوازن داخل المجلس، وإنما أيضا على مستوى المنطقة سيجعل دول مجلس التعاون كتلة قادرة على حفظ التوازن مع إيران وتركيا. وهذا لا يعني بالضرورة أن تكون العلاقات متوترة، بل على العكس؛ يمكن للعراق أن يكون أكثر من بوابة شرقية للحراسة والحماية فهو الجسر الحضاري والاقتصادي الذي من خلاله يمكن للخليج التواصل مع تركيا وإيران اقتصاديا، وثقافيا، واجتماعيا وقد يكون ذلك من خلال شبكة سكك حديد لنقل البضائع والركاب بين الطرفين وهو ما سينعش قطاع اللوجستيات والتجارة الإقليمية مما سيجعل من مصلحة الجميع استقرار العراق كمعبر للتجارة الإقليمية. وكذلك بالإمكان أيضا ربط شبكات أنابيب النفط والغاز في الخليج والعراق بتركيا وإيران وصولا لأوروبا غربا عن طريق تركيا وشرقا للصين عن طريق إيران، والعراق سيكون حجر الزاوية في كل هذا. لابد أن يكون احتواء العراق بعيداً عن استفزاز إيران، وإنما في سياق حفظ التوازن في المنطقة، بل ويجب أن تحصل هذه العملية بما لا يضر بمصالح هذه الدول في العراق. الخطاب الذي تنطلق منه دول الخليج في أن تكون مشاريعها من منطلق الخوف والعداوة يقود إلى وجود جو مشحون في المنطقة على المدى البعيد. صحيح أن عنصر الخوف والخطر السياسي قد يدفع بعض الدول لتحقيق الوحدة السياسية لحفظ مصالحها من عدو خارجي مثل ما حصل في أوروبا الغربية خشية من الاتحاد السوفيتي، ولكن لابد أن تتم هذه العملية بمنطق المصلحة المتبادلة لكل الأطراف. بحيث يتم تعزيز المصالح المشتركة في داخل التكتل وإيجاد صيغة من التواصل مع كل من تركيا وإيران لإقناعها بأن هذا الكيان يخدم المنطقة بأكملها ويساهم في استقرارها، فهذه الدول تمتلك كثير من خيوط اللعبة السياسية في العراق بالتحديد مثل الميليشيات الطائفية والنفوذ السياسي والاقتصادي وإذا لم يتم إقناعها بأن هذا المشروع يخدم مصالحها هي كذلك، فستكون قادرة على تعطيل أي محاولة لإعادة العراق للمنظومة العربية. وبالإمكان البناء على ما تحقق مؤخرا من تحسن في العلاقات بين دول الخليج وتركيا وإيران وما قامت به حكومة العراق كوسيط في هذه المفوضات، بالإضافة للنجاح النسبي لمؤتمر بغداد الذي ضم معظم الفاعلين في منطقة المشرق العربي مثل دول الخليج ومصر والأردن مع تركيا وإيران على طاولة الحوار.

الخاتمة:

إن الخلل في العلاقة بين دول المجلس متأصل وهو نتيجة لغياب التوازن في توازن القوى بين المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج. السعودية بقدر ما تشكل تهديدا لبعض دول الخليج إلا أنها تظل الركيزة الصلبة التي يمكن البناء عليها في هذه المنطقة. وبعد التجارب التي مرت بها دول الخليج فلا يمكن المراهنة إلا على تفعيل مؤسسات مجلس التعاون من خلال محكمة خليجية مشتركة وبرلمان يمثل الشعوب بحيث يصبح هذا التكتل ممثلا للشعوب قبل الحكومات. بالإضافة لهذا، عملية التوسع أصبحت حتمية ويجب أن تشمل الأردن واليمن والعراق كامتداد طبيعي لشبه الجزيرة العربية. ومن خلال هذه الشراكة وبمنطق المصلحة المتبادلة لكل الأطراف يمكن توفير فرص العمل وتحقيق التنمية الاقتصادية وبناء منطقة آمنة ومستقرة ولها مكانتها الإقليمية والدولية وقادرة على المنافسة في هذا العالم المليء بالمتغيرات. هذه الدول إما أن تكون مناطق لتعزيز أمن الخليج واستقراره وهذا يستدعي تبني منطق الشراكة والتكامل وتوفير الدعم المالي والاندماج في أسواق العمل؛ أو أنها ستكون بيئة حاضنة للإرهاب والتدخلات الخارجية وإضعاف دول المجلس وتفكيك ما تبقى من وحدته.

تعليق واحد

  1. من اعمق ما قرأة هذه الفترة ، اذا تحقق ذلك ستشهد دول الخليج مرحلة انتقال سياسية اقتصادية تجارية اجتماعية نوعية ستخلف تغير لركيزة القوى في العالم العربي ونظرة العالم الخارجي والقوى العظمة لهذا التعاون ( الامال بالله عالية ، لاكن الواقع الى الان لا يخدم مع الاسف).

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *