اللاجئون وسؤال الهوية

كاتب المقالة

خليفة الفضلي

 

” لقد فقدنا بيوتنا.. التي كانت تمدّنا بألفة الحياة اليومية
لقد فقدنا حرفتنا التي كانت تمدّنا بالثقة .. بأن لنا وظيفة وحاجة في هذه الحياة
لقد فقدنا لغتنا.. التي كانت تعني التفاعل الطبيعي وبساطة الإيماء.. والتعبير التلقائي عن المشاعر
تركنا أقرباءنا ليواجهوا الموت
كلّ ذلك .. أدّى إلى تمزيق حياتنا الخاصة.”      حنّه أرندت

 

 

الصورة بواسطة خليفة الفضلي

 

نجح جثمان الطفل الغريق عيلان وهجمات باريس في جذب اهتمام الإعلام لمعاناة اللاجئين المستمرة قبل ذلك بسنين، اهتمام لم يخل من تحيز غربي مغرق في تغطية وتحليل موجة اللجوء إلى أراضيه والتي تمثل جزءاً هامشياً من حجم المشكلة عالمياً. في هذه المقال سأحاول تجاوز هذا التحيّز الظاهر في الإعلام السائد من خلال طرح المشكلة من جانبين. أولاً: باستعراض واقع وأرقام النزوح القسري عالمياً والتي تتحدّى القوالب النمطية السائدة عن موضوع اللاجئين. ثانياً، بطرح التحديات التي تواجه اللاجئين من منظور علم النفس، وما يمكن أن يقدمه هذا المنظور للإسهام في تحسين سبل مواجهة تلك التحديات.

(١)

يوجد اليوم في العالم أكثر من ٦٠ مليون نازح ( أجبروا على مغادرة بيوتهم)، ولا يتوقع أن يعودوا إليها قبل سنوات. ومعظم هؤلاء (٨٦٪) نازحون في البلدان النامية والتي تحتل المراكز الثمانية الأولى كأكبر مستضيف للاجئين (نازحون غادروا بلدهم)، ما بين دول تستضيف العدد الأكبر من اللاجئين كتركيا (٢,٧ مليون) ودول تستضيف أكبر نسبة لاجئين لعدد سكانها كلبنان (٢٥٪) التي تستضيف ٥٥ لاجئ مقابل كل لاجئ يصل إلى كندا أكبر مستضيف غربي للاجئين، وحتى العراق المنهك بالحروب يستضيف حالياً ربع مليون لاجئ سوري!
عكس الانطباع السائد عن اللاجئين والذي يصورهم كشعب الخيام، فإن النسبة العظمى من اللاجئين (٨٠٪ على أقلّ تقدير) يسكنون في مدن الدولة المستضيفة، ما يعني أن عبء الخدمات الأساسية التي يحتاجها اللاجئون يقع على تلك المجتمعات وليس من خلال واحات معزولة تتكفل برعايتها المنظمات الدولية بتمويل من الدول المانحة (في عام ٢٠١٥م تمّ تغطية ما يقارب نصف التمويل الضروري فقط للاستجابة لأزمة النزوح السوري). أحد الجوانب المهمة الأخرى لفهم ظاهرة النزوح واقعيا هو أنها ليست قصيرة الأمد وإنما تمتد لسنوات عديدة، حيث يتردد تقدير ١٧ سنة كمتوسط لبقاء اللاجئ في الدولة المستضيفة. دول مستضيفة يدخلها اللاجئ طلباً للأمن ولكن في حالات كثيرة تكون هذه الدول ليست بمأمن عن الاضطرابات التي تعمّ الأقليم، كحال سوريا التي كانت قبل عام ٢٠١١م أكبر ثالث مستضيف للاجئين (من فلسطين والعراق) لتنفرد بعد ذلك مصدراً أكبر للاجئين.
سش

 

تمثل الأزمة الحالية تصاعداً خطيراً لمشكلة النزوح لدرجة أن أحدث نسخة للتقرير الأشهر في هذا المجال UNHCR Global Trends والصادر عن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين بالأمم المتحدة بتاريخ يونيو ٢٠١٥م (تقرير عن حالة النزوح عام ٢٠١٤م) أصبحت أرقامه لا تعكس الواقع على الأرض! مستويات الأزمة الحالية أعادتنا إلى الأجواء المظلمة للحرب العالمية الثانية والتي مثّلت صدمة وجدانية للحضارة البشرية دفعتنا للتوقف والمراجعة. أحد جوانب تلك الحرب والتي أثارت تساؤلات ملحّة هي الفظائع التي تم ارتكابها بحق المدنيين على نطاق واسع، وتمّ توثيقها في محاكمات نورمبرغ. تلك المحاكمات شكّلت أساساً لتطورات قانونية وتنظيمية في مجالات مختلفة، لكن صور الجرائم البشعة التي تضمنتها قادت أيضاً إلى تساؤلات تتوسّل فهماً جديداً للطبيعة البشرية.

حجم وبشاعة الجرائم المرتكبة في الحرب العالمية الثانية تحدّى التفسير التقليدي والذي يعزو الجريمة لخلل متأصل في الفرد “الشرير” و يختزلها في انحراف شاذ عن “الطبيعة البشرية”. توجهت الأنظار في بحثها عن الأسباب إلى السياق الذي حدثت فيه تلك الفظائع وتساءلت عن أثر البيئة الاجتماعية على سلوك الفرد، ما مهّد لولادة علم النفس الاجتماعي.

تلقّف تلك التساؤلات باحثون مثل مظفّر شريف صاحب تجربة معسكر الأولاد الشهيرة والتي كانت مثالاً واضحاً على عملية تكوّن الجماعات، وكيف يوجهنا الإنتماء للجماعة نحو التعاون أو الصراع. قام الباحث بجمع مجموعة أطفال من خلفية متشابهة ولا توجد بينهم معرفة سابقة وقسمهم إلى مجموعتين ثم خلق ظروف تنافس مما أظهر عدوانية عالية تجاه أعضاء الفريق الآخر. تلك التجربة سلطت الضوء على القوة المحركة لمثل هذا التفاعل والتي صاغها تاجفل وزميله تيرنر لاحقاً في نظرية حول مفهوم الهوية الاجتماعية، والتي تمثل تصوّر الإنسان عن نفسه المستمدّ من الجماعة التي ينتمي لها، لكنهم نظروا للجانب البنّاء فيها كمصدر لتمكين الأفراد من استغلال إمكانيات المجتمع لإحداث التغيير الاجتماعي.

 


 (٢)

مفهوم الهوية الاجتماعية اليوم قادر على الاسهام في فهم قضية اللاجئين من منظورين، أحدهما متجه للخارج في العلاقة مع الآخر (المستضيف) المتوجس منه خيفة، ومنظور متجه لداخل مجتمع اللاجئين بحثاً عن مصادر القوة فيه، بعدما قصّرت المساعدات الخارجية حتى عن إمداده بالضروريات .

أولاً, ينظر للاجئين في الغرب أحياناً على أنهم الآخر المختلف ثقافياً وعقدياً في مقابل نحن المواطنون مما يولّد روح العداء ضد القادمين الجدد، فنجد بعض السياسيين يشبهون اللاجئين (المسلمين منهم) بـ “الكلاب المسعورة” تحذيراً من خطرهم. وأحياناً يُنظر لهم بعين المشترك الإنساني فيدخلون تحت مظلّة “نحن” التي تفتح لهم بوابة التقبل والترحيب بالمجتمع الجديد، فنجد البعض الآخر يشدّد على أن “ما يجمعنا مع اللاجئين هو شوقنا للحرية“. تكمن خطورة خطاب التمايز القائم على الهوية “نحن وهم” في كون أثره متعدياً للمنابر الإعلامية والسياسية التي تستغله أحياناً لتحقيق أهداف قصيرة الأمد، كون هذا التمييز ومشاعر العداء للآخر الأساس الذي قامت عليه جرائم الإبادة الجماعية في الحرب العالمية الثانية.  

ثانياً, حتى نفهم، ما الذي يدفع اللاجئين للموت في سبيل الوصول لأوروبا؟ يجب علينا أن ننظر لظروف اللاجئين في الدول النامية، نجد أنهم قد هربوا من عنف الحرب وصدمتها ليواجهوا معاناة حقيقة من نوع آخر. تقول لنا الدراسات التي أجريت على مجتمعات اللاجئين بأن ” مصدر معاناتهم الرئيسي ليست ذكريات الحرب وأهوالها وإنما هي هموم الحياة اليومية وضغوطاتها“. فاللاجئون عمدوا للجوء كحلّ مؤقت (بناء على مدخرات محدودة) ومعظم برامج الإغاثة مصممة للطوارئ وهدفها إنقاذ حياة الضحايا وليس توفير المعيشة لهم (تمنح المفوضية اللاجيء السوري ١٤$ للفرد شهريا ولا يسمح لهم بالعمل في بعض الدول). في ظل واقع أن الجزء الأضخم من اللاجئين سيبقى يعاني تلك الظروف الصعبة لسنوات طويلة في الدول المجاورة، سيكون من المنطقي أن نبحث عن مصادر أخرى للدعم غير المنظمات الدولية، واستغلال الطاقة الكامنة في مجتمع اللاجئين أحد تلك المصادر.
يقدم لنا منظور الهوية الاجتماعية فرضية أن الناس حتى وإن لم تكن بينهم أي علاقات سابقة، فإنهم عند مواجهة تحديات مشتركة يطورون إدراكاً لانفسهم كأعضاء في جماعة واحدة. هذه الهوية الاجتماعية المشتركة المنبثقة من المصير المشترك تلعب دوراً حيوياً في التضامن وتنسيق جهود المساعدة بين الناس المتضررين، من خلال تمكينهم ليكونوا عناصر فاعلة لمواجهة التحدي المشترك.
هنالك دراسات عديدة توفر لنا شواهد واقعية على هذا النوع من التضامن المبني على الهوية الاجتماعية، حيث وجد الباحثون أن الهوية الاجتماعية المشتركة كانت المحرّك الأساسي لسلوك المساعدة في حالات الطوارئ مثل تفجيرات مترو الأنفاق في لندن عام ٢٠٠٥م. و زلزال تشيلي عام ٢٠١٠م، وتم تحويل نتائج تلك الدراسات إلى إرشادات عملية فيما يخص التعامل مع حالات الطوارئ العامة، والتي أصبحت تُعدّ الأشخاص المتأثرين بالكارثة على أنهم خطّ الاستجابة الأوّل وأداة فعّالة لمواجهتها، بدلاً من الموقف السلبي سابقاً الذي كان يفترض أن يصاب الناس بالهلع وبالتالي يسعى لتقييدهم وحجب المعلومات عنهم. في دراسة حديثة قمنا بها بين اللاجئين السوريين في تركيا وجدنا دلائل على آليات مشابهة للدعم النفسي الاجتماعي بين لاجئي الحروب، حيث وجدنا أنه كلما زاد تماهي اللاجئ مع اللاجئين الآخرين زاد استعداده للمشاركة في مساعدة اللاجئين الآخرين، وبالتالي ترك أثر إيجابي على صحة اللاجئين.  

 

تلك الهوية المشتركة تملك من القوة ما يمكّنها من كسر الحواجز بين مجموعة من الأغراب في عربة قطارٍ مشغولٌ كلّ منهم في صحيفته أو هاتفه وإحالتهم لأعضاء ضمن فريق واحد يتبادلون أفضل الآراء لاتخاذ القرار، وتنسيق جهودهم لتصب في صالح الجماعة، متى ما أدركوا أنفسهم في تحدي مشترك تقع عليهم مسؤولية مواجهته. إحساس بالانتماء يطغى على إحساس الفرد بالخوف والأنانية، فيدفعه للبقاء وتعريض حياته للخطر من أجل مساعدة شخص لا يعرفه.

وبناءً على ما نعرفه عن أوضاع اللاجئين فإنها بيئة خصبة لظهور هذه الهوية المشتركة بينهم لتشابه ظروفهم والتحديات التي يواجهونها، بالإضافة إلى عوامل أخرى تنحت هوية “لاجئ” في وعي الهارب من جحيم الحرب إبتداءً من استلامه وثيقة التسجيل في المفوضية العليا للاجئين فور عبوره الحدود، وانتهاءً بالتباين الواضح بين “اللاجئين” من جهة و “المواطنون” في المجتمع المضيف.
 لقد وجدنا في دراسة حالية عن اللاجئين السوريين في الأردن أن بعض اللاجئين توّسعت علاقاتهم الاجتماعية خارج نطاق البلدة أو العشيرة، لتشمل كافّة أطياف المجتمع السوري جغرافياً و عبر الطبقات الاجتماعية، وعزى اللاجئون هذا التحوّل إلى ظروف اللجوء والهموم المشتركة التي أذابت الحواجز بينهم. كشفت الدراسة أيضا عن صور متعدّدة من الدعم النفسي الاجتماعي الموجود بشكل طبيعي في مجتمع اللاجئين، كأن يجد اللاجئ شخص آخر يشكي له الهموم ويستطيع إسداء النصائح له وتوجيهه لاتخاذ قرار أفضل في بيئة جديدة ومختلفة، أو بشكل دعم مجسّد كتدريس فصول تقوية أو مساعدة في تحديد اللاجئين الأكثر احتياجاً وتوصيل المساعدات لهم، وفي بعض الأحيان يكون على هيئة شبكة علاقات اجتماعية غير رسمية مع المجتمع المضيف لتسهيل معاملات اللاجئين ومصالحهم.

تلك الهوية للأسف ينظر لها بشكل سلبي من قبل المضيف وحتى اللاجئ الذي يغلّفها بالهوية الوطنية تحايلاً، إلاّ أن هذا المنظور يعطي أملاً بفتح المجال لتحويل هوية “لاجئ” من وصمة لكونها مصدر قوة وتمكين للاجئين، وفتح الباب لبرامج تستهدف استغلال شبكة الدعم الاجتماعي المتوفرة مسبقاً في مجتمع اللاجئين والتي تستخدم الموارد بكفاءة أعلى من المنظمات والأفراد الخارجيين.

‏4 تعليقات

  1. مع الأسف أن اللاجيء ينظر إليه بأنه بدون هوية شخصية اواجتماعية فتتعامل الدول معه بأنه غير قادر على الحركة بين الناس لفقدانه الهوية الوطنية فهو خطر يواجه استقرار الوطن وأمنه قد يستغل من تنظيمات مسلحة معادية لعوزه للمال للعيش فلديه أمل أن ينجو من العقابين عقاب العوز وعقاب الإرهاب فكثير منهم لايمثلون الشر قبل اللجوء ولكن أضطر لذلك بعد اللجوء

  2. محاولة جميلة لتوظيف النظريات العلمية في علم النفس لفهم ومساعدة اللاجئين. وسينطلق تعليقي هنا من عنوان المقالة، ومدى انعكاسه بوضوح في محاولة تحليل وضع اللاجئين النفس-اجتماعي من منحى الهوية الاجتماعية المشار إليه. أولا، من بداية المقالة، كان هناك ميل للنظرة السوسيولوجية (علم الاجتماع) في عبارة “أثر البيئة على سلوك الفرد”. فعلم النفس الاجتماعي، بوصفه فرعا من علم النفس، لا يدرس “أثر البيئة على سلوك الفرد”، بقدر ما يدرس تفاعل العمليات النفسية في الفرد (ذهنية، عاطفية، سلوكية) مع مواقف الحياة الاجتماعية.
    ثانيا، كان من المتوقع من عنوان المقالة أن تطرح افتراضات وفرضيات وتفسيرات صريحة مستقاة من نظرية الهوية الاجتماعية المشار إليها (تاجفل) ونظرية تفيئة الذات (تيرنر)، وهي لا بد أن تكون ذهنية اجتماعية. وهذا ضروري كي تناقش المقالة بشكل علمي صريح حسب منطلقاتها وعنوانها.
    مع كل هذا، لا شك عندي أنه من الممكن أن يسهم الكاتب كباحث في إنارة جانب مهم من وضع اللاجئين، شرط أن يطرح أفكارا تعكس النظرية التي هو بصدد توظيفها. أتمنى له كل التوفيق.

    1. شكرا د.فلاح على التعليق القيم. أتفق معك في مركزية العمليات النفسية وأوضح أن تركيزي البحثي يقع ضمن هذا المجال بفحص كيف ينظر الفرد لنفسه وللآخرين (Self categorization) وبالتالي كيف يقود ذلك تفاعله مع الآخرين. ربما طون الهدف من هذه المدونة هو تقديم إسهام علمي بلغة بسيطة للجمهور المتخصص قادتني إلى تبسيط مخل, ولكن لو تتبعت الدراسات التي وضعت وصلاتها ف نص المقال ستتضح لك الصورة. أيضا قمت بكتابة بحث تمت الموافقة على نشره, استعرض فيه حاجات الدعم النفسي الاجتماعي للاجئين في الدول النامية ثم أربطها بنظرهية الهوية الاجتماعية بتفصيل أكبر مما يتسع له المقال هننا. الورقة ستكون متاحة خلال أيام في صفحتي على موقع Research Gate

شاركنا بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *