أكراد العراق صوتوا بـ(نعم) للإنفصال، كيف نفهم ذلك؟

سلطان العامر

كاتب المقالة

سلطان العامر

قبل بضعة أيام، في الخامس والعشرين من سبتمبر، توجّه الأكراد في شمال العراق لصناديق الإستفتاء، لتقرير ما إذا كانوا يريدون الإنفصال عن دولة العراق وتكوين دولة مستقلة أم لا رغم معارضة الغالبية الساحقة من دول المنطقة والقوى الدولية. فقد رفضت كل من الحكومة المركزية في العراق، والولايات المتحدة، والجامعة العربية، وتركيا، وإيران، وألمانيا، والصين، وبريطانيا، أي تقريبا كافة الأطراف الدولية والإقليمية المعنية بالأمر (ما عدا إسرائيل التي باركت التصويت). جاءت النتائج، كما كان متوقعا، بتصويت ٩٢٪ على الاستقلال (أي ما يقارب ٣ مليون نسمة)، في حين فضّل ٧٪ (ما يقارب ربع مليون نسمة) البقاء في العراق. كيف نفهم هذا الحدث؟ ما الذي يدفع الأكراد للتصويت على أمر ليسوا واثقين تماما من قدرتهم على تحقيقه، بل هناك مؤشرات تدل على أنه قد يؤدي إلى نشوب حرب جديدة؟
هناك من حاول تقديم تحليل للحدث وتوقيته عبر التركيز على شخص مسعود برازاني (٧١ عاما) رئيس إقليم كردستان شمال العراق. وملخص هذا التفسير أن برازاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، رفض التنحي عن رئاسة الإقليم عندما انتهت الفترة الدستورية لرئاسته عام ٢٠١٥م. وبسبب ذلك، تصاعدت معارضة داخلية ضده، مما حدى ببرازاني للإلتفاف عليها عبر تأجيج المشاعر القومية الكردية وإعلان الاستفتاء. وهذا ما يفسّر أنه في إعلانه للإستفتاء شدّد على أن الهدف منه هو مجرد التعبير عن الإرادة الشعبية، وأنه ليس ملزما، وأنه في حال كانت النتيجة هي “نعم للدستور”، فإن الأكراد سيسعون عبر الطرق السلمية لإقناع حكومة بغداد والحكومات المحيطة لدعم الإنفصال الرسمي. أعلن برازاني أن الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية للإقليمية ستكون في الأول من نوفمبر، وفق هذا التحليل، فإن الإستفتاء ليس إلا حيلة سياسية من برازاني لتحقيق مصالح سياسية خاصة ليترشح مرة أخرى للرئاسة، وأن الأكراد الذين استجابوا لندائه ليسوا إلا جموع مغيبة عقولها وتحركها سكرة مشاعرها القومية.
في الجهة المقابلة، هناك من رفض تفسير الحدث بردّه للصراعات داخل النخبة السياسية الكردية، بل نظر إليه باعتباره نتيجة متوقعة لجماعة قومية باتت ترى من المكاسب في استقلالها عن الدولة الحاضنة أكثر من المصاعب الكثيرة في بقائها، وعادة ما يتم سرد تاريخ الأكراد في العراق باعتباره سلسلة من الاضطهادات والثورات، واعتبار الاستفتاء نتيجة لا مناص منها للحالة المتردية التي وصل العراق بعد عقد ونصف من الإحتلال والحروب الأهلية الطائفية. بحسب هذا التحليل، فإن الاستقلال بالنسبة للأكراد مطلب لا مناص منه، فهم، مثلهم مثل أي جماعة قومية، يعتبرون الإستقلال قيمة عليا لابد من تحقيقها.
هذان التفسيران يمثّلان نظريتان سائدتان في العلوم السياسية لتفسير ظاهرة الإنفصال السياسي: نظريّة تعتبر الهوية القومية والوعي القوميّ سببا للإنفصال، وبالتالي تتعامل معه كأمر لا مفر من حدوثه إن عاجلا أو آجلا، وأخرى لا تعتبر القوميّة سببا للإنفصال بل مجرد غطاء لأسباب ومصالح اقتصادية وسياسية للنخبة السياسية، وبالتالي تعتبر المصوتين الأكراد أشخاص تم تضليلهم والتلاعب بهم بواسطة نخبتهم السياسية.
في هذا المقال، سأقدم نظرية جديدة. نظرية لا تعتبر الهوية القومية سببا رئيسيا للإنفصال، ولا تعتبرها مجرد غطاء توظفه النخب السياسية لتضليل الجماهير من أجل تحقيق مصالحهم الخاصة. ملخص هذه النظرية أن الهوية القومية هي جهاز إدراكي، يستطيع المرء من خلاله استيعاب تعقيد العالم وتبسيطه وتقليل حيرة الأفراد فيه. بدون هذه الخطوة، أي تبسيط العالم واستيعابه وتقليل الحيرة، لا يستطيع الفرد أو الجماعة تحديد مصالحهم والسعي من أجلها. كل فرد يريد مضاعفة فرص حياته (مال أكثر، أمان أكثر، رفاهية أكثر، حرية أكثر…إلخ)، وحتى يبدأوا في السعي لذلك هم بحاجة للقيام بخطوة أولية، وهي استيعاب العالم وتقليل حيرتهم منه، ثم بعدها يستطيعون تحديد مصالحهم والسعي من أجلها. بحسب هذه النظرية، يكون قرار الإنفصال نتيجة لسعي الناس لتحصيل هذه المصالح، والهوية القومية ليست منبع هذا القرار ولا مجرد أداة أو غطاء لتحقيقه، بل هي الجهاز الإدراكي الذي يؤثر على اتخاذ الأفراد لهذا القرار. النتيجة العملية لهذه النظرية هو أن الإنفصال ليس حتميا، وأن الأكراد ليس مجموعة تتلاعب بهم نخبة سياسية، بل مجموعة أشخاص يبحثون عن ما هو الأصلح- بالمعنى المادي- لهم كجماعة ترى نفسها متمايزة قوميا عن الحكومة المركزية.
سأبدأ أولا باستعراض النظريتان السائدتان حول الإنفصال، ثم بعد ذلك سأقدم شرحا تفصيليا للنظرية الجديدة مع تطبيقها على الحالة الكردية. إن التسلّح بفهم أدق وأعمق لظاهرة الإنفصال السياسي أمر مهم. فلو ابتعدنا قليلا عن كردستان لوجدنا أن إقليم كاتلونيا في أسبانيا سيتوجه للإستفتاء على الإنفصال اليوم. وقبل عدة سنوات استطاع جنوب السودان من الإنفصال، وفشلت اسكتلندا من الانفصال عن بريطانيا، لكن بريطانيا نجحت في الإنفصال عن الإتحاد الأوروبي، وحتى هذا اليوم يحاول جنوب اليمن الإنفصال. فكما يشير عنوان كتاب صدر مؤخرا عن الموضوع، فنحن نعيش في “عصر الإنفصال“، إذ يوجد ما لا يقل عن ٥٥ حركة انفصالية نشطة في العالم اليوم، ويعتبر السعي للإنفصال أحد الظواهر الرئيسية المؤدية للعنف.

نظريتان سائدتان عن الإنفصال

الإنفصال (أو الاستقلال) السياسي هو سعي جماعة سياسية (أو أمة) للإستقلال عن دولة أكبر متوسلة بمبدأ قومي يحكم النظام العالمي الحالي ويبرر وجود الدول فيه، يقول هذا المبدأ: أن كل أمة سياسية لها الحق في تقرير مصيرها، أي حكم نفسها بنفسها. لهذا، فإن الإنفصال السياسي يختلف عن التقسيم من جهتين: من جهة، الفاعل الرئيسي في الإنفصال هي الأمة المنفصلة، في حين أن الفاعل الرئيسي في التقسيم هي قوّة خارجية (تكون محتلة أو مهيمنة)؛ ومن الجهة الأخرى لا ينطلق التقسيم بالضرورة من مبررات قومية، في حين أن الإنفصال السياسي يعتمد حق تقرير المصير مبدأ أساسيا. فسايكس-بيكو، على سبيل المثال، تعتبر تقسيما عشوائيا لمنطقة الهلال الخصيب تم فرضها من قوى خارجية على سكان المنطقة. ولأن الهويّة القوميّة تلعب دورا مهما في الإنفصال السياسي، انقسمت النظريات السياسية حولها إلى قسمين: قسم يعتبر الهويّة القومية السياسية سببا ودافعا للإنفصال، وقسم لا يعتبرها سوى غطاء مناسبا للمصالح السياسية والإقتصادية.

النظرية الأولى: الهويّة القومية كسبب للإستقلال السياسي
ينطلق هذا القسم من النظريات من مسلمة رئيسية ترى أن ما يدفع الأفراد للإنتماء لهذه الجماعة أو تلك (أي ما يدفع الهويات الإثنية لأن تتشكل) هو مجموعة دوافع غير مادية. وهذه الدوافع غير المادية تجعل هذا الانتماء وثيقا وثمينا لدى الأفراد لدرجة أنها تجعلهم مستعدين للتضحية بمصالحهم المادية الفردية (بل بحياتهم) في سبيل الحفاظ على الجماعة التي تلبي هذه الدوافع. وبقدر ما تدفع هذه الدوافع الأفراد للإنتماء لجماعة، تدفعهم أيضا للصراع والتنازع مع جماعات أخرى. ذلك أن سبب الإنتماء لهويّة ما هو نفسه سبب التنازع والصراع مع هويّات أخرى، وهذا يعني أن الهويّات الإثنية تتضمن نزعات صدامية وصراعية مغروسة فيها. وانطلاقا من هذه النظرية، يصبح ما يدفع الأفراد للإنتماء للأمة الكردية هو نفسه ما يدفعهم للإنفصال عن أي جماعة أخرى.
لكن ما هي هذه الدوافع التي تدفع الأفراد للإنتماء لجماعات؟ قدّم أصحاب هذه النظرية ثلاثة إجابات. فمنهم من رأى أن الإنتماء لجماعة تعزز من ثقة الفرد بنفسه وحس الكرامة لديه والشعور بالإنتماء، ومنهم من أعتبر أن لكل جماعة مصالح ثقافية ورمزية مفيدة لكل فرد، وتطوّر آليات وطرق لدفع الأفراد للمساهمة في حماية هذه المصالح العامة. وأيا تكن الإجابة، فإنه بحسب هذه النظرية يصبح ارتباط الفرد بالجماعة وثيقا، ومستعدا للتضحية بمصالحه المادية لأجلها.  بحسب هذه الإجابة تكون رغبة الأكراد بالإنفصال نتيجة لوعيهم القومي الذي يغذي لديهم حس الثقة بالنفس والكرامة. وبالتالي، فإن مطلب الإستقلال سيكون مفهوما عند الأكراد لأنه يخلصهم من التبعية وبالتالي يزيد من حس الكرامة والثقة بالنفس لديهم، أو يضمن حماية مصالحهم الثقافية العامة.

النظرية الثانية: الهويات القومية كغطاء للمصالح الاقتصادية والسياسية
القسم الثاني من النظريات يرفض مسلمة أن الهويات الإثنية والقومية تحمل في داخلها أي قيمة تدفع الأفراد للصراع والنزاع وإنما هي مجرد غطاء لدوافع ومصالح اقتصادية وسياسية. فالنخب التي تريد تحصيل مكاسب سياسية أو اقتصادية تتلاعب بالشعوب وتحفزهم باسم الهوية المشتركة. ففي الهند، على سبيل المثال، يتم تفسير الاقتتال الذي يجري بين المسلمين والهندوس فترة الانتخابات إنما هو نتيجة لتلاعب المرشحين الذين وجدوا في مثل هذا الاقتتال طريقة للفوز بالانتخابات. في هذه الأدبيات، تسمى هذه النخبة بالرياديين الإثنيين، فهم، مثلهم مثل ريادي الأعمال، يربطون صعودهم السياسي والاقتصادي وتعظيم مكانتهم بالقدر الذي يقومون فيه بتعبئة الناس وشحنهم على أساس عرقي أو قومي أو طائفي أو إثني. وهكذا، بحسب هذا الإتجاه في هذه النظرية، يكون انفصال الأكراد إنما نتيجة لألاعيب الساسة من أمثال برازاني وغيره. لكن هذا التفسير يعاني من مشاكل، فعلى سبيل المثال: ما الذي يدفع الأفراد للإستجابة لنخبهم؟ إذا كانت الهوية لا تحمل أي قيمة، ما الذي يجعل الشخص يتفاعل ويقوم بأعمال تخالف مصالحه أو لا تتوافق معها بالضرورة؟
فيما يتعلق بالإنفصال والاستقلال السياسية، نجد هذه النظرية قدمت كثيرا من التفسيرات. فمن ناحية اقتصادية، هناك من جادل بأن المناطق الغنيّة (ككردستان واسكتلندا النفطيتان) سيكون لديها محفزا للتوسل بالهويات القومية للإستقلال أكثر من المناطق الفقيرة. لكن هناك أيضا من جادل العكس: أن عدم العدالة الإقتصادية هي ما تدفع بعض الجماعات القومية للإنفصال. أما من الناحية السياسية، فهناك من جادل بأن الحصول على مناصب والترقي السياسي في الدولة يلعب دورا كبيرا في نزعة الإنفصال. آخرين لاحظوا أن هناك جماعات تخضع لنفس الظروف الإقتصادية والسياسية، ولكن بعضها يسعى للإنفصال والبعض الآخر لا يفعل ذلك، وفسروا هذا الإختلاف للدور الذي يلعبه رياديو الهوية- قادة الجماعة الذين يؤججون المشاعر القومية والإثنية- في حث جماعاتهم للإنفصال. لكن قدرة هؤلاء الرياديون على الحثّ والحشد تعتمد على عوامل مختلفة، كوجود دولة بالجوار من نفس الإثنية والقومية، أو القدرة على التفاوض. واختلف الباحثون حول أثر منح الجماعة القومية حكما ذاتيا: بعضهم قال أنه يدفع هؤلاء الرياديون للمطالبة بالإستقلال، والآخرين قالوا أنه يرضيهم فيصرفهم عن ذلك.
فبحسب هذه النظرية، نستطيع القول أن الأكراد يريدون الإستقلال ليس لأن الهوية الكردية تعني شيئا لهم، بل إما بسبب النخبة السياسية (بارازاني تحديدا)، أو بسبب وجود النفط، أو لهذا السبب الاقتصادي أو ذاك. لكن لن تخبرنا أيا من هذه التفاسير لماذا يحتاج تحصيل هذه المصالح الاقتصادية والسياسية لأن يبرر باستخدام الإثنية والهوية القومية إذا كانت هذه الأخيرة لا تحمل في نفسها أي قيمة.

النظرية البديلة: الإنفصال كمشكلة عمل جماعيّ

قدم هذه النظرية أستاذ العلوم السياسية هنري هيل في كتابه (أسس السياسات الإثنية)، ويلخصها بعبارة واحدة: مدار الهوية الإثنية هو تقليل الحيرة، ومدار السياسات الإثنية هو المصالح. فهو يخالف النظرية الأولية التي ترى أن الإنفصال نتيجة للوعي القومي والنزعة الكامنة فيه نحو الإنفصال، ويخالف النظرية الثانية بتأكيد أن الهوية القومية ليست مجرد غطاء لمصالح اقتصادية وسياسية، بل هي عنصر مهم في تحويل الحيرة إلى مخاطرة. ماذا نقصد بالحيرة؟ والمخاطرة؟ وكيف تقوم الهوية بتحويل هذه إلى تلك؟ سننتقل الآن لعرض نظريته حول لماذا ينتمي الأفراد لهويات إثنية، ثم بعدها نرى كيف يفسر ظاهرة الإنفصال السياسي للجماعات القومية من خلالها.

الهوية كطريقة لتقليل الحيرة
يجد الفرد نفسه في شبكة اجتماعية شديدة التعقيد، شبكة لا يعلم كل مافيها، ودماغه لا يحمل قدرات فائقة لاستيعاب كل هذا التعقيد. وبسبب كل هذا يجد نفسها حائرا، والحيرة هنا تعني أنه لا يعرف أين مكانه داخل كل هذا التعقيد، وهي تختلف عن المخاطرة. تشترك الحيرة والمخاطرة بأنها متعلقة بشيء مجهول، لكنهما يختلفان بماذا يعرفان عن هذا المجهول. تخيّل أنك وجدت نفسك فجأة في صحراء ومعك ورقة مكتوب عليها (هناك قرية قريبة منك). أنت تريد الذهاب للقرية، ولكن مكانها مجهول بالنسبة لك. أي اتجاه تتخذ للوصول لهذه القرية؟ ليس لديك أي طريقة لترجيح أي من الخيارات، هذه هي الحيرة. بعد فترة، اكتشفت أن هناك آثار ماشية على الأرض، وهذا الأثر يشير لاتجاه واحد، هنا وجدت إشارة- ليست يقينية، ولا موثوقة- تجعل أحد الاتجاهات أكثر احتمالا من الأخرى، إذا اتخذت هذا الاتجاه فأنت هنا قد خاطرت. فالحيرة حالة لا تستطيع معها اتخاذ القرار، وكل شيء متشابه ومتساوي، لكن المخاطرة حالة يكون لديك فيها من المعلومات ما يتيح لك ترجيح بعض الاحتمالات على أخرى والمغامرة باتخاذها.
أحد الطرق الرئيسية التي يقوم بها الأفراد من أجل تقليل الحيرة تتمثّل في تقسيم الناس لمجموعات (أي وضعهم في هويات)، فهذا التقسيم يجعل من الممكن تحديد التصرف الذي يمكن أن نعامل به هذه المجموعة وتلك أو نتوقعه منها. ولأن الهويات ذات جوانب متعددة (لغة، عمر، جنس، عرق، ثقافة، دين…إلخ)، فبعضها أفضل من بعض في تقليل هذه الحيرة. فاللغة تتمتع بقيمة ذاتية عالية، حيث من خلالها تحل الكثير من اشكاليات التواصل بين الأفراد، ولهذا تعتبر بعدا رئيسيا لتقسيم الناس لمجموعات. بالمقابل، هناك جوانب تتمتع بقيمة تفرضها الظروف الإجتماعية، وليست ذاتية. ففي بلاد ترتبط فيه العبودية بلون البشرة، يصبح العرق حاملا لمعلومات كثيرة للفرد في ذلك البلد. أخيرا، قد تعمل بعض الجوانب الظاهرة كعلامة على معلومات كثيرة خفية عن الفرد، وبالتالي تصبح مهمة في تقليل حيرة الإنسان. فمثلا، عندما نقابل شخص في مكان عام فنحن تقريبا لا نعلم عنه شيئا، لكن عندما يتحدث، ونسمع لهجته، فهذه اللهجة تساعدنا على تحديد من أي منطقة هو، وعند تحديد ذلك، نستطيع استجلاب التصورات النمطية عن أهالي تلك المنطقة على هذا الشخص. كل هذا الكم من المعلومات الخفية قمنا باستخلاصها من لهجته التي في ذاتها لا تدل على هذه المعلومات، ولو سمعها شخص من خارج البلد لما استطاع تمييز كل هذه المعلومات. بهذه الطريقة تصبح اللهجة آلية مهمّة لتقسيم الناس لمجموعات ورسم الفروقات بينهم. لكن عندما تكون في منطقة كلهم يتحدثون نفس اللهجة، فإن اللهجة تفقد قيمتها في تحصيل معلومات عن الأفراد وتصبح جوانب أخرى من الهوية أكثر أهمية. تتمتع الهويّة الإثنية بسمات تجعلها جذّابة لتقليل الحيرة عن غيرها، فهي تتقاطع مع توزع الناس الإقليمي، فغالبا ما نجد أن سكان منطقة أو إقليم ينتمون لنفس الإثنية، وهي أكثر مقاومة للتغيّر، وأوثق ارتباطا بالمصير المشترك، وأكثر تضمنا للمعاني والمعلومات. ولهذا هي طريقة فعالة لتخفيض الحيرة، وتمكين الفرد من المخاطرة باتخاذ قرارات في العالم الذي يعيش فيه.

الهوية القومية والإنفصال

الأفراد يسعون لتعظيم فرص حياتهم، وحتى يستطيعوا اتخاذ الخيارات لتحقيق ذلك، عليهم تحويل حيرتهم إلى مخاطرة. فتكون الخطوة الأولى هو تحديد هويتهم القومية، فالكردي الذي يعتبر الكردية هويته التي من خلالها يقلل حيرته، فإنه سيجد نفسه ينتمي لمنطقة تختلف قوميا عن القومية التي تسيطر على الدولة المضيفة. ففي سعيه لتحسين فرص حياته، عليه أن يحدد موقفه من هذه الدولة المضيفة: هل ستكون عائقا أمامه أم لا، وهل من الأفضل لمنطقته أن تنفصل أم لا؟ فقرار الإنفصال من عدمه ليس نتيجة مباشرة لوجود وعي قومي، بل نتيجة سؤال تسأله الجماعة القومية التي تريد الإنفصال: هل نحن أفضل حالا إن أردنا الإنفصال أم أننا أفضل حالا إذا بقينا على وضعنا الحالي؟
في موضوع الإنفصال هناك لاعبين رئيسيين: الجماعة القومية، والحكومة المركزية. فالقومية عندها خياران: أن تنفصل أو أن تبقى؛ فإذا اختارت أن تنفصل، فإن على الحكومة المركزية أن تختار إما أن ترسل الجيش لإخضاع الجماعة المنفصلة، أو أن تقبل الإنفصال؛ أما إن اختارت الجماعة القومية البقاء، فإن لدى الحكومة المركزية خياران أيضا: إما أن تتبنى سياسات احتوائية وملائمة للقومية، أو أن تستغلها. بالنسبة للحكومة، فإن الأفضل أن تبقى القومية (أي أنها تعتبر خيارات استغلالها واحتوائها أفضل من خيارات خوض حرب معها أو استقلالها)، ولكن هل تفضل الحكومة الاستغلال على الاحتواء أم العكس؟ إذا افترضنا أن الحكومة المركزية تسعى لمضاعفة فرصها ومكاسبها فإن الاستغلال سيكون السياسة المفضلة، لكن ليس على كل حال. فالإستغلال مكلف، وليس مجديا على المدى الطويل، وهذه الإعتبارات قد تدفع الحكومة المركزية لتبني سياسات احتوائية. ونفس الأمر يتعلق بخوض الحرب مع قرار القومية بالإنفصال أو تركها، فلا نعرف بالضبط أيهما أفضل للحكومة، فكلا الخياران يعتمدان على ظروف محددة.
بالنسبة للجماعة القومية، فخيار الإحتواء مفضّل على خيار الاستغلال، كما أن خيار الاستقلال مفضّل على خيار الحرب، كما أن خيار الاستغلال أفضل من خيار الحرب، فيصبح كل من الاحتواء والاستقلال أفضل من خيار الإستغلال وخيار الإستغلال أفضل من الحرب. لكن هل تفضل القومية خيار الاحتواء على الاستقلال؟ عند النظريات التى ترى في الهوية الإثنية قيمة كبيرة في تعزيز الثقة بالنفس والكرامة، فإن الجواب هو قطعا الاستقلال. لكن بالنسبة للنظرية الحالية والتي ترى أن الخيارات السياسة مستقلة عن الهوية، فإن الخيار المفضّل هو الإحتواء، ذلك أن هذه السياسة تحقق حماية أكثر للجماعة ومنافع اقتصادية وسياسية أكثر (انظر مثلا على حرص الدول للدخول في الإتحاد الأوروبي وتفضيلهم ذلك على المحافظة لاستقلالهم القومي، وذلك لم يوفره هذا الاتحاد من سياسة احتوائية مثالية).
من هذا التقسيم للتفضيلات، نستطيع أن نستنتج أن قرار الجماعة القومية للإنفصال سيعتمد بشكل كبير على نظرتها للحكومة المركزية. فإذا كانت تتوقع أنها سترد بالحرب، فلن تنفصل، وإذا كانت الحكومة المركزية تتبع سياسة احتوائية، فلن تنفصل، لكن في حال كانت الجماعة القومية تنظر للحكومة المركزية باعتبارها مسالمة واستغلالية في نفس الوقت، فإن الجماعة القومية ستتجه للإنفصال.
لكن كيف تعرف الجماعة القومية ما إذا كانت الحكومة المركزية لن تخوض حربا معها إذا أعلنت الإنفصال؟ فالجماعة القومية ستكون في حيرة من أمرها ولن تستطيع الترجيح بين هذه الخيارات في أول الأمر. وحتى تستطيع اتخاذ قرار الانفصال، فهي لا تحتاج لقطع هذه الحيرة باليقين، بل لتحويله إلى مخاطرة، أي إلى أن تعرف كم احتمالية حدوث كل خيار، وبعدها تخاطر باتخاذ أحدهم. وهنا يظهر دور الإثنية، فهي ليست الدافع للإنفصال وليست غطاء للدوافع الحقيقية، بل هي إحدى الطرق التي تستطيع من خلالها الجماعة القومية تحويل حيرتها من ردة فعل الحكومة إلى مخاطرة. فالفروقات الإثنية بين الجماعة القومية والحكومة المركزية تساعد الأولى على ضبط توقعاتها حول ردة فعل الحكومة المركزية ومدى موثوقيتها وهل ستكون استغلالية أم لا. لن تكون التوقعات التي تساهم بها الهوية مصيبة بالضرورة، بل غالبا ما تخطئ وتبالغ بتصوير الحكومة المركزية كاستغلالية.
ففي حالة الأكراد، فتاريخهم مع الحكومة المركزية في العراق مرّ بمراحل وتقلبات متعددة: من الثورة ضدها، لنوع من الحكم الذاتي، إلى المذابح الجماعية، إلى الحكم الذاتي مرة أخرى. ومن المتوقع لمثل هذه التجربة التاريخية أن تزعزع ثقة الأكراد بالحكومة المركزية والعرب المسيطرين عليها، وتجعلهم يتوقعون منها سياسات استغلالية متى ما سنحت الفرصة.

لماذا لجأ الأكراد للإستفتاء؟ 

في هذه اللعبة بين الجماعة القومية والحكومة المركزية، إذا قرر قادة الجماعة القومية الإنفصال، فإنهم سيحاولون التأثير على قناعات مواطنيهم عبر “التأطير”، أي إعادة صياغة القضايا والأحداث بطريقة تدفع المتلقي للتصرف واستنتاج النتيجة التي يرغب فيها القائد السياسي. فبارازاني برر طرحه للإستفتاء بأن الحكومة المركزية تقوم بنفس ممارسات الحكومة السابقة، حيث شبه قطع نوري المالكي للأموال عن إقليم كردستان بأنها “أنفال أخرى” مشيرا لمذبحة الأنفال في عهد صدام حسين، كما أكد أنها لا تحترم الحكم الذاتي، وأشار ابن أخيه رئيس الحكومة في كردستان لتهديدات رئيس الوزراء العراقي بأنه تذكرهم بنظام البعث. وهذه التوصيفات لسياسات الحكومة المركزية قد لا تكون دقيقة بالضرورة، لكنها تبعث في وعي المتلقي ذكريات المجازر والحروب في السابق، وتهيئه لقبول الإستقلال.
أما الطريقة المثلى التي يلجأ لها القادة عادة لتأطير آراء الناس وكسب تأييذهم بشكل علني للخيار الذي يريده القائد، فهي: الاستفتاء. لننظر لصياغة السؤال الذي طرح في استفتاء كردستان: “هل تريد إقليم كردستان والمناطق الكردية خارج إدارة الإقليم أن تكون دولة مستقلة؟“. والإجابة هي إما (نعم)، أو (لا). هذه الصياغة أرسلت رسائل متعددة للمصوّت الكردي تضمن أن تكون إجابة الأغلبية: نعم. فمن ناحية، الإجابة بـ(لا) تعني استمرار الوضع القائم، والتوقيت الذي أختارته النخبة السياسية الكردية، هو توقيت يعيش فيه العراق أسوأ أوضاعه السياسية والاقتصادية (حرب أهلية، طائفية، هيمنة دول خارجية، اقتصاد ضعيف، خدمات متدهورة…إلخ). كما أن هناك نقاشات كثيرة حول شكل الاستقلال داخل الأكراد، هل هو استقلال الإقليم نفسه، أم أيضا يشمل المناطق المتنازع عليها خارج الإقليم، والتي من بينها كركوك الغنيّة بالنفط (تنتج ٢٣٪ من إجمالي ما تنتجه كردستان من النفط)، ولهذا جاء السؤال شاملا هذه المناطق حتى يكسب الكثير من المترددين من مصير الدولة الجديدة الإقتصادي بدون كركوك.
ولتوضيح أهمية التأطير هنا، لنتخيل لو أن السؤال صيغ بالشكل التالي: هل تؤيد استقلال إقليم كردستان الحالي أم البقاء في العراق بشروط تكفل استقلال الإقليم والحرية والحقوق الشخصية والحق باستغلال ثروات الإقليم الطبيعية؟  لو صيغ السؤال بهذه الطريقة، فإنه من المتوقع أن تكون النتيجة مخالفة للنتيجة الحالية، بحيث سيقل المرحبون بالإنفصال مع وجود الرفض الدولي ومؤشرات الحرب، مفضلين هذا الحكم الذاتي الإحتوائي المريح الذي يخلصهم من مشاكل كثيرة متعلقة بالإستقلال، كعدم وجود منفذ مائي.
إن التأطير هنا ليس تلاعبا بالمشاعر أو تأجيج للمشاعر القومية، بل محاولة إقناع الفرد الكردي بأن من مصلحته القيام بهذا الفعل أو ذاك، ومثل أي فرد فإنه دوما بالإمكان إقناعه بالمصلحة المضادة إذا تم تسويقها بالشكل السليم، وهنا نجد إشكالية الحكومة المركزية العراقية التي لم تتوانى عن بث رسائل تساعد النخبة السياسية الكردية لتحقيق مرادها وإقناع الفرد الكردي بصحّة توقعها عن توجهات الحكومة الإستغلالية. فمن التصريحات المسيئة، كالتي أقرها رئيس الوزراء السابق حيث وصف الإنفصال بأنه “بناء لإسرائيل ثانية“، مرورا بقرارات الحكومة المركزية، كالمطالبة بتسليم إدارة المطارات للحكومة المركزية، والتهديد بالحظر الجوي، ومطالبة بعض نواب كتلة المجلس الأعلى بطرد النواب الأكراد الذين شاركوا في الإستفتاء من البرلمان، وتفويض البرلمان للحكومة باتخاذ الإجراءات لردع كردستان بما في ذلك القبض على بارازاني، بل إن كتائب حزب الله اعتبرت بارازاني هو “الوجه الآخر لأبي بكر البغدادي“.

 

خاتمة

إن هذه النظرية تعطي القرارات والتصريحات وطرق التأطير التي يقوم بها الساسة في كل من الحكومة المركزية والمنطقة القومية التي تسعى للإنفصال وزنا كبيرا في تحديد مصير الإقليم، إنها تؤكد أن على الحكومة المركزية استيعاب أن إدراك الأكراد للقضية يأتي من خلال هويتهم الكردية، وأن سلوكهم لا يمكن ردّه إلى شخص مسعود بارازاني، وأن المطالبة بالإنفصال ليست دوما الخيار الأول لكل كردي، بل إن بالإمكان لأغلب الأكراد أن يختاروا البقاء إذا تم إقناعهم بأن هذا سيزيد من تحسين فرص حياتهم.

 

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *