اللجوء إلى البرزخ: كيف يساعد اللاجئون أنفسهم؟

كاتب المقالة

خليفة الفضلي

مقال يعرض قضية اللاجئين من وجهة نظر نفسية غير إكلينيكية، في متابعة لمقال سابق

 

جانب من حي يسكنه اللاجئون السوريون في مدينة إربد الأردنية على الحدود سورية (تصوير خليفة الفضلي)

 

وصلت أزمة النازحين قسراً إلى مستوى غير مسبوق، حيث تخطى عددهم عالميا حاجز الـ٦٥ مليون نسمة، ما جعل الأزمة الحالية تفوق في حدتها أزمة النزوح التي نتجت عن الحرب العالمية الثانية ودفعت إلى تأسيس الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين في عام ١٩٥١، والتي توسّعت لاحقا لتشمل اللاجئين خارج أوروبا في عام ١٩٦٧. وتمثل الحرب الأهلية في سوريا أكبر مساهم في الأزمة الحالية بعدد يتجاوز الـ١١ مليون نازح (٦ملايين منهم: نازح داخلي، و٥ ملايين: لاجئ). وعلى الرغم من التغطية الإعلامية المكثفة لأزمة اللاجئين التي بدأت مع ظهور جثث اللاجئين على السواحل الأوروبية (أي بعد ٣ سنوات من بداية مسلسل النزوح)، إلا أن كثير من الصور السائدة في الإعلام لا زالت غير معبرة عن واقع أغلبية اللاجئين. إن أبسط سؤال من نوع “أين اللاجئين؟” يستدعي في الأذهان صور مخيم، ومركب مزدحم في عرض البحر، ثم لاجئ يطعم الإوز في حديقة أوروبية، بينما في الواقع أن أغلب اللاجئين (٨٥%) يعيشون خارج المخيمات في مدن دول نامية (أكبر عشر دول مستضيفة للاجئين) ولا يُتوقع عودتهم لأوطانهم إلا بعد ٢٥ سنة كمتوسط!
سأحاول في هذه التدوينة توضيح الضغوطات اليومية التي تواجه اللاجئين في الدول النامية، وكيف يواجه اللاجئون تحدي تلك الضغوطات بشكل يخفف أثرها السلبي على صحتهم النفسية. كما سأحاول تقديم فهما أتمنى أن يفيد العاملين في مجال الإغاثة لتحسين واقع اللاجئين.

أنا لا عندي راتب لا عندي دخل لا عندي كذا  وممنوع أشتغل.. طب منين بدي أعيش؟ ياخي أنا ما بقدر أعيش بالمخيم, ما بقدر.. لو بروح ع سوريا تحت القصف والدمار ولعنة الوالدين ولا باقعد بالمخيم.. بالمخيم كأنك عايش مع خمسين ألف بني آدم, عايش انت وياهم ببيت واحد! خيمة شو خلتلك خصوصية.. حياة المخيمات حياة موبوءة.. لا في دراسة بإمكانك تدرس.. لا في عمل.. لا في حياة اجتماعية سليمة.. شو المخيم.. مش قادر أعبر لك شو المخيم, لكن شايفها حياة صعبة .. بفضل أرجع ع سوريا ولا برجع للمخيم.

لاجيء سوري

رغم أن أزمة اللجوء ليست مؤقتة، إلا أن الجميع يتصرف على أنها كذلك. فاللاجئون غادروا منازلهم بعجل وهربا من الحرب (وفي أحيان كثيرة مشيا على الأقدام) وليس معهم إلا ما يكفي لأشهر، وذلك أملاً بانقضاء الحرب والعودة لمنازلهم. أما برامج الإغاثة فهي مصممة للطوارئ، و هدفها إنقاذ حياة اللاجئين وليس توفير معيشة كريمة لهم. وترفض الدول المستضيفة حتى مناقشة توطين ملايين اللاجئين فيها.

حوّل هذا الوضع المتناقض حياة اللاجئين إلى ما يشبه البرزخ (وهي حالة ما بين الحياة، والموت) وذلك في ظل انعدام الخيارات وإدراكهم أن المنفى ليس وطن. إن الحرب الأهلية السورية التي بدأت منذ سنوات لا تزال مستمرة، وليس هناك أي بوادر في الأفق لحلها، وكل جهود الأمم المتحدة وكرم الدول الغربية في مجال إعادة التوطين تفشل حتى في استضافة واحد بالمئة من اللاجئين! فقد فتحت الدول المستضيفة حدودها لمئات الآلاف الذين يسكنون مدنها ويزيدون من الضغط على بنيتها التحتية وخدماتها، كما قدمت الدول المانحة الكثير لبرامج إغاثة اللاجئين، ولكنه كثير لا يكفي. فعلى سبيل المثال، لم تتم تغطية إلا ٥% فقط من ميزانية برامج مفوضية اللاجئين في لبنان للعام ٢٠١٧ وقد انقضى نصفه.
فقد اللاجئون الإحساس بالحياة الطبيعية بسبب حالة عدم اليقين التي يعيشون فيها، حيث لا يعرفون مصيرهم ومتى سوف يعودون لبيوتهم وأعمالهم السابقة ولا يستطيعون بدء حياة جديدة في المنفى بسبب القيود المفروضة على تنقلهم ومنعهم من العمل في أحيان كثيرة، بالإضافة لمواجهة خطر الترحيل (إذ أن أغلب دول الجوار السوري ليست 
موقعة على اتفاقية حماية اللاجئين).
في بعض الدول المستضيفة يذهب أبناء اللاجئين للمدارس مساءً بعد أن ينتهي أبناء المواطنين من الدراسة ولأن الوالدين على الأغلب عاطلان عن العمل فإن الأسرة تسهر الليل وتنام خلال الصباح، وكثير من الأسر ترسل أطفالها للعمل تخلصا من تكاليف المدرسة و لإيجاد دخل للأسرة كون البالغين يتم ترحيلهم عند العمل دون ترخيص. وبسبب سكن اللاجئين في المدن فإن كثير من الشقق تحتوي على أكثر من عائلة لتوفير الإيجار، ويجب أن ندرك أن كثير منهم كان في سوريا يسكن في بيت يملكه وعنده مزرعة أو محل ويوفّر له تعليم جامعي مجاني وفواتير خدمات رخيصة جدا، بينما الوضع في المنفى مختلف تماما.
في دراسة أجريناها عن اللاجئين السوريين في شمال الأردن تعرفنا على مجموعة من الضغوط الثانوية (غير الناتجة عن الحرب مباشرة) التي يعانون منها، حيث اشتملت على ضغوط مالية (مثل فقدان الدخل وتكاليف السكن والصحة والتعليم) واجتماعية (مثل الانفصال عن الأقارب و التعرض للتمييز) بالإضافة إلى ضغوط ناتجة عن بيئة اللجوء (مثل المشاكل القانونية وعدم الاستقرار). هذا وقد بيّنت عدة 
دراسات أن الضغوط اليومية التي يعاني منها لاجؤوا الحرب تؤثر سلبيا بشكل مباشر على صحتهم النفسية وتزيد من نسبة الإصابة بكرب ما بعد الصدمة والاكتئاب لمن لديهم تجارب صادمة نتيجة الحرب، وعلى الرغم من تلك الظروف وذكريات الحرب الأليمة فإن نسبة المصابين بالاضطرابات النفسية مرتفعة نسبيا (تقريبا الثلث) بين اللاجئين ولكنهم يظلون أقلية عكس ما يتوقعه غير المطلعين على واقع اللاجئين.

وكأن هذا القلق الذي يملأ رأس اللاجئ السوري لا يكفي، إذ أن السوري في دول الجوار يتم تذكيره يوميا بأنه لاجئ إبتداء من بطاقة المفوضية التي تطلب منه عند كل حاجز أمني ومستوصف، بل وحتى في السوبرماركت عندما يصرف إعاشة المفوضية (١٤$ شهريا)، لدرجة أصبح كل لاجيء يحفظ رقم بطاقة المفوضية مثل اسمه، وتواريخ تجديدها، وذلك بالإضافة إلى الهويات الأمنية التي تصدرها الدول المستضيفة والإجراءات الطويلة التي يمر بها اللاجئون ويمتحنون بها سويا وأحيانا يدفعون تكلفة مالية مقابلها.
أثناء المقابلات التي أجريتها كان هنالك لحظة صمت تتكرر عندما أطرح سؤال “هل تعتبر نفسك لاجئ؟” وضيق يعتري الوجوه وأحيانا عبرة تحتبس ولكنها تحكي الكثير عن إحساس الألم النفسي الذي تولده صفة لاجئ. قبل ٢٠١١ كانت سوريا ثالث أكبر مستضيف للاجئين في العالم واليوم يجدون أنفسهم عالة على شعوب استضافوها سابقا (ما يقارب ربع مليون لاجئ سوري في العراق)، لذلك من الشائع أن تجد من يغلف هوية اللاجئ و الوصمة المرتبطة بها بغلاف الانتماء الوطني (سوري) على الرغم من اضطراره الاعتراف بهوية لاجيء للحصول على الخدمات. مثل هذه المشاعر المتناقضة على مستوى الهوية لها
أثر سلبي على الصحة النفسية يضاف إلى الضغوط الناتجة عن بيئة اللجوء وصعوبات الحياة اليومية.

أنتمي للاجئين بشكل عام , بالعكس صرنا أسرة واحدة وتعرفنا على ناس كثر هون. أنا بس يقولوا سوري أنبسط .. أفرح أنو سوري .. مثلي, وضعه نفس وضعي.. وهو نفس الشي يفرح. لما بسوريا أغلب علاقاتي من درعا وقرايب.. هالساع توسعت.. بسوريا أنا ما كنت أعرف أهل حمص وحلب.. الآن صرت أعرفهم. صاروا مثل أهلي.. حسهم قريبين مني. أول ما جينا سكنا الأردن.. يأتي سوري ما يعرف شي.. لا يوجد طعام لاشيء.. أنا يكون عندي.. فورا أساعده وأبعثله. أنا أستلم من جمعية ,فورا أساعده وندليه ونمشي معاه يسجل فيها.. يسجل بالمفوضية

لاجئة سورية

عندما يسألني الناس عن موضوع دراستي للدكتوراة أجيب “أنا أدرس كيف يساعد اللاجئون بعضهم”, ولكن في رحلة الذهاب للعيش مع اللاجئين شعرت بالخوف والشك “هل سأجد نماذج من مساعدة اللاجئين لبعضهم؟ أم أن الظروف القاسية والتنافس على الموارد المحدودة تجعل الأنانية سيدة الموقف؟”. وصلت للأردن ورأيت نماذج كثيرة للاجئين يساعدون بعضهم بطرق مختلفة معنويا أو بتوفير معلومات أو التبرع بالجهد وحتى ماديا، كإعطاء جار جديد جرة غاز أو دفاية أو مرتبة نوم وبطانية. طبعا كان هنالك أفراد أنانيون ويستغلون حاجة الآخرين لكن وجود المساعدة في أصعب الظروف ومن أشخاص يملكون أقل الإمكانيات كانت هي السائدة، وهي سلوك ثبت أنه يتكرر في المجتمعات التي تتعرض للكوارث و الحروب. من درسوا هذه الظاهرة في حالات الكوارث وجدوا أن الناس عندما يواجهون تحدٍّ عام (كالزلازل والفيضانات) فإنه ينشأ لديهم إحساس بالمصير المشترك وبالتالي تنشأ بينهم رابطة (هوية مشتركة) تخلق منهم جماعة تنسّق الجهود لتحقيق الأهداف المشتركة وتسهل الدعم بين أفرادها.
في حالة اللاجئين السوريين بالأردن وجدنا إحساسا قويا بالهوية المشتركة مع اللاجئين الآخرين (أحيانا حتى مع اللاجئين الفلسطينيين والعراقيين) وإعادة تشكّل للعلاقات الاجتماعية في المنفى لتشمل علاقات جديدة مع أشخاص من مناطق سورية وطبقات مختلفة عما كانت عليه قبل الحرب. ذلك الانتماء وشبكة العلاقات الاجتماعية الجديدين كانا مصدرا لكل أنواع المساعدة التي وجدناها في مجتمع اللاجئين. في وقت لاحق، عدنا وقمنا بدراسة كمية (استبانة) بالتعاون مع الأخوة السوريين في الأردن لفحص الدور الذي تلعبه هوية اللاجئ المشتركة في جمع شتات اللاجئين لتكوين مجتمع متماسك يقدم الدعم لأفراده، ووجدنا أن آلية الدعم الاجتماعي مشابهة لما وجد في حالات الكوارث الطبيعية حيث يقود الإحساس بالمصير المشترك إلى التماهي مع اللاجئين الآخرين وكلما كانت هوية اللاجئ عند الفرد أقوى كلما زادت احتمالية تقديمه للمساعدة (معنوية و عملية و جماعية) للاجئين الآخرين، كما وجدنا أن الإنتماء لمجتمع اللاجئين يخلق توقعات دعم من أفراد المجتمع الآخرين مما يزيد إدراك الفرد بكونه جزء من جماعة فاعلة ما يحسن من صحته النفسية.

 

*طالب سوري يرتدي حقيبة عليها شعار منظمة دولية وعلم الدولة المانحة (تصوير خليفة الفضلي)

 

مساعدة اللاجئين لبعضهم واقع مشجع وحجر أساس لبناء كثير من المبادرات التي تستغل هذه القنوات (شبكة العلاقات والدافعية) الموجودة في مجتمع اللاجئين من أجل تحقيق فاعلية أكثر وبتكلفة ووقت أقل في حال تمت بالتعاون مع اللاجئين أنفسهم (بالذات في مرحلة التخطيط) بدلا من البرامج التي تصمم وتنفذ بفوقية وتفشل لعدم مناسبتها لأولويات المجتمع وعدم استغلال إمكاناتهم. إن الحاجة لمثل هذه البرامج ضروري وذلك نظرا لحجم تأثيرها الإيجابي للدعم على الصحة النفسية للاجئين والموجود بشكل تلقائي والذي وجدنا أنه أضعف من التأثير السلبي للضغوط الثانوية التي يعاني منها اللاجئون بشكل يومي.
أخيرا، لا ندعي أن الهوية المشتركة هي المفسر الوحيد لسلوك المساعدة بين اللاجئين, ذلك أننا وجدنا مصادر أخرى للدعم مثل دوافع القيم الشخصية (مثل الإنسانية أو التدين) أو الدعم القائم على العلاقات الاجتماعية التقليدية (مثل القبيلة أو المنطقة)، ولكن تبقى الهوية المشتركة هي المحرك الأكبر للدعم الاجتماعي طبقا للنتائج الأوليّة (والتي قطعا ما زالت بحاجة لمزيد من التطوير) التي توصلنا إليها.

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *